فجأة وبلا مقدمات تحوّلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى راعية للأديان وحارس على حريات عباد الله الدينية. وأصبح الدين في عهد بوش المحرك الرئيس للسياسة الخارجية الأمريكية من خلاله تتحدد المواقف من الآخر (المعونات ـ المساعدات ـ حقوق الإنسان).
والحقيقة أن الأمر لم يتحول هكذا بين يوم وليلة إذ إن هناك مطابخ سياسية في الخارجية الأمريكية، ولجان بحث واستشارة تعمل منذ عدة أعوام على تحديد القضايا التي على أساسها سوف تعمل السياسة الخارجية الأمريكية في المستقبل بعدما انتهت الحرب الباردة، واختفت معها قضايا مهمة كانت أهم العناصر التي تتعامل معها الخارجية الأمريكية مثل: الشيوعية وسباق التسلح والتنافس في أوروبا الشرقية.
وقد اهتدى منظرو السياسة الخارجية لاعتماد معيارين للمستقبل:
أحدهما: هو ملف حقوق الإنسان الذي بدأ التعامل معه مبكراً بوساطة تقارير الخارجية الأمريكية السنوية عن دول العالم.
والثاني: هو ملف الأديان أو كما يطلقون عليه (الحريات الدينية)، وقد بدأ التعامل مع هذا الملف الثاني الحساس منذ عهد الوزيرة رايس التي شكلت لجنة استشارية معنية بالحريات الدينية في العالم، وضُم إليها شخصيات أغلبها من يهود أمريكا ناشطين في مجالات حقوق الإنسان، وكان الهدف الأساس من وراء ذلك هو ـ كما أُعلن ـ السعي نحو تفهم أكبر للمشكلات الدينية في العالم. وبعبارة أدق ان يجمع الأمريكان معلومات أوفر عن هذا الملف الساخن الحساس.
وقد عقدت هذه اللجنة الاستشارية عدة اجتماعات فيما بعد، والتقى بها مؤخراً الرئيس جورج بوش. ولكن فجأة دشنت هذه اللجنة باكورة عملها بإعداد تقرير عن اضطهاد المسيحيين في العالم، وأجملته ببضع صفحات عن الحريات الدينية في العالم بشكل عام. وقد شكلت بمناسبة تدشين هذا التقرير يوم 13 كانون الثاني/ يناير الماضي مناسبة جيدة لمعرفة كيف يفكر المسؤولون الأمريكان في هذا الأمر، وكيف سيتعاملون مع هذا العامل الديني الحساس في سياستهم الخارجية.
فقد أكد بوش في هذا اللقاء أن العمل لتعزيز الحرية الدينية في شتى أرجاء العالم سوف "يمثل جانباً مهما من سياستنا المتعلقة بحقوق الإنسان"، كما أنه سيكون موضع تركيز الدبلوماسية الأمريكية. وكشف بوش عن أن الكونجرس طلب بدوره إمداده بهذه التقارير عن حقوق الإنسان والحريات الدينية في العالم كي "يقيّم" على أساسها أداء دول العالم، ويمنحهم "الثواب والعقاب"!
كما كشفت رايس في المقدمة التي كتبتها لتقرير لجنة الحريات الدينية الخاص باضطهاد المسيحيين في العالم أن الكونجرس سيمنع المساعدات عن الدول التي تضطهد المسيحيين، وأن وزاراتها لن تتردد في التدخل لدى أي دولة تضطهدهم أو تعجز عن كفالة سلامة أي جماعات دينية.
وحتى تؤكد السيدة الحديدية الجديدة رايس ما تقول حذرت بوضوح قائلة (سنستخدم جميع الأدوات المتاحة لدينا)، ولم تنس بالطبع أن تذكر أن بلادها سوف (تستغل) كل الهيئات والمنظمات الدولية للضغط على الدول التي تنتهك حقوق وحريات المتدينين وخصوصاً المسيحيين، بل وكشفت أكثر عن أن هناك الآن في كل سفارة أمريكية في العالم قسماً خاصاً يرصد الأوضاع الدينية في هذه الدول، ويرسل تقاريره العاجلة إلى الخارجية الأمريكية، كما يتدخل في شؤون هذه الدول الأجنبية طالباً منها تحسين ملفها بالنسبة للحريات الدينية. وحتى إدارة الهجرة الأمريكية سوف تراعي قبول هجرة هؤلاء المضطهدين دينياً بشكل عاجل.
