ما زالت شريحة المتقاعدين التي قدمت للعراق الكثير، تعاني منذ الاحتلال السافر الذي قادته الادارة الامريكية عام 2003 من اهمال وعدم اهتمام واضحين من قبل الحكومات التي نشأت في ظل
هذا الاحتلال، حيث تجاوزت ألاوضاع المالية المتردية لهذه الشريحة المهمة، الحد الأعلى من الصبر .
فقد ضرب المتقاعدون أعلى الأمثلة في التضحية والايثار من أجل تقدم هذا البلد، فأفنوا زهرة شبابهم وقدموا كل وقتهم في سبيل ذلك، وكانوا ينتظرون لقاء ذلك إنصافهم ومنحهم استحقاقاتهم التي تتناسب مع الجهود التي بذلوها طيلة السنوات التي سبقت إحالتهم على التقاعد، الا انهم وفي ظل هذه الحكومات المتعاقبة يتعرضون للظلم والاضطهاد نتيجة تأخر النظر في أحوالهم من قبل المسؤولين في الحكومة الحالية او مجلس نوابها، لكنهم ما زالوا يعلقون الآمال على التعديلات على قانوني التقاعد رقم 27 لسنة 2006 وقانون التعديل الذي صدر عام 2008، التي روجت لهما الصحف المحلية في الآونة الأخيرة .
ان الحديث عن أحوال المتقاعدين بات موضوعاً حساساً وحيوياً بعد انتظار ممل وطويل وبعد التلاعب بمشاعرهم وتجاهل حاجاتهم، حتى صارت وسائل الإعلام المحلية تستغل موضوعهم لترويج الأخبار غير الدقيقة وغير الصحيحة التي أثرت سلبياً على معنوياتهم، الى حد فقدت فيه بعض هذه الوسائل مصداقيتها لدى هذه النخبة جراء نقلها أكثر من خبر مشكوك في صحته.
أسئلة كثيرة لم تجد لها إجابة عن راتب موظف أفنى عمره في خدمة تجاوزت الثلاثين عاما، لكنه لا يحصل اليوم الا على راتب تقاعدي لا يتجاوز المليون والنصف سنويا، في الوقت الذي يتقاضى فيه من سنحت له الظروف وخدمته صلات القرابة مع المسؤولين بالحكومات المتعاقبة في ظل الاحتلال الغاشم، أضعاف مضاعفة لراتب المتقاعد، بالرغم من ان معظم هؤلاء لم يخدم أكثر من سنة! فأين العدالة وحق المواطنة التي لم تنصف موظفاً له هذه الخدمة الطويلة، وتفضل عليه بالراتب آخرين؟!
ولتسليط الضوء على معاناة هذه الشريحة، التقت المصادر الصحفية التي اعدت هذا التقرير مع عدد من المتقاعدين الذين تجاوزت خدمة معظمهم الأربعين عاماً، وكان اول المتحدثين المدعو ( ابو احمد ) ـ الذي أحيل على التقاعد في الاول من تموز عام 2010 بعد بلوغه السن القانونية ( 63 ) عاماً ـ حيث قال : بصراحة أنا في حيرة من امري، فكيف يمكن ان أتدبر إعالة أسرتي في ظل الارتفاع العالي لمستوى المعيشة الذي يقابله انخفاض كبير في الراتب الذي لا يسد الحد الادنى من المتطلبات الاساسية للعائلة لا سيما بعد حذف مخصصات الزوجية والأطفال وغيرها من الاستقطاعات غير المبررة .
وتساءل ( ابو احمد ) باستغراب عن سر حذف مخصصات الزوجية والأطفال من الراتب التقاعدي في الوقت الذي ما زال فيه المتقاعد على قيد الحياة وهو الذي يعيل زوجته غير الموظفة وأولاده الطلاب .. معربا عن امتعاضه وألمه الشديد من التعامل الروتيني للمسؤولين في مديرية التقاعد، وعدم شعورهم بما يعانيه المتقاعد نتيجة مراجعاته المستمرة التي قد تتجاوز ستة اشهر في اغلب الاحيان قبل انجاز معاملته وحصوله على هوية التقاعد .
بدوره قال المتقاعد ( علي عباس ) البالغ من العمر 70 عاما ـ والذي كان يقف في طابور طويل أمام أحد المصارف لاستلام راتبه التقاعدي ـ : "نحن هنا مثل المتسولين ننتظر ونسمع كلاماً وتوبيخاً من هذا وذاك، لقد أفنيت عمري في خدمة بلدي وهذه هي النتيجة بضعة دنانير لا تسمن ولا تغني من جوع ولا توفر حتى متطلبات العلاج الذي اصبحنا نبحث عنه في المستشفيات الخاصة وبكلفة باهظة جدا" .. معربا عن خيبة أمله ازاء الوعود الكاذبة التي يطلقها المسؤولون في الحكومة الحالية بشأن معالجة اوضاع المتقاعدين التي لا تزال في أدراج هذه الحكومة ومجلس النواب بانتظار الوصول الى حل لصراعاتهم على المناصب وتحقيق مصالحهم الشخصية .
