هيئة علماء المسلمين في العراق

صناعة الأزمات في العراق المحتل ومستلزمات التحرير ... د. عمر الكبيسي
صناعة الأزمات في العراق المحتل ومستلزمات التحرير ... د. عمر الكبيسي صناعة الأزمات في العراق المحتل ومستلزمات التحرير ... د. عمر الكبيسي

صناعة الأزمات في العراق المحتل ومستلزمات التحرير ... د. عمر الكبيسي

الاحتلال أيا كانت هويته وديدنه وأينما حل وهيمن هو الذي يصنع الموت والأزمات في الشعوب المحتلة وهو الذي يثير بواعث العنف والإحباط في المجتمعات المنكوبة. يقول المرحوم المهاتما غاندي وهو بصدد خبث من احتل بلاده الهند: (إذا تشاجرت سمكتان في البحر، فاعلم ان بريطانيا هي السبب).
فتحت التلفاز بعد صلاة فجر اليوم فإذا أنا أشاهد إعادة لبرنامج على قناة الديمقراطية يظهر فيه النائب عن القائمة العراقية في ديالى الدكتور عبدالله الجبوري يجيب فيه عن سؤال لمقدم البرنامج حول رأيه في قضية انسحاب الأمريكان بالوقت المحدد في اتفاقية صوفا من العراق أي نهاية هذا العام واستمعت إلى حديث طويل استعرض فيها الجبوري كثيرا من جوانب المشهد الكارثي في العراق لكن ما أثار انتباهي قوله: إن على الأمريكان مسؤوليات يجب تأديتها قبل رحيلهم وإلا ستحدث كوارث تطول العراقيين سنين طويلة إذا انسحبوا من دون وضع حلول لها. أججت المناظرة أرقي وعدت إلى حاسبتي أتابع فيها مستجدات ما ينشر فإذا أنا أمام عنوانين في موقع شبكة أخبار العراق أحدهما ينقل تصريحاً للنائب محمد عثمان من القائمة العراقية في ديالى أيضا يطالب فيه المحتل بإيجاد حلول للمناطق المتنازع عليها قبل انسحاب قواته وإلا فان صدامات ونزاعات ستحدث لا تحمد عقباها واقترح تشكيل قوة خاصة في المحافظة تناط قيادتها بمجلس المحافظة للحفاظ على الأمن.
بجانب هذا التصريح نشر الكاتب نصر كاظم مقالا بعنوان (العراقيون ينتظرون الموت في طابور طويل) يقول فيه: انه لا يجد ثمة من ضوء في نفق الموت الطويل والمصير المجهول والمسلسل الظلامي الذي هو ابرز مشاهد الساحة حيث لا صوت يعلو على غدر كاتم الصوت الذي يطول أرواح العراقيين، وآلمني قوله انه يكتب مقاله هذا بيد واحدة لأنه احد ضحايا مسلسل التفجيرات التي تسببت في عطل يده الأخرى. وينتهي المقال بقوله (أينما تول وجهك فانك تجد نفسك في عراق تائه.. المصير فيه مجهول، إلا أن التأريخ يثبت أن لا شيء يدوم إلى الأبد.. لكن متى؟ الإجابة قد تكون في خانة علم الغيب الذي لا يعلمه سوى الله تعالى).
مقالي هذا من وحي ما شاهدت وقرأت ليس استغفالا للمتحدثين أو استخفافا لكنه استفسار وإيضاح لما هو بدهية ونتيجة حتمية لكل احتلال وغزو عسكري يحدث في التاريخ يفترض أن يعرفهما الساسة، وهما: ان الاحتلال لا يشكل إلا الحكومات الفاشلة بالمعايير الوطنية ولا يهمه من تشكيل هذه الحكومات إلا تفعيلها لخدمة أهدافه.
