لم يعد شكا أو خلافا بين اثنين على أن إيران تعمل بكل ثقلها لتنفيذ الإرادة الأمريكية- الصهيونية وفق حلف أثبت التاريخ المعاصر وما قبله قوة أواصره، فتلك الحقيقة صارت ناصعة للجميع من خلال
الحرب بالنيابة برداء الإسلام، وتعددت صورها خلال عمر الاحتلال البغيض لقطرنا المفدّى وغياب القوة الرادعة لها وسيلتها الأهم والمعول عليها في ذلك العنف الطائفي الذي زرعت بذوره ورعته في المجتمع العراقي، وحاولت التوسع في نشره في كل الأقطار العربية لا حبا بالولايات المتحدة الأمريكية ولا بمدللتها كيان الصهاينة، وإنما محاولة منها لتفيد بما يخدم مصالحها، لتكون طرفا رئيسيا وفاعلا في صناعة الأحداث في منطقتنا من جهة، ولتقوية نفسها وعملها الحثيث لاستعادة أمجاد إمبراطورية فارس على حساب العرب، من جهة أخرى، بالاستفادة مما توفره مظلة الاحتلال الأمريكي من خلال مساومات تجري خلف الكواليس بين أطراف تحالف الشر هذا، يذهب ضحيتها ليس شعبنا العراقي فحسب بل كل الشعب العربي ابتداء من العراق والخليج العربي وانتهاء بآخر شبر على ساحل المحيط الأطلسي.
الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن في يوم من الأيام غبية، وهي عدو لكل شعوب الأرض، لا تستسلم أبدا ولا تكف عن غرز مخالبها السامة في أي جسم تطاله يدها، ولا يدور في فلكها، بلا رحمة أو شفقة إلا إذا استطاع خصمها كسر تلك اليد وتقليم تلك المخالب؛ ولا يمكن أن تنسى أن العرب وبلادهم مطمعها الأول والأكبر من خلال نفطهم الذي لا زال يمثل نبض الحياة في الاقتصاد العالمي، إضافة إلى مجموعة مزايا طبيعية امتازت بها أمتنا ولا تتوفر في غيرها من شعوب الأرض.
ورغم اكتشاف بدائل للنفط إلا أنه يبقى عامل الحسم الأهم في دوران حركة الاقتصاد العالمي، وإدارات الولايات المتحدة الأمريكية المتعاقبة تدرك أيضا أن آخر برميل نفط في العالم سيكون عربيا، إما من المملكة العربية السعودية أو العراق الذي ينافسها في أكبر احتياطي عالمي، لذلك فهي تدعم أي طرف يحقق لها أهدافها المرحلية حتى وإن اختلف معها في استراتيجيتها بعيدة المدى.
مصالح الولايات المتحدة لا تقف عند حدود استيراد النفط العربي، بل تحتاج إلى وسيلة أهم تستنزف بها عائدات العرب من نفطهم، فما تدفع من أموال ثمنا له في يدها اليمين لا بد أن تسحبه في يدها الشمال من خلال جعل العرب سوقا لبضائعها الاستهلاكية حصرا، وهي تدرك أن لها منافسين آخرين من دول العالم الصناعي كالصين واليابان وحتى حلفاءها الأوربيين في استيراد النفط وتصدير السلع، علما أن العرب لا يستلمون أموالهم وعائدات نفطهم نقدا بل توضع كودائع مالية في البنوك الأمريكية ليعاد استثمارها هناك في مشاريع إضافية تصدر منتجاتها إلينا أيضا.
إذن عليها أن تجد وسيلة إضافية لاستنزاف الثروات العربية، وليس أنسب من إثارة الخوف في نفوسهم وتهديدهم المستمر الذي يدفعهم إلى مزيد من الارتماء في أحضانها، أي أنها بحاجة إلى من يهدد النظام الرسمي العربي ويلعب دور العدو المشترك الدائم، فنجحت إيران في تجسيد هذا الدور تارة من خلال المفاعل النووي وتطوير الصناعات العسكرية الهجومية البعيدة المدى وإجراء المناورات العسكرية على مقربة من العرب واستعراض العضلات، وتارة من خلال شبكات التجسس المنتشرة بسهولة في أغلب الأقطار العربية وأخرى من خلال المطالبة الوقحة بعائدية هذه الدولة أو تلك إليها، كما حصل في البحرين، ومرة أخرى من خلال التصريحات النارية التي يطلقها أتباعها وعناصر نظامها.. وهكذا يصبح العرب أمام خطر دائم واعتقاد خاطئ بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي صمام الأمان الذي يحمي لهم كياناتهم وثرواتهم التي تتسرب من بين أيديهم وهم يشعرون بذلك ويعرفونه لكنهم مسلوبو الإرادة.
