حرائق بدخان يعمي العيون، وأخرى بدون، حرائق ذكية غبية، معلومة ومجهولة،
متواصلة ومتقطعة يتسامر على جمرها المحققون، في عز الظهر أو في عز الليل، في البنك المركزي والفرعي، في حقل النفط وعداده أو في خزان الحبوب وخزائن الوزارات أو على أرصفة الميناء، هناك في حكومة بغداد أو أربيل أو حكومات المحافظات، للعراق سراق متخصصون، هواة ومحترفون، بريمريون، وطائفيون وعنصريون ومرتزقة من كل شكل ولون، للعراق حكام يحكمون، يتحاصصون، يتغالبون، يتنابزون، لكنهم ساعة الجد يتوافقون، هذا يسرق ثم يحرق، وذاك يحرق ليسرق، مال سائب وصاحبه الحقيقي غائب، منذ ان احتلت البلاد، وهم يختلسون، ويحرقون.
ترتفع معدلات الحرائق في صيف العراق الحارق، لتزيد عليه طين البلايا بلة، تطين الأخضر واليابس في بلاد تشبعت منها حتى اللعنة، ولو أن تلك الحرائق كانت في غابات نخيل أو محطات وقود فقط، لكان الأمر ربما عاديا، وليس بفعل فاعل كما تؤشر كل الدلائل، لكنها تخصصت بمناسبة ودونها، بالدوائر والوزارات والمخازن والمستودعات الحكومية ذات التحصينات الأمنية والكهربائية والصيانية، التي يتبجح بها المتنفذين أنفسهم!
خلال الثلاثة أشهر الأخيرة نشب 25 حريقا كبيرا ومتوسطا في عدد من المباني والمواقع الحكومية التابعة للوزارات العراقية داخل مركز بغداد وخارجه، كوزارة الصحة، والتعليم العالي، والثقافة، ووزارة التجارة، والداخلية، والنفط، والصناعة، والعمل والشؤون الاجتماعية، والمالية.
والغريب في الأمر أن أغلب لجان التحقيق المشكلة فوريا لمعرفة حيثيات تلك الحرائق، تخمن مقدما بأن المسبب هو تماس كهربائي، مع أن التيار الكهربائي مقطوع في أغلب الأوقات التي تشب فيه تلك الحرائق، والأكثر غرابة أن أول ما تلتهمه نيران تلك الحرائق هي ملفات العقود وأرشيف المستندات وعينات الفحص النوعي بالنسبة للمستوردات، إضافة إلى كشوفات العاملين في تلك الوزارات، ومحاضر اجتماعاتها وأيضا وثائق درجاتها الخاصة والعامة، مما يعني أن الفاعل هو من نوع واحد في أغلب هذه الحرائق، وكما يصف البغداديون الحالة الدائرة هذه الايام بانها محسوبة حسبة المقاولة غير المعلنة، بحيث يكون لكل فاسد عملية فاسدة، وبالتالي حريق للتغطية عليها، وربما حرائق، لأن الوزير أو المدير أو صاحب الدرجة الخاصة يعتبر حرق الوثائق والمستمسكات الرسمية، والأدلة العينية هي أنجع الوسائل للتهرب من المسؤولية، إن وجد من يحاسبه عليها!
لقد وضعت حكومة المالكي لنفسها مئة يوم كمهلة لتحسين الأداء الحكومي عموما والخدمي على وجه الخصوص، انتهت المهلة ولم يتحقق شيء، الذي تحقق هو دخول كل الوزارات تقريبا في مهرجان الحرائق الذي يراد من دخانه التغطية على الفشل والشلل والفساد الشامل والحاصل بسبب فساد أساسات البناء برمته، فما بني على فساد لا يمكن أن يعطي غير النتائج الفاسدة، والتي لم يشهد العراق بكل تاريخه مثيلا لها، سرقات بالمليارات، عقود ومقاولات وهمية، عمولات خيالية لتمرير صفقات دون الحد الأدنى من المواصفات المطلوبة، استيراد أغذية فاسدة، وأدوية فاسدة، والتعاقد مع شركات مفلسة واعتماد درجات علمية وإدارية بشهادات أكاديمية مزورة، وبيع وشراء عقارات الدولة وبعض مكونات قطاعها العام بمزادات وهمية وأسعار رمزية لصالح المنتفعين من حكام العراق الجديد!