كيف يأمل ساسة العراق اليوم ومنهم النواب من قوات الاحتلال أن تجد حلا لنزاعات أسس لها وساس بها البلاد ثماني سنوات عجاف سمتها العنف والفساد؟ كيف يتم تعليل التشبث ببقاء الاحتلال والقوات الأمريكية من أجل حل نزاعات المناطق المتصارعة والعراقيون لم يسمعوا بهذا النعت قبل الاحتلال؟ كيف تنازعت هذه المناطق؟ أليس الدستور الفيدرالي والعرقي والطائفي الذي أقره البرلمان المنتخب هو الذي شرعن نزاعات هذه المناطق؟ كيف تطلبون إلى القوات الأمريكية أن تنهي حالة النفوذ الإيراني في العراق وهي التي مهدت وشجعت لهذا النفوذ أن يطفو في الساحة؟ ما الذي فعلته هذه القوات بعد اتفاقية صوفا المهينة لحل هذه المعضلات ان كانت فعلا راغبة في حلها أو كانت فعلا راغبة في الرحيل؟ على أي أساس تعتبر قوات الاحتلال وجود النفوذ الإيراني أو نزعة الانفصال الكردي معضلة تستوجب الحل؟ هل من شك اليوم ان موقف الكتل السياسية المشاركة في السلطة وموقف البرلمان والحكومة من قضية الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية يبدوان مهتزين وواهنين بسبب وجود النفوذ الإيراني في العراق والخوف من تفاقم الصراعات على السلطة بين الشركاء؟ أليست أي قوة محلية خارج نطاق قوات الجيش والأمن كالتي يدعى إلى تشكيلها في محافظة ديالى قبل انسحاب القوات الأمريكية لبسط الأمن بغطاء إقليمي هي ترسيخ للأقلمة والتقسيم ونمط من أنماط قوات الصحوة والمليشيات ومجالس الإسناد؟ يستشهد الدكتور عبدالله الجبوري بقضية كشمير كقضية خلفها الاحتلال وينسى قولة غاندي لشعبه (إذا أردنا طرد الانجليز بالسلاح الذي استعبدونا به فان استعبادنا سيظل). سلاح التقسيم والمحاصصة الذي يشكل سمة العملية السياسية القائمة والدستور الحالي هو امتداد لسلاح الاحتلال العسكري بعد انحساره وانسحاب قواته.
السيادة الكاملة والتحرير الشامل لا يتحققان بانسحاب قوات الاحتلال الكامل فحسب، التحرير الكامل يستوجب بعد رحيل قوات الاحتلال الحفاظ على وحدة العراق وإسقاط مرتكزات العملية السياسية القائمة ونتاجاتها كافة. أي معايير ومواصفات يمكن إطلاقها على تمثيل دبلوماسي بمستوى سفارة لدولة احتلال يوجد داخل بنايتها المحصنة والمحمية والمتكاملة بخدمات الحماية والدفاع والمواصلات ومستلزمات العيش والحياة المتكاملة وطواقم بشرية أعدادها عشرون ألف إنسان؟ هل هذه سفارة ام قاعدة أم دولة متكاملة؟ هل يمرر وجودها وفق اتفاقية صوفا السيئة الصيت كونها مجرد سفارة؟ ليقال إن انسحابا كاملا لقوات الاحتلال قد تحقق؟
حكومات الاحتلال حكومات فاشلة تتفنن في استخدام وسائلها القمعية والخبيثة للهيمنة على إرادة الشعوب وتحسن اختيار العملاء وتنصيبهم وتكليفهم بالأدوار والمهمات التي تخدم المحتلين.
سمة سلطة الاحتلال في العراق اليوم هي العنف والفساد والتقسيم.العنف المتمثل في الصراع الدامي على السلطة والكواتم والتفجيرات والفساد المستشري في جميع مفاصل السلطة تشكل مرتكزات قوية للنفوذ بالنهاية الى مشاريع التقسيم التي يرتجى من خلالها إقناع مكونات المجتمع بأن لا حل يرتجى لإنقاذها من نتاج الحكومات الفاشلة إلا بالتقسيم والتشظية. التهديد بالتقسيم هو الفزَّاعة التي يشهرها المحتلون بين آونة وأخرى ويعهدون للترويج بها في كل مرة لتشكيل جديد سياسي أو حزمة من عملائهم.
