من الواضح أن هذه المنطقة ما زالت تستهلك من نشاط ووقت الآنسة كوندوليزا رايس أضعاف ما يستهلكه من وقتها العالم أجمع، وهو وضع لم يتوقعه المحافظون الجدد الذين ظنوا أنهم ما أن يحتلوا أفغانستان والعراق حتى تسقط إيران ثمرة ناضجة بأيديهم، ومن ورائها سوريا، ولتغدو التسوية التي يريدها شارون، ومن بعدها الزعامة الإسرائيلية للمنطقة واقعاً حقيقياً لا لبس فيه.
لم يحدث ذلك، إذ خرجت المقاومة العراقية لتنسف جبل الأحلام الذي بني على تداعيات ما بعد الاحتلال، وليضطر شارون إلى تنفيذ الانسحاب من قطاع غزة كي لا تزداد عزلته وعزلة بلاده. وحين اضطرت واشنطن للفرار من جحيم المقاومة العراقية إلى دفء القوى الشيعية وجدت نفسها أسيرة الإيرانيين الذي يتحكمون أو يوجهون تلك القوى، كما وجدت جيشها رهينة النفوذ الإيراني الواسع في الساحة العراقية، وهو ما أضعف مطاردتها للملف النووي الإيراني ولسوريا المتهمة بدعم الإرهاب العراقي والفلسطيني.
خلال هذه المرحلة وجدت عصابة الرئيس بوش أن لعبة الديمقراطية قد تشكل وسيلة للضغط على الأنظمة العربية، لكنها لم تدرك أن لعبة كهذه ستحمل حماس نحو فوز كبير في فلسطين، وقبلهم الإخوان في مصر، فيما سيشكل ذلك إضافة إيجابية بالنسبة للسوريين والإيرانيين، ولاسيما في ظل فوز الأحزاب الأصولية الشيعية والسنية في الانتخابات العراقية، وفشل محاولة تحجيم التحالف الشيعي لحساب إياد علاوي والأكراد المقربين من واشنطن.
هكذا اكتملت دائرة الفشل الأمريكي، ولاسيما أن نجاحاً لا يتوافر في أفغانستان أيضاً، ومن هنا كان على رايس أن تأتي في محاولة لحصار هذا البركان المتفجر في المنطقة، ولاسيما وهي تراقب ذلك الحراك الشعبي العربي والإسلامي الاستثنائي، كما عكسته أزمة الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
ربما بدت حماس هي الأكثر حضوراً في جولة رايس، ولاسيما أن حماسة عربية لإفشالها قد تتوافر في هذه العاصمة العربية أو تلك، ولاسيما تلك الخائفة من تداعيات ما جرى على وضعها الداخلي.
ليس لدى رايس والصهاينة من خيار سوى إفشال حماس، إذ إن أي تغيير في خطابها لن يحل المعضلة، فما يعرضه الإسرائيليون لن يمر إلا من خلال استسلام فلسطيني وعربي شامل، وحماس لن تقدم أكثر مما قدمه محمود عباس، ومن هنا كان من الطبيعي أن تركز الجولة على لعبة الإفشال التي كشفت «نيويورك تايمز» بعضاً من فصولها، وما من شك أن حركة فتح ومن ورائها مصر سيشكلان، من وجهة نظر رايس، عنصراً أساسياً في اللعبة، إضافة بالطبع إلى الدولة العبرية التي تعرف ما عليها أن تفعله لحصار التجربة الجديدة وصولاً إلى توفير أجواء تسمح لمحمود عباس بالقول إن مصالح الشعب الفلسطيني قد غدت مهددة ما يحتم ضرورة إعادة الانتخابات أو إعلان حالة الطوارىء وحل المجلس التشريعي وتأجيل اللعبة الديمقراطية إلى حين اكتمال بنيان الدولة الموعودة.