إن الرقم القياسي الذي سبق وأن حققته حكومة الاحتلال الأخيرة هو في عدد وزرائها الخرافي، 46 وزيرا، وأيضا في مضاعفة عدد اللجان والدوائر والجهات المسؤولة عن النزاهة ومحاربة الفساد والرشوة والتربح من المنصب العام، فهناك المفتش العام ومكاتبه العامة والفرعية، وهو يعين بدوره شبكة من المفتشين في أغلب الوزارات العراقية، وهناك لجان ومفوضيات حكومية وبرلمانية للنزاهة، وهناك أجهزة الرقابة البرلمانية والحكومية، ومن اللافت أنه كلما ارتفع عدد هذه الجهات ارتفعت معدلات الفساد والتهافت عليه بين المسؤولين أنفسهم!
المسؤول المباشر عن ارتفاع معدلات الحرائق الحكومية الكبيرة والصغيرة والتفجيرات المروعة الأخيرة في العراق، هم أزلام القوات الأمريكية وسفارتها في بغداد، لإرعاب الناس وجعلهم لا يفكرون بغير سلامتهم وسلامة دوائرهم، فهؤلاء هم من يمسك بتلابيب السلطة في العراق المستباح؛ وفضائح سرقاتهم وتزويراتهم وعمولاتهم وتربحهم غير المشروع من المناصب التي يتولونها صار يعرف بها القاصي والداني.
لقد دخل زخم الحرائق الجديدة والتفجيرات المدنية الأخيرة، متماهيا مع دخان التجاذب السياسي والأمني المستحث أمريكيا وإيرانيا بسبب صراع الإرادات الجاري بينهما، حول استحقاق الانسحاب الأمريكي ومقتضيات تأجيله، والضغط الإيراني باتجاه ابتزاز مساعي هذا التأجيل لتحقيق المزيد من المكاسب داخل العراق وخارجه!
إن التلكؤ في تسمية الوزراء الأمنيين، والعودة مجددا لنغمة الفدراليات، وتصاعد حدة الملاسنات السياسية بين أطراف العملية السياسية المتصارعة على نسب غنائمها، كلها مؤشرات على مخاض قادم بترتيبات سياسية وعسكرية وأمنية يتوافق عليها المتحاصصون، فتمريرات الحزمة الواحدة بانتظار الضوء الأخضر الأمريكي والإيراني، أي بانتظار تفاهم جديد بينهما، حيث سيستقر في النهاية على تمديد البقاء للأمريكان، وتنازل المالكي عن بعض صلاحياته مقابل استمراره برئاسة الحكومة القائمة بعد ترشيقها، إلى جانب التأكيد على التعهد الأمريكي الاستهلاكي بمساعدة العراق على تجاوز مشاكله القائمة مع الكويت، وأيضا بمسألة خروج العراق من وصاية البند السابع، وإرخاء حبل الضغوط الأمريكية على إيران بخصوص ملفها النووي وقضايا اقليمية أخرى!
لقد ابتدأت حرائق العراق الكبيرة منذ أن شنت عليه الحرب الأمريكية المجرمة، ومنذ أن احتل أصبح طعامها شعب العراق وكل مقومات وجوده المادي والروحي، أراد المحتلون من دخانها أن يعمي عيون الناس حتى لا ترى ما يجري حقيقة، لتبقى أسيرة للظنون، وأما هذه الحرائق الحكومية التي يراد لها أن تكون ذكية، فهي حرائق تسمسر للحريق الكبير، الذي لن يطفئه المختلسون وسراق قوت الشعب مهما تمسحوا بعبارات النزاهة والمحاسبة والتقوى، ولن ينطفئ الحريق الكبير إلا بتحرير العراق من محتليه وناهبي خيراته ومتحاصصي حكمه.
حرائق العراق لا يطفئها المختلسون!.. جمال محمد تقي