ما يثير الجدل هو الموقف الخجول لكتل سياسية وشخوص برلمانية وحكومية تطلق تصريحات مائعة بشأن وجوب رحيل القوات للاستهلاك الدعائي فيما هي تضمر مواقف تتكشف بين حين وآخر عن رغبتها تمديد بقاء المحتل من خلال لقاءات خاصة.
يقول رئيس البرلمان الحالي في تصريح أطلقه إن قرار التمديد لبقاء قوات الاحتلال هو قرار حكومي يتطلب أن تتم موافقة البرلمان عليه (طبقا لنصوص اتفاقية صوفا طبعا) وهو يدرك جيدا ان المبادرة إلى عرض قضية وطنية مهمة كهذه على البرلمان ومعرفة رأي البرلمان الذي يفترض أن يعكس إرادة الشعب وناخبيه أمر استباقي ينبغي أن يقرر وجهة نظر الحكومة كجهة تنفيذية. من ضمن التصريحات المريبة التي تطلق ما نقل عن زعيم الكتلة العراقية التي طالب فيها رئيس الحكومة برأي قاطع حول قضية التمديد لبقاء القوات من دون أن يتطرق بكلمة حول موقف القائمة، فيما ينقل عن أحد قادتها في معرض الكلام عن موقف تنظيمه من حالة استفراد المالكي بالقرار بقوله: ليس أمامنا الا التهديد بالأقاليم أو المضي في إسناد سياسة المالكي بقوة، وفي ضمن السياق تنصب تصريحات بعض نواب العراقية التي ذكرتها بالربط بين انسحاب قوات الاحتلال وبين ضرورة أن تجد حلولا لأزمات قد تحدث إذا تم الانسحاب قبل حلها، وهم يعرفون ان الاحتلال هو من أسس لتفاقم هذه الأزمات.
حين يستعرض الكاتب نصر كاظم الوضع المأساوي والكارثي في العراق ويصفه بالموت المنتظر ويختصره بما تحصده الكواتم والتفجيرات من الأرواح، ينبغي ان ندرك أن العراقيين يقتلون اليوم على نطاق أوسع من خلال إبادة جماعية تتمثل في تفشي البطالة والأمية والأمراض وسوء التغذية والدواء الفاسد والغذاء التالف وغياب الكهرباء والماء والصرف الصحي وتحطيم البنيتين التحتية والخدمية للمجتمع من صناعة وزراعة وتعليم واستفحال الفساد المستشري الذي يطول مصادر ثروة العراقيين ونفطهم فيما تستمر موجات الهجرة والتوطين ومجزرة السجون والمعتقلات واستهداف الكفاءات وتوغل النفوذين الفارسي والصهيوني في مفاصل السلطة المنصبة.
قول الكاتب نصر كاظم (إن التاريخ يثبت أن لا شيء يدوم كما هو عليه ويستفسر لكن متى؟) يستحق التذكير بأن الله العلي القدير في محكم كتابه الكريم يكرر ويشدد على حتمية زوال الظلم ونهاية الظالمين فيما يكون النصر للمؤمنين والمجاهدين والعاقبة للمتقين ويبشر بأن (نصر الله قريب).
بيارق النصر القريب لاحت، وثورة شعبنا المنكوب ومقاومته وتظاهراته واعتصاماته أشرقت، وهزيمة المحتلين حانت، وتبقى وحدة الكلمة والفعل للعاملين واجبة، وعزيمة الصامدين واقدة، والتاريخ لن يرحم الغزاة والقتلة والعملاء، فيما سيطرز بأحرف من نور فعل المحررين وكفاح الثائرين والمقاومين.

أضف تعليق