هيئة علماء المسلمين في العراق

سرطان الفدرالية يهدد مستقبل العراق...محمود الاحمد
سرطان الفدرالية يهدد مستقبل العراق...محمود الاحمد سرطان الفدرالية يهدد مستقبل العراق...محمود الاحمد

سرطان الفدرالية يهدد مستقبل العراق...محمود الاحمد

حينما طرح جوزيف بايدن ما اسماه دراسة تحليلية للوضع في العراق وتصوراته للحل الامثل لم يكن يطرح جديداً وانما اظهر على السطح احدى صيغ مشاريع تقسيم العراق التي اتفقت وعملت عليها ستراتيجية الولايات المتحدة الامريكية ودول الغرب ولا يخفى ان هذه الستراتيجية تستند الى قاعدة من التخطيط الصهيوني المنسجم مع التحرك والمشروع الفارسي في المنطقة العربية الذي يضع العراق منطقة الضربة الاولى للعبور الى المشروع الاوسع. واذا كانت بعض الظروف ومواقف الكثير من الغيارى من اهل العراق قد اطفأت نار هذا المشروع الخبيث الا ان الجمر مازال تحت الرماد ينتظر الفرصة ليتنفس الاوكسجين ويعود للاشتغال سيما ان الاحتلال الامريكي والهيمنة الايرانية الحالية على العراق واصابع الموساد الصهيوني الماسكة لخيوط اللعبة وراء الكواليس قد نجحت في ترتيب هيكل ما يسمى بالعملية السياسية في العراق على اساس يسمح بانجاح هذا المخطط بل يضمن من خلال ما سمي بالدستور الذي لا انفكاك عنه الا بوأده عن طريق ثورة الشعب، ولقد تمكنت هذه الثلاثية الامريكية الصهيونية الايرانية من ان تضع في واجهة العملية السياسية وكل مؤسساتها وجوهاً كالحة كانت قد هيأتها لتنفيذ هذا المشروع الخطير مشروع تقسيم العراق، وتحت شعار الفدرالية الطريق الامثل للتقدم والبناء وتقديم الخدمات للعراقيين انساق كل الخونة والعملاء والحاقدين على العراق يدعمهم اعداء العراق من دول الجوار في مشروع الفدرالية الذي كانت احدى لبناته ما سمي باقليم كردستان الذي اصبح امراً واقعاً بفعل القوة المسلحة الامريكية والبريطانية والفرنسية قبل غزو العراق. كما ان هناك الكثير من الحالمين بالمناصب والجاه والحكم اندفعوا في تيار هذا المشروع دون اي اعتبار لمستقبل العراق ومصير شعبه الجريح. وعلى هذا المنوال برز الكثير من رعاع السياسة من العراقيين لينظروا ويفلسفوا مصطلح الفدرالية ويعددوا فضائلها ومحاسنها ومنافعها وثمارها في اكبر حملة قذرة لتضليل الشعب الذي ربما فكر بعض البسطاء فيه تحت وطأة الظلم والاضطهاد والقتل الطائفي الذي مارسته عصابات السلطة التي ولاها الاحتلال ان الخلاص يمكن ان يكون عبر تقسيم العراق.
وكانت الحرب الطائفية التي اشعلها الاحتلال الامريكي والايراني وميليشياتها في العراق خلال السنوات السابقة قد خلقت من خلال القتل والتهجير وضعاً غير خارطة التوزيع السكاني لتصبح مناطق العراق قابلة للفصل والعزل والتقسيم ساعدت فيها جدران العزل الكونكريتية التي كان تكريس هذا الواقع احد اهم اهداف استخدامها.
لقد اصبح مشروع تقسيم العراق تجارة رائجة للكثير من ادعياء السياسة اعضاء ما يسمى بالكتل السياسية ورؤسائها من اتباع وخدم اجندة الاحتلال الامريكي والايراني ومع ان اتجارهم بهذه القضية لا يمكن ان يغير شيئاً من الواقع على الارض الا انه يمكن أن يولد الكثير من المشكلات التي تزيد الوضع تعقيداً وتشويشاً وضبابية، فنرى اليوم ان كل من يريد ان يحصل على مكسب او منصب او غنيمة ولا يجد اوراقاً نافعة للضغط على خصومه الماسكين للسلطة يلجأ الى طرح خيار الاقاليم