أكد الشيخ الدكتور محمد بشار الفيضي الناطق الرسمي باسم هيئة علماء المسلمين ان ما يسمى مشروع الفدرالية الذي يطالب به عدد من المشاركين في العملية السياسية الحالية في هذه الظروف الاستثنائية من شأنه
ان يساهم في زيادة الفوضى كما ينذر بخلافات عرقية واشعال الفتن الطائفية وتأجيج الصراع والاحتراب القومي.
واوضح الشيخ الفيضي في بحث قدمه خلال الندوة التي عقدها مركز الخلد للدراسات والبحوث مساء الاحد الموافق 3 /7 / 2011 في العاصمة الاردنية عمان تحت عنوان ( الاتفاقية العراقية sofa والتمديد والأقاليم ومستقبل العراق ) ان الفدرالية ستجر إلى عمليات تطهير طائفي وعرقي ليس لها نظير، ومع وجود أحزاب طائفية وعرقية لديها أجهزة أمنية، وميليشيات مسلحة سيشهد العراق فظائع يهجر خلالها الملايين، وبذلك سيجر هذا المشروع إلى ضياع حقوق الناس ومصادرة أموالهم، وأملاكهم، ما يخلق مبررات لنزاعات بين الأقاليم لا نهاية لها وبالتالي سيسعر من أطماع الكيان الصهيوني وبعض الدول المجاورة وسيساهم في العبث في قضايا العراق الوطنية، ومصائر أجياله.
وفي ما يأتي نص البحث :
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الفدرالية صيغة من صيغ توزيع السلطات وهو نظام قديم وموجود من عهود الحكم من الدول التي قامت في صدر الإسلام من حكم الخلفاء وحكم الدولة الأموية والدولة العباسية والحكم العثماني وغير ذلك .
كما انها من الأنظمة السائدة في هذا العصر، إذ يقطن اليوم ما يقارب 40% من سكان العالم في اكثر من 25 جمهورية فيدرالية واتحادية.
وقد اثبت هذا النظام نجاحه في العديد من الدول المتقدمة.
ولعل اغلب الدول الديمقراطية هي: فيدراليات مثل ألمانيا وسويسرا وبريطانيا والهند وماليزيا وغيرها.
وتعد أقوى دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية من العاملين بهذا النظام الذي يجمع تحت لوائه خمسون دولة أو ولاية تسمى الولايات المتحدة الأمريكية.
والفدرالية صيغة من صيغ عديدة في توزيع السلطات، وليست الوحيدة، فثمة أنظمة الحكم الآحادي وهو الأكثر شيوعا في العالم، وفيه يكون للسلطة مصدر واحد هو الحكومة المركزية.
ومن الجدير بالتنبيه أن الديمقراطية التي يكثر من ذكرها ساسة العراق اليوم لا علاقة لها بشكل نظام الحكم، بمعنى أن هذه الديمقراطية يمكن أن تزدهر في النظام الفدرالي، ويمكن أن تموت في ظله، ويمكن أن تزدهر في النظام الآحادي، ويمكن أن تموت في ظله.
والاعتقاد أن النظام الفدرالي في التطبيق النظام الأفضل دائما، والأكثر ديمقراطية، وان النظام الأحادي هو الأسوأ دائما، والأقل ديمقراطيا، فيه وهم وسذاجة، فالأمر متوقف على القائمين بالحكم من حيث الكفاءة والوعي والنزاهة والإخلاص، وتجارب الحكم العالمية القائمة حتى الآن تؤكد ذلك.
فبريطانيا مثلاً لديها حكم أحادي، ولكن يتمتع برلمانها بالسلطة العليا في ما يخص كل الأمور التي تحصل داخل المملكة المتحدة، وحتى إذا فوض بعض الصلاحيات لهيئات أخرى في الشؤون المحلية باستطاعة البرلمان ان يفرض على البلدات والمدن أو المقاطعات كل ما يراه مناسباً، فهو يستطيع حتى إلغاء مدن ومقاطعات، أو تغيير حدودها إذا شاء.
ومثل بريطانيا فرنسا والسويد وغيرهما.
بينما نجد الفدرالية المطبقة عمليا في شمال العراق أكثر الأنظمة دكتاتورية، فالزعيمان الكرديان في هذا النظام لم يغادرا الموقع في رئاسة الحزبين منذ عقود، وما يسمى إقليم كردستان يعد الأخطر في كبت حرية الصحفيين[1]، وفيه سجون مليئة بالمعتقلين من عموم أنحاء العراق، والأجهزة الأمنية فيه والميلشيات متورطة في استهداف الأبرياء قتلا وتطهيرا عرقيا، ومارست مؤخرا بحق المتظاهرين السلميين أبشع أساليب القتل والاضطهاد، ومنعتهم من حق التظاهر[2]...
مخاطر الفدرالية:
وهنا يأتي التساؤل المشروع بعد ما بينا لماذا تتخوف القوى الوطنية المناهضة للإحتلال من الفدرالية؟
من دون شك أن ثمة أسبابا، وهي عديدة قد يصعب استيعابها في هذه الكلمة المختصرة، وقد سبق للأمانة العامة لهيئة علماء المسلمين أن بعثت برسالة مفتوحة إلى الشعب العراقي، بتاريخ 14/2/2011م حذرت فيها من هذا المشروع ، وذكرت مخاطره.
وتجنبا للتكرار فإني سأتجاوز تلك الرسالة، وأجمل أهم الأسباب فيما يأتي:
أولا: أن البلاد مازالت في قبضة الاحتلال، ودواع التخوف من قيام مشروع الفدرالية في ظله عديدة، نذكر منها:
أـ ان المحتل نفسه صاحب مشروع لتقسيم المنطقة من جديد، تقسيما عرقيا، وطائفيا لصالح مشروعه القطبي في العالم، ومصالحه النفطية، وهذا ليس وهما، فقادته حين غزو العراق كانوا يتحدثون بصدد هذا المشروع..
ويهدف المحتل فيما يهدف إليه إلى تشكيل فدرالية نفطية في هذه المنطقة فلم يعد يخفى ان لأمريكا مشروعا خاصا بها تسعى إلى تحقيقه من خلال الفدرالية في العراق وهذا المشروع حسب مصادر صحفية يعرف بفدرالية النفط، فأمريكا تسعى إلى جعل القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكيا دون حروب عسكرية من خلال السيطرة على ( ينبوع ) النفط لا لأجل تلبية حاجتها المتزايدة للطاقة فحسب بل لأجل التحكم بالتطور الاقتصادي والتكنولوجي لكل دول العالم، وقد حددت أمريكا ـ حسب تقرير للسي آي إيه تسرب سنة 2002 ـ المكان الذي بفضل طاقته يتحرك العالم ووضعت خطة شاملة للسيطرة عليه تتمثل في إنشاء إقليم وفدