بانتخاب (إيفو موراليس) يوم 18 ديسمبر من العام الماضي على رأس السلطة في بوليفيا أكدت قارة أمريكا اللاتينية - التي طالما شكلت طيلة عقود مربعاً خلفياً للولايات المتحدة الأمريكية - أنها بدأت تتخلص من الهيمنة الأمريكية وحكم أحزاب اليمين التابعة للوصاية الأمريكية، وتتجه ناحية تيار اليسار ويسار الوسط الاجتماعي.
عَشْرُ دولٍ أخرى في القائمة
فوز (موراليس) جاء ليلحق بـ(هوغو تشافيز) في فنزويلا، و(لولا داسيلفا) في البرازيل، و(نيستور كيتشنر) في الأرجنتين، و(تاباري فاسكيز) في الأورغواي، وريكاردو لاغوس) في التشيلي. وتنتظر القارة خلال السنة الحالية انتخابات في عشرة بلدان أخرى يرى المراقبون أن أحزاب اليسار الاشتراكي المعادية للسيطرة الأمريكية سوف تفوز فيها:
أولاً: بسبب يقظة شعوب القارة التي بدأت تعي جيداً التحولات الإقليمية والدولية وضغط العولمة الاقتصادية ومضار التبادل الحر مع أمريكا.
وثانياً: بسبب انتشار عدوى فوز الاشتراكيين في البلدان الأخرى الذين أظهروا الكثير من الاختلاف عن الحكومات السابقة مما جعل الشعوب تلتف حولها، كما حصل مع (تشافيز).
ويعتقد المراقبون أن هذا الأخير سوف يفوز مرة ثانية في انتخابات فنزويلا التي سوف تُجرى في يونيو المقبل، والأمر نفسه مع (لولا) في البرازيل، لكن هذه المرة مع تغيير نوعي في سياسته الاقتصادية عكس ما صنع خلال ولايته الحالية عندما حاول الحفاظ على خطاب سياسي معتدل حيال واشنطن، وأبقى على التوجه الليبرالي في الاقتصاد، كما يُتوقع أن يفوز اليسار في كل من المكسيك والإكوادور في أكتوبر، وكولومبيا في مايو، والبيرو وكوستاريكا والسلفادور، ونيكاراغوا.. إذ يُتوقع فوز (دانييل أورتيغا) من منظمة (ساندينيستا) في نوفمبر القادم، وأن يحافظ اليسار على موقعه في شيلي في انتخابات أبريل المقبل، والبيرو في الشهر نفسه.
هذا التحول الكبير في السياسة الأمريكو ـ لاتينية عكسه على نحو خاص فوز (مورالي) في بوليفيا الذي ينحدر من السكان الأصليين في البلاد، وهي المرة الأولى التي يصل فيها للحكم شخص من السكان الأصليين منذ نهاية القرن التاسع عشر، ما يعني أن سكان أمريكا اللاتينية بدؤوا يعبرون عن سخطهم من الهيمنة الأمريكية وسياسات اليمين عبر العودة إلى أصولهم الثقافية.
وفور فوزه في الانتخابات أقدم (مورليس) على خطوات كبرى أثارت إعجاب ناخبيه، ومست بالخصوص راتب رئيس الدولة ورواتب كبار موظفي أجهزة الحكم، وزاد وأعلن لدى زيارته لإسبانيا يوم 4 يناير 2006 في تصريحات ليومية(لاراثون) الإسبانية أنه يسير على خطا (تشي غيفارا)، الزعيم الأرجنتيني الذي قُتل في بوليفيا في الستينيّات من القرن الماضي، لكن مع خلاف بينهما "فهو كان يريد تحقيق أهدافه بالسلاح، أما أنا فأريد تحقيق الأهداف نفسها لكن من خلال صناديق الاقتراع".
وقال المحلل السياسي البوليفي (روجير كورتيس) تعليقاً على ما حصل في بلاده:" في أمريكا اللاتينية اليوم هناك استثناءات (للتوجه نحو اليسار) في حالة شيلي وكولومبيا، ولكن ينبغي انتظار ما سوف يحصل في البيرو والإكوادور، أما باقي البلدان فهي تظهر توجهاً أيديولوجياً واضحاً، وكذلك في موقفها من الولايات المتحدة الأمريكية".