للسنة او للشيعة او يهدد بانفصال الكرد. ويحاول الظهور بمظهر المدافع عن حقوق هذه الاقلية او تلك مستفيداً من حاله التذمر والاحباط التي تسود الشارع العراقي وهو يعلم انه لا توجد شريحة من شرائح المجتمع العراقي بعيده عن الظلم وارهاب الاحتلال وعملائه وبعيدة عن القتل والاعتقال وان كل طوائف الشعب مشمولة بالمعاناة من الاحتلال وآثاره وانعدام مستلزمات الحياة الكريمة وانعدام الحد الادنى من الخدمات المطلوبة اضافة الى نهب موارد الدولة واحتكار المنافع لفئة معينة من العملاء.
الدعوة الى الفدرالية او الانفصال تستخدم حسب الحاجة، فإذا اراد مستخدمها ان يوظفها ضد دعاة وحدة العراق استخدمها كأداة للحصول على حقوق من يتحدث باسمهم وعلى الفور سوف يتهمه الطرف المقابل بالعمل على تقسيم العراق اما اذا اراد توظيفها من خلال ابراز مساوئها واعتبارها ضارة لمستقبل العراق، اتهم من الطرف الآخر بانه يدعو الى الدكتاتورية وهضم الحقوق والعودة الى التفرد بالسلطة ومنع تحقيق الخدمات للمحافظات، وعلى هذا المنوال جاء تصريح رئيس مجلس النواب الحالي اسامة النجيفي ليأتي الرد على نفس المنوال وحسب مقتضيات الموقف بعيداً عن اية ثوابت وطنية او مبادئ اخلاقية او شرعية. واذا كنا نعتقد ان النجيفي قد قال الصواب في وصفه للوضع الطائفي والاضطهاد الذي يقع على الكثير من الطوائف العراقية الا ان تبشيره او تلميحه الى ان الخلاص منها يمكن ان يكون عبر المطالبة بالانفصال او باقليم جديد للسنة او غيرهم تصب في هدف تقسيم العراق، والغريب ان الكثير من دعاة التقسيم والفدرالية من المحسوبين على سلطة الاحتلال استثمروا تصريح النجيفي على الفور ليظهروا بمظهر الحريص على وحدة العراق والرافض للاقاليم والتقسيم وليظهروا النجيفي على انه داعية للتقسيم والانفصال الى حد المطالبة بابعاده عن منصب رئيس مجلس النواب، حتى القائمة التي ينتمي اليها النجيفي بدا موقفها باهتاً غير مقنع والسبب ان الجميع يعمل وفق مبدأ اقتناص الفرص للحصول على ما امكن من المنافع مادية او معنوية ومع عودة مسلسل القتل على الهوية والاغتيالات المبنية على اساس طائفي في مناطق معينة يبدو ان الامر مبيتٌ خاصة من قبل ميليشيات ايران بمختلف مسمياتها لاعادة اشعال الحرب الطائفية لاستكمال الاستحواذ على المزيد من الارض لصالح طائفة السلطة ولا يعني ذلك اتهاماً للطائفة وانما هي اجندة تمارسها الكتل والعصابات التي تدعي تمثيل هذه الطائفة.
وخلال الاسبوع المنصرم تمت اكثر من عشر عمليات اغتيال طائفي ولا حاجة لتحديد الطائفة المستهدفة فهي معروفة للجميع في ظل صمت مطبق من السلطة الحاكمة ومؤسساتها العسكرية والامنية مما يدل على الموافقة على ما يجري وانه يسير وفق مخطط تتبناه السلطة، ولو كانت حادثة واحدة حصلت في مكان آخر ضد الطرف الآخر لهبت كلاب السلطة فقتلت واعتقلت كل شباب المنطقة واحيلوا الى المحاكم بعد التعذيب ولنشطت فضائياتهم واقلامهم في نهش اشلاء هذه الطائفة.
لقد اصبحت جرثومة سرطان الفدرالية مرضاً مزمناً في الجسد العراقي يهدد بشكل جدي مستقبل العراق ويزيد احتمالات تقسيمه. الاحزاب الكردية تستغل على الفور اية دعوة للاقاليم او الفدرالية تصدر عن شركائهم في عملية الاحتلال السياسية للاشادة بها ودعمها واعتبارها التزاماً وتطبيقاً اميناً للدستور وما اكثر كلمات الحق التي يراد بها باطل.

أضف تعليق