هيئة علماء المسلمين في العراق

البرلمان العراقي.. يفوق الخيال! / ساطع راجي
البرلمان العراقي.. يفوق الخيال! / ساطع راجي البرلمان العراقي.. يفوق الخيال! / ساطع راجي

البرلمان العراقي.. يفوق الخيال! / ساطع راجي

اكتملت صورة البرلمان العراقي تقريبا مع ملء معظم المقاعد الشاغرة نتيجة استيزار بعض النواب، وصار للعراقيين برلمان غريب من نوعه، برلمان يفوق الخيال ويتغلب عليه ويحطم بديهيات السياسة ويتجاوز مألوفها التاريخي، ويدمر أعرافها ويفتت منطقها، ويترك المواطنين في حالة ذهول أمام المصير الذي انتهت إليه أصواتهم، وهو مصير صنعته ثغرات قانونية مرة، وعوج سياسي مرة أخرى، والفساد مرات ومرات، والتشوهات الأخلاقية مرات أيضا، وعدم دراية الناخبين أيضا، وربما عدم دراية بعض الساسة كذلك.

في الحد المثالي الأعلى، يفترض بأي برلمان أن يكون ممثلا لإرادة الشعب، وفي الحد العملي الأدني قد لا يتجاوز البرلمان أن يكون ممثلا لتوجهات الناخبين في التصويت، لكن الحالة العراقية لا علاقة لها بالسقفين السابقين، بل هي حالة فريدة تدفع للشك أحيانا في الأساس الدستوري والمنطقي حتى لوجود البرلمان، حيث إن هناك عددا كبيرا من النواب دخلوا البرلمان ببضعة أصوات، وهي أصوات تعني أولا أن الشعب لم يقبل بدخول هؤلاء المرشحين إلى البرلمان، وتعني ثانيا أن هؤلاء النواب ليست لديهم أية التزامات سياسية تجاه الشعب لأنهم ببساطة لم يحصلوا على تفويض منه لتمثيلهم، بل هم موجودون اليوم في البرلمان بالعكس من إرادة الناخبين.

ونتحدث هنا تحديدا عن نواب كثر لم يحصل أي منهم حتى على ثلث أو ربع أو خمس الأصوات المطلوبة للجلوس تحت قبة البرلمان، بل إن عملية إشغال المقاعد التي شغرت بعد توزير شاغليها قادت إلى حقيقة جديدة تقول إن الحصول على صوت واحد يكفي للجلوس على مقعد في البرلمان، شرط أن يكون صوت رئيس القائمة النيابية، وما أحلى أن يمنح الرئيس صوته لنفسه فيدخل البرلمان بعدما فشل في إقناع المواطنين بمنحه ثقتهم فيصير النائب نائبا عن نفسه ويحوز بذلك كفاءة معنوية تتجاوز قيمة أصوات عشرات آلاف الناخبين اللازمة لدخول مجلس النواب، تصوروا مواطنا واحدا يساوي ثلاثين ألف ناخب!!!.

إنها معجزة عراقية أخرى في قلب الأمور، حتى في مؤسسة جوهرية مثل البرلمان في نظام سياسي برلماني يعتبر فيه الشعب مصدرا للسلطات، وهذا يدفع إلى التساؤل عن مصادر العبقرية الكامنة وراء صياغة هذه الأساليب والطرق التدميرية لدخول البرلمان عبر بوابات تهدم الأسس التي يقوم عليها أي تمثيل سياسي.

مهمة النائب في هذه الصيغة سهلة جدا، فليس عليه إلا إرضاء شخص واحد هو رئيس القائمة، ويمكنه إذا سمح وقته إرضاء ناخبيه خاصة إذا كان عددهم لا يتجاوز بضع مئات؛ والترضية يمكن أن تكون شخصية ومباشرة فمن السهل إقامة وليمة يحضرها مئة شخص هم مجموع الناخبين في سرادق، في حالة شبيهة بما يحدث في أي مناسبة شخصية.

إنه نظام سياسي يفوق الخيال ويتغلب عليه ويطحنه ويملأ قلوب المواطنين غيضا وقهرا وألما، ومناسبة التذكير به اليوم هي الدعوات المتكاثرة لإجراء انتخابات مبكرة، وهي لا يمكن أن تكون انتخابات مقبولة وفق القانون الأخير وإلا كانت انتخابات تفوق الخيال أيضا، أم يراد تكرار التجربة وخياطة قانون جديد وسط دربكة وخلال وقت ضيق ليكون القانون على مقاس بعض صانعيه ودون إدراك لنتائجه الكارثية؟.

نحن بحاجة للشروع مبكرا في صياغة قانون انتخابات عادل يكون أمينا على أصوات الناخبين وقادرا على إنتاج برلمان بتمثيل حقيقي للمواطنين.

ح

أضف تعليق