قبل أن يستيقظ العرب والمسلمون من صدمة الرسوم المسيئة للرسول الكريم، والتي أخذت تتبادلها الصحف الأوربية، إمعانا في الإهانة والتحدي، بثت شبكات تلفزيونية شريط فيديو حصلت عليه إحدى المجلات، يظهر عددا كبيرا من الجنود البريطانيين، دعاة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهم يوسعون أربعة فتية عراقيين، ركلا وصفعا وسبابا، إلى أن غدوا بين الحياة والموت ..
وكل ذلك من خلال ضحك واستهزاء الجنود الآخرين، وتفننهم بأقذع أنواع السباب التي لا ينزل اليها أبناء الشوارع عندنا !! ذلك ما جاد علينا به أبناء الحضارة الراقية الذين قطعوا المحيطات ليحرروا الشعب العراقي من ظلم صدام حسين، ويعيدوا اليه كرامته المهدورة، وحقوقه الضائعة !!! ولكن المفارقة في الأمر غضبة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير لدى مشاهدته الصور، وادعائه أنه مصدوم لما شاهد، واصفا أؤلئك الجنود بأنهم قلة منحرفة لا بد من التحقيق معهم، مدعيا أن معظم القوات البريطانية تقوم بعمل عظيم في الدفاع عن أمن العراق وأمن بريطانيا وأمن العالم !! يا لله ما أروعهم أؤلئك الأنكليز !!.
وقبل أن يفيق العراقيون من هول المناظر المفجعة التي تنزل على رؤوسهم من سادتهم المحررين، وقبل أن نلتقط أنفاسنا ونبدي أسفنا لذلك، أتحفتنا شبكة التلفزيون الأسترالي بنشر صور جديدة مفزعة عن التعذيب الذي تعرض له العراقيون في سجن أبي غريب، لنجد أنفسنا وكأننا نسبح في عالم من اللامعقول والغرائبية، فما بث من صور أو ما سمح به يسلم المرء الى حالة من اليأس والقنوط، ويفجر في نفوس الشباب نوازع الثأر والشر والتدمير، ويزيد في نيران العنف والتطرف، ويخلق أجيالا من المتطرفين يتسابقون لإيقاع أكبر الضرر في صفوف الأجانب أنى كانوا، ولأي بلد انتسبوا .
لقد قال المسؤولون الأميركيون إن هذه الأشرطة تعود إلى مطلع العام 2004، وقد حققت السلطات الأمريكية في القضية، وحاكمت المتورطين، ولا داعي لنشرها الآن لأنها ستزيد في أعمال العنف التي تجتاح العالم الإسلامي، وتعرض الجنود الأميركيين للخطر !! ونحن نقول للأمريكيين إن آلاف حالات التعذيب والقتل التي كشفت، والألاف المؤلفة التي لم تكشف أو لم تصل اليها الكاميرا، انتهت إلى تنزيل رتبة مديرة السجن كاربنسكي، والتي اعترفت بأن المخابرات الأميركية هي التي كانت تتولى عمليات التعذيب بمعزل عن إدارة السجن، وفي الحكم على رقيب وعشيقته بالحبس لعدة شهور !! فكل عمليات الإغتصاب والقتل الجسدي والنفسي، والإرهاب والتعرية والصعق الكهربائي .... التي تعرض لها آلاف الرجال والنساء، تختصر بمحاسبة ثلاثة من الموظفين، ومع ذلك يخرج علينا كل يوم الرئيس بوش وبطانته، ليحدثوننا عن إنجازاتهم العظيمة في العراق، والمتمثلة في تحرير الإنسان العراقي، وإعادة كرامته المهدورة وحقوقه المستلبة، وتمكينه من الانتخابات الديمقراطية!!
وقبل أن نفيق من صور التعذيب في سجن أبي غريب، خرج علينا الجنرال الأميركي بيترسون، المسؤول عن تدريب قوات الشرطة العراقية، بخبر صاعق، وهو أن هناك، فرق موت تقوم بقتل عراقيين مختارين، واغتيال رجال معروفين من السنة .. وإذا كان الجنرال لم يذكر الرقم، فما تتناقله الأنباء يوميا عن وجود جثث بالعشرات لرجال مقتولين في أماكن عديدة من العراق، يبين حجم الجريمة، ناهيك عن اغتيال المئات من أساتذة الجامعات والطيارين والعلماء.. وما فضيحة سجن الجادرية التي أعلن عنها قبل أشهر، وغطي عليها، إلا مثالا بسيطا لحجم الأهوال التي يعيشها الشعب العراقي .
أما الضابط البريطاني ويلسون، فقد أعلن من البصرة أنه تم اغتيال 141 شخصا في منطقته خلال أقل من ثلاثة أشهر، من قبل فرق الموت التي تصول وتجول في جنوب العراق، فهل هناك مهزلة أكبر من هذه ؟
إن ما يحدث في العراق مخطط صهيوني جهنمي لتدمير العراق وتقسيمه، وإقامة كنتونات طائفية فيه، وإشاعة الفرقة والثارات والصراع بين أبنائه كي لا تقوم له قائمة، وما وجود مراكز الموساد الاسرائيلي وعناصره في كل أرجاء العراق، بعلم الجميع، إلا تنفيذا لهذه المؤامرة الرهيبة .. وإذا كان هناك من لا يزال يتحدث عن وحدة التراب العراقي، فإن الأمر لا يعدو كونه نكتة .. وإذا كان أمين عام جامعة الدول العربية، يتحدث عن ضرورة الحفاظ على وحدة العراق، فالواقع الميداني والدستور العراقي الذي وضعه الخبراء الأمريكان، يكشفان عن وجود ثلاث دويلات في العراق الآن، فهل نقوى على مواجهة الحقيقة ؟
صفحات جديدة من السقوط الأخلاقي في العراق ... د. سمير قطامي