تدخل في الشؤون الداخلية
أيضاً قال (جون ساتاك) أحد مستشاري رايس لشؤون الديموقراطية وحقوق الإنسان: إن هذا الاهتمام بالدين سيكون في صلب السياسة الخارجية الأمريكية في فترة ما بعد الحرب الباردة، مؤكداً بشكل غير مباشر أن بلاده تسعى لفتح حوارات متواصلة مع أصحاب السلطة الدينية في شتى أرجاء العالم، وتمت بالفعل بعض هذه اللقاءات سواء في أمريكا أو سفاراتها في الخارج.
كذلك لاحظ كل من قرأ تقرير الخارجية الأمريكية الأخير عن الأديان أن التقرير قد تضمن بوضوح دور السفارات الأمريكية في العالم في الاتصال بحكومات دول، وسؤالها عن بعض الوقائع التي تتهم فيها هذه الدول باضطهاد أو تجاهل الحريات الدينية لبعض أبنائها خصوصاً المسيحيين، كما تضمن سرداً لعملية التدخل الأمريكي الفجّ في السياسات الداخلية لكثير من دول العالم كأنّ واشنطن قد نصبّت نفسها راعية للمتدينين.
بيد أن متابعة الملف الأمريكي في هذا الصدد تكشف مخاطر تحوّل هذا الأمر إلى ملف مدمر، فالأمريكيون خصوصاً في ظل هيمنتهم على النظام العالمي يسعون لشن حرب صليبية حقيقية على غيرهم من الدول بزعم أن هذه الدول تضطهد المسيحيين، ولا تحترم الحريات الدينية، وإذا كان الأمر سوف يبدأ بقطع المساعدات ومحاربة هذه الدول في الهيئات الدولية والتحريض ضدها، فما الذي يمنع من السعي لإسقاط الدول أو الدخول في حرب معها - ولو من الباطن - كما يحدث حالياً في إفريقية ومناطق آسيوية أخرى.
والعجيب أن الرئيس الأمريكي أصدر تعليمات مهمة تتضمن (13) بنداً لمسؤولي الحكومات الفيدرالية الأمريكية تصب كلها في خانة الحريات الدينية لكل أصحاب الديانات السماوية والوضعية، وقد لقيت هذه القرارات استحساناً لدى المسلمين في أمريكا الذين يُقدر عددهم بحوالي عشرة ملايين إذ سمح (بوش) للجميع بإظهار تدينه (بلا حدود) بدءاً من لبس الحجاب والطاقية وحتى العمامة والقلنسوة اليهودية، وحتى المناقشات الدينية، ووضع المصاحف والأناجيل على المكاتب وغيرها من الحريات.
ولا شك أن هذه الخطوة الأمريكية داخلياً تتعارض تماماً مع توجيهات السياسة الخارجية الجديدة التي تسعى حتى لعقاب من يحمون دينهم (طالبوا باكستان بإلغاء عقوبة جلد من يسبّ الرسول عليه الصلاة والسلام)!.
الخطوة الأمريكية الأخيرة بالتركيز على ملف الأديان في السياسة الخارجية الأمريكية قد لا تكون بعيدة أيضاً، كما أثير بعد انهيار الشيوعية من اتخاذ الغرب للإسلام عدواً بديلاً عن الشيوعية، فقد تحدث سكرتير عام حلف الأطلنطي السابق عن ذلك بوضوح، كما أن توسيع حلف الأطلنطي مؤخراً ليضم دولاً من شرق آسيا لا يبعد كثيراً عن فكرة حصار العالم الإسلامي بحزام من الشرق والغرب، وحصاره من الجنوب، وشن حرب صليبية بوسائل جديدة ضده تبدأ من الحصار السياسي، وتنتهي بالحصار الاقتصادي للقضاء على السياسة الأمريكية.
الإسلام اليوم
سياسة أمريكا في عهد \"بوش\" والخلفية الدينيّة المتطرّفة!.. عوض الغنام
