يطل علينا كل عام يحث فينا الخطى وينسينا الأسى ويرفعنا الدرجات العلى،
بما يحفل من مواقف عظيمة ومآثر جملية أرست قواعد (العز والشموخ والحضارة) في بناء كيان الفرد والمجتمع الاسلامي - إنه شهر البركات والمكرمات شهر رمضان المبارك- بلغنا الله فضله-.
فلا يكاد يمر يوم من أيامه العطشى عن الأكل والشرب إلا وتزودنا بزاد الروح والنفس، فليس الصيام ترك الشهوات فقط، إنما هو أخذ العزائم والواجبات كي ينشأ البنيان صحيحاً معافى من الادواء والبلايا الناخرة لجسده.
وعلى هذا امتاز شهر (رمضان المبارك) عن كل الشهور حتى عن الحج، لما فيه من وقفة ذاتية مجردة عن الأهواء والوساوس للواحد الأحد المطلع الأوحد على الاعمال سرها وعلانيتها. وبذلك فهو شهر يربي الفرد على الاعتماد على نفسه في (المراقبة، والمحاسبة) دون تأثير خارجي، كما يكشف مدى قوة وقدرة الفرد على مواجهة نفسه بنفسه ليتهيأ لخوض معاركه معها ومع الشياطين لاحقاً في مسيرة الحياة الطويلة.
ونحن بدورنا يتحتم علينا فرضاً الوقوف على مساوئنا واخطائنا وتداركها وتصحيحها ما استطعنا، ليتسنى لنا بعد ذلك الوقوف اقوياء بوجه الباطل أياً كان شكله وحجمه؛ لأن التغيير يبدأ من انفسنا أولاً حين نغلبها (وفاقد الشيء لا يعطيه). وهذا ما فعله الإسلام بأهله اول الدعوة، اذ غسلهم من كل أدران الجاهلية ثم هيأهم لقيادة الحضارة.
ولو انعمنا النظر في التاريخ لوجدنا الاحداث تتسلسل تعاقباً وتدافعاً من وقائع جسام ونوازل حُسامٍ شكلت نقطة تحول في مسار الكون كله وليس على صعيد محدود من المكان والزمان. من (معركة بدر الكبرى) فيصل الحق عن الباطل و(فتح مكة) المبين وهو فتح لأبواب الرحمة على العالمين جميعاً - مروراً بموقعة (عين جالوت) التي اوقفت مد طوفان الظلام على بلاد الحضارة، وحتى عصور متأخرة من زماننا عاصرناه قامت ثورات الجزائر والسودان ضد الغزو الاجنبي في هذا الشهر الفضيل.. وغيرها من الملاحم الكبرى التي فاضت بمعاني (الحرية، والشرف، والعز، والكرامة، والتضحية، والولاء للحق، والبراء من الباطل والسمو، والرفعة) مما لا نحصيه عداً ومدحاً في هذا المقام المتواضع.
وكلنا يطمح ويطمع في نيل اوسمة الشرف هذه، ولكن يا ترى هل كلنا ينجح؟؟ الجواب صعب لأن المطلوب عزيز والنفس تتمنى، فهل ستلمس الامنيات الحقيقية، والأفعال تصدق الاقوال او تكذبها.
وفي كل الأحوال علينا ان نقف المواقف اللازمة التي تؤهلنا للفوز بجوائز مكرمات هذا الشهر ولنتسابق في سبيل ذلك؛ لان حيتنا الكريمة وراحتنا في تحقيق موقف أو مواقف. المهم ان نسطر في صحائف حياتنا خطوطاً مستقيمة تكون نبراساً للأجيال، وذكرى خير تتعطر بها القلوب والعقول، ولا نكتفي بملء البطون والعيون أكلاً وشرباً وسهراً.
فلنقف في (شهر المواقف)...عبد الرحمن فاضل