في هذه الأجواء من الطبيعي أن تختلف الرؤية المتاحة حول الديمقراطية بعد التجارب الأخيرة، وفيما لم تتورط رايس في الانقلاب على الرؤية القديمة، بدليل انتقادها لتأجيل مصر لانتخابات المحليات خوفاً من صعود الإخوان، إلا أن الانتقاد سيبقى ناعماً في كل الأحوال، وكما مررت من دون ضجيج التزوير المعلن والمفضوح في الانتخابات البرلمانية، فستمرر قرار تأجيل الانتخابات المحلية.
يشار هنا إلى جدل الديمقراطية وجدواها في الأروقة الأمريكية لم يصل إلى نتيجة واضحة بعد، لكن الثابت أن مسلسل الصعود الكبير للإسلاميين سيدفع نحو إعادة النظر في مجمل اللعبة، ما يعني أن الضغوط لن تتواصل على هذا الصعيد عربياً حتى لو تواصلت التصريحات الداعية إلى المضي في تعميق المسار الديمقراطي، أما القول بأن ما يجري هو مرحلة انتقالية ستليها مرحلة أخرى تصعد من خلالها قوى ليبرالية متصالحة مع الغرب فهو محض هراء، لأن رفض شعوب المنطقة للغطرسة الأمريكية لا صلة له بالأيديولوجيا، بل بالمشاعر الوطنية والإسلامية والوطنية، وقد نال عبد الناصر من ناله من شعبية بسبب خطابه الثوري وليس بسبب أفكاره القومية، وصعد اليسار في الستينيات، ليس بسبب أيديولوجيته، بل بسبب طروحاته الثورية أيضاً.
إلى جانب ملف حماس من المتوقع أن تكون الآنسة رايس قد حرضت على الملف النووي الإيراني، إضافة إلى التحريض على سوريا، وفي حين لا تجد الدول العربية، وعلى رغم خوفها من التسلح النووي الإيراني، أن من مصلحتها الانحياز إلى واشنطن على هذه الصعيد، ولاسيما في ظل التسلح النووي الإسرائيلي الرهيب، فإن ملف سوريا لن يكون أفضل حالاً، إذ من الصعب على القاهرة والرياض أن يشاركا في لعبة إحكام الحصار حول سوريا، ولاسيما أن مزيداً من تصعيد الاشتباك في الملف اللبناني قد يؤدي إلى حرب أهلية، ولا بد تبعاً لذلك من توافق لبناني ينزع فتيل تلك الحرب ويعيد إلى لبنان صيغته القديمة كما عكسها اتفاق الطائف.
نتوقع أيضاً أن الملف العراقي لم يغب كذلك عن جولة رايس، ولكن في سياق مختلف هذه المرة، حيث يتوقع أن تكون قد وضعت بعض الدول العربية في صورة جهودها لتحجيم أنصار إيران في الساحة العراقية، فيما يعتقد أن تصريحات السفير الأمريكي زادة بشأن استبعاد الطائفيين من الحكومة قد جاءت قبل الجولة لمنحها دفعة سياسية.
على صعيد الملف الأساسي، أعني ملف حماس، من الصعب القول إن رايس قد حققت الكثير، أقله بحسب المعلن، أما في حال حصولها على وعود غير معلنة، فإن ذلك لن يحدث بسبب قدراتها الدبلوماسية، بل تبعاً لتوجهات الأطراف المعنية، ولاسيما الفاعلة منها، لكن ذلك لا يعني أن تجربة حماس قد آذنت بالفشل، والسبب هو أن الانقلاب عليها بهذه الوسيلة أو تلك لن يغير من حقيقة أنها غدت الحركة الأكثر تمثيلاً للفلسطينيين في الداخل والخارج، كما لن يغير من حقيقة أن التسوية ستبقى في مواجهة الجدار المسدود الذي تعكسه الطروحات الإسرائيلية التي لا يقبل بها لا محمود عباس ولا سواه، ما يعني أن أفضل الاحتمالات هو العودة إلى سياسة المراوحة لبعض الوقت وصولاً إلى عودة التصعيد من جديد، ولاسيما بعد تأكد الفشل الأمريكي في العراق.
السبيل الأردنية
رايس إذ تنشغل بحرائق المنطقة!!.. ياسر الزعاترة