هزيمة واشنطن
تزامن فوز (موراليس) في بوليفيا مع الرسالة قوية اللهجة التي وجهها العالم الأرجنتيني (بيريز إسكيفال) الحائز على جائزة نوبل للسلام إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش وتداولتها جميع صحف أمريكا اللاتينية إذ طالبه فيها بتغيير سياسته الخارجية، وإطلاق سراح السجناء الكوبيين الأربعة، وقال: إن الهزيمة التي مُنيت بها الإدارة الأمريكية في قمة بلدان أمريكا اللاتينية في (مار ديل بلاتا) بالأرجنتين قبل أشهر قليلة حينما أكدت على خيار التوجه السياسي والاقتصادي المستقل والاندماجي، ورفض اتفاقية التبادل الحر بين واشنطن وبلدان القارة يجب أن تدفع الرئيس الأمريكي "إلى التفكير جيداً بأن الشعوب لا يمكن خداعها وليست دائماً سلبية، وهي تمتلك القوة دائماً للدفاع عن حقوقها والحصول عليها".
وأضاف (إسكيفال) في رسالته قائلاً: "لا ينبغي أن تنسى بأن هناك حركات اجتماعية وثقافية وسياسية جديدة في القارة وفي العالم، ومن الضروري أن تغير عدوانيتك إلى تعاون، وعنفك ونهجك العسكري إلى مشاريع للتنمية من أجل الحياة وليس من أجل الموت"!!.
وبعد عقود من الهيمنة الأمريكية على مقاليد السياسة والتجارة والاقتصاد في القارة، وجعلها سوقاً للأسلحة والتهريب وعصابات المافيا والفساد المالي، بدأت هذه الأخيرة تختار الابتعاد عن واشنطن عبر التقدم خطوات على طريق التقارب الشامل فيما بينها، وقطع العلاقات الاقتصادية مع أمريكا.
هذا التوجه الجديد الذي تتزعمه فنزويلا وكوبا برز بالخصوص خلال القمة اللاتينية التي وجّهت ضربة قاصمة للإدارة الأمريكية عندما صادقت على الاندماج الاقتصادي والتعاون المشترك، وعبرت عن رفضها لالتزامات اتفاقية التبادل الحر مع واشنطن.
وفي يونيو الماضي عقدت فنزويلا التي تشكل خامس بلد مصدر للنفط والعضو اللاتيني الوحيد في منظمة (أوبك) للدول المصدرة للنفط اتفاقاً مع أربعة عشر بلداً في القارة من أجل مدها بالنفط بأثمان مناسبة أطلق عليه اسم (بيتروكاريبي)، كخطوة أولى في اتجاه الاندماج الشامل بين بلدان القارة. وفي الإطار نفسه تقدمت فنزويلا وكوبا باقتراح اتفاقية للتبادل الحر بين دول القارة (ألبا) في مواجهة الاتفاقية القديمة مع واشنطن (ألكا).
وأمام هذه الانقلابات السياسية والاقتصادية تجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها أمام حقيقة طالما لم تقدر حصولها في الماضي، وليس صدفة أن يكون الموقف من واشنطن هو أول ما يحفز الناخب في بلدان أمريكا اللاتينية على منح صوته لليسار الاجتماعي، وأن يكون الموقف نفسه هو ما يحكم الاختيارات السياسية للأحزاب الفائزة.
لكن المثير في الأمر هو التناقضات الأمريكية التي تكشف الوجه القبيح للسياسة الخارجية للبيت الأبيض، ففي الوقت الذي نجد أن التحولات الحاصلة في القارة كانت إفرازاً لصناديق الاقتراع، نرى في المقابل الإصرار الأمريكي على رفض تلك النتائج؛ لأنها تسير عكس ما تخطط له، وتعدّ ما حصل"ضربة" للديمقراطية، ورأى (فرانسيس فوكوياما) صاحب نظرية "نهاية التاريخ" وداعية التوجه الليبرالي الجديد للإدارة الأمريكية فيما حصل "ديكتاتورية ديمقراطية"، وهي اصطلاح جديد يناقض نفسه، ويؤكد بوضوح تخبّط السياسة الأمريكية.
وكالات
أمريكا اللاتينيّة.. الهاجس الذي يؤرّق إدارة بوش.. إدريس الكنبوري