وأشار ( عباس ) الى ان المتقاعدين العراقيين يعانون الأمرين بالرغم من امتلاك بلدهم ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم .. موضحا ان ما يحصل عليه من راتب بعد خدمة استمرت اكثر من 30 عاما لا يتناسب ومتطلبات الحياة الكثيرة، كما ان ما يحصل عليه المتقاعدون بصورة عامة لا يليق بهذه الشريحة من المجتمع التي تطمح ان تعيش بكرامة، وعدم التهميش أو كما يتمنى بعض المسؤولين المشاركين في العملية السياسية الحالية، التخلص من المتقاعدين باعتبارهم عالة على المجتمع والدولة!
من جهته تساءل احد الموظفين ويدعى (أبو زياد) الذي بلغ سن التقاعد (63) عاما ـ وهو يتابع معاملته الآن في دوائر الدولة لينضم الى جيش المتقاعدين ـ قائلا : لماذا يخسر الموظف عند إحالته الى التقاعد مبلغا كبيرا من راتبه يزيد على ( 600 ) ألف دينار؟ ولماذا لا تكون الاستقطاعات قليلة لكي تشجع العديد من الموظفين الذين تبلغ خدمتهم 25 سنة فما فوق او الذين أكملوا الخمسين من العمر، على طلب الإحالة الى التقاعد ليفسحوا المجال أمام التعيينات الجديدة ؟.
وتعليقا على ذلك نقلت المصادر في تقريرها عن الخبير الاقتصادي ( ثامر الفلاحي ) ـ وهو متقاعد أيضاً ـ قوله : ان احتساب رواتب التقاعد لم يكن منصفاً مقارنة بالموظفين بعد الاحتلال، فقد احتسبوا التضخم الذي أصاب الدينار مقارنة بالدولار، فكانت الزيادة مناسبة للموظف نوعا ما، لكنها لم تكن منصفة بالنسبة للمتقاعد.. متسائلا : لماذا لا يكون التقاعد 80% من الراتب الوظيفي؟
واوضح الفلاحي ان مجلس النواب الحالي تمكن من إصدار قانون تقاعد خاص بهم ، واحتسبوا تلك النسبة للنائب حتى ولو لم يحضر جلسات المجلس، في الوقت الذي يؤجل فيه قانوناً يخص شريحة مهمة في المجتمع عدة مرات، دون ان تكون هناك بارقة أمل لتشريعه .. مؤكدا ان استحداث نظام البطاقة الذكية لم يسهم في تخفيف الازدحام الذي اصبح مشكلة تضاف الى معاناة المتقاعدين الذين لا تتجاوز رواتب معظمهم الـ( 200 ) ألف دينار شهريا .
وطالب ( ثامر الفلاحي ) في ختام حديثه، الحكومة الحالية بإعادة النظر في سلم رواتب المتقاعدين بشكل يتناسب مع التضخم الذي يشهده العراق، وشمولهم بالتخصيصات، اسوة بالموظفين، وإلغاء التمايز بين المتقاعدين الجدد والقدامى .. مشيرا الى ان كل الحكومات في دول العالم تسعى الى وضع أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية من أجل تحقيق الاستقرار والأمان والرفاهية للجميع دون تمييز أحد على آخر.
وإزاء ذلك أعربت الدكتورة ( فاتن عبد الوهاب ) ـ ناشطة في مجال حقوق الإنسان ـ في حديث مماثل، عن أسفها العميق لما تعانيه شريحة المتقاعدين التي تعد أكبر الشرائح المتضررة في هذا البلد، جراء ارتفاع أسعار البضائع والخدمات الاساسية، وعدم تحقيق زيادات معقولة على رواتب هذه الشريحة المنسية، التي تركض وتلهث بهدف توفير أبسط مقومات الحياة لعوائلها.. مؤكدة ان الحكومات المتعاقبة لم تهتم بشريحة المتقاعدين الذين يقدر عددهم الان بمليوني متقاعد، ويعيل الواحد منهم ما معدله خمسة أشخاص .
ستبقى اوضاع المتقاعدين الذين يشكلون ثلث الشعب العراقي ـ اذا ما تم احتساب خمسة افراد لكل اسرة يعيلها المتقاعد ـ تتأرجح بين الوعود الكاذبة التي يطلقها بعض المسؤولين الحكوميين وبين الواقع الحقيقي الذي تعيشه هذه الشريحة التي ما زالت تعاني من قوانين جائرة وبطيئة لا تلبي الحد الادنى من مستلزمات الحياة المعيشية، في وقت تطمح فيه هذه الشريحة الى إلغاء فقرة المتقاعدين القدماء والجدد والتعامل مع الجميع، بدون تمييز، لاسيما وان معظمهم يعاني من أمراض مزمنة تتطلب علاج لا يتوفر في المستشفيات الحكومية، ما يزيد من الاعباء الثقيلة الاخرى التي يحملها المتقاعد بشكل خاص، والعراقيون بصفة عامة .
وكالات + الهيئة نت
ح
المتقاعدون العراقيون بين لهيب الأسعار المرتفعة، ورواتب لا تُسمن ولا تُغني من جوع