رغم أن أي احتلال هو حالة لا تعبر عن تطور حضاري إلا أن التاريخ الإنساني لم يعرف أكثر انحطاطا وظلما للشعوب المحتلة من الاحتلال الانكليزي، إلا الامبريالية الأمريكية التي رضعت الغل والحقد والجشع وكل صفات الرذيلة من أمها انكلترا، فهؤلاء قوم جبلوا على ذبح الشعوب منذ أن هاجر لصوص العالم القديم من بلدانهم إلى أمريكا وانتهكوا حقوق أهلها الأصليين وسكانها الهنود الحمر وعمر دولتهم لم تسجل فيه علامة واحدة تدلل على غير هذا، ولن تردعهم إلا القوة.
وضمن نفس النهج فقد حاولت في العراق مسك العصا من الوسط بين العرب والفرس بعد التعسر الواضح في إنجاب حكومة تتعدد ولاءاتها وطاعاتها لأكثر من جهتين؛ تعسرت ولادتها لأنها عن علاقة انبطاحية وغير شرعية فقبعت في منطقة الذل الخضراء ولكنها لم ولن تنجح لأن واجبات العمالة المطلوبة منها أكبر منها بكثير وأن من يمثلها منشغل بسرقة قوت الشعب، وقد أرادتها أن تكون يدها في تنفيذ برامجها على المستوى الإقليمي بعد تجاوز امتحان العراق لأن الصراع على المسرح العراقي لا يتوقف عند طمع الفرس بل يتعداهم إلى طمع الأتراك والروس واللاعب القوي الهادئ الصين.. غير أن صانع الأحداث والمعرقل والرادع الحقيقي على الأرض، هو المقاومة الوطنية العراقية.
لقد بدأت إيران مع مطلع العام الحالي استثمار صفحة جديدة تزامنت مع إصرار الشعب العراقي البطل على طرد الغازي الأمريكي، فدفعت بأعداد كبيرة جدا من الإيرانيين إلى العراق وتسريبهم إلى المشرق العربي بعد أن تم تدريبهم وإعدادهم في إيران وهي تسعى من خلال هذا لإحكام قبضتها على الحكومة العراقية العميلة أولا والتخلص من المعارضين لوجودها من خلال التصفيات الجسدية التي تجري بشكل يومي منظم في نفس الوقت الذي تكثف وبكل السائل من حملات انتهاكاتها للسيادة العراقية، بقصف القصبات والقرى من جهة، وبقطع مياه الأنهار التي تغذي وتصب في الأراضي العراقية من جهة ثانية، وقضم الحدود والاستيلاء على آبار النفط الحدودية مرة ثالثة.. وهكذا تجتهد لتثبت عدم قدرة العراقيين على الدفاع عن أراضيهم وسيادتهم، بمعنى تأكيد حاجتهم إلى وجود القوات الأمريكية من خلال تمديد اتفاقية الذل والعار ولو بإطار جديد مختلف.
وبذلك فإن الفرس يسعون جاهدين بكل الإمكانيات المتاحة لإكمال هلال عربي يخضع للنفوذ الفارسي بعد أن ارتفع رصيدهم البشري في الشريط الساحلي لغرب الخليج العربي والعراق وسوريا ولبنان- حسن نصر الله وحماس- وهو في توسع مستمر من كل الجهات، توفر له الحماية وتمكنه من بلوغ أهدافه قوات الاحتلال الأمريكية لضمان أمن الكيان الصهيوني.. لولا وجود الفعل المؤثر للمقاومة العراقية الباسلة التي تحظى برعاية الله والتفاف جماهير شعبنا.
لقد ابتعدنا عن ذكر الكثير من الحقائق التي تدين العلاقات المشبوهة التي تساهم فيها أنظمة الحكم العربية في المنطقة، ودورها في قمع حركة الجماهير التي أدركت تقاسم الأدوار الخبيثة في أقطارها، وموقف الولايات المتحدة منها ووسائلها في حماية تلك الأنظمة، استرضاء لإيران واستجابة لرغباتها التوسعية، والتي تختلف كليا مع المواقف السياسية المعلنة.
تحية لشعبنا الصامد والثابت على تحقيق أهدافه وإفشال كل مخططات أعدائه رغم تضحياته الكبيرة.
ح
العرب وأمريكا وإيران ومشرق بلادنا! / عراق المطيري
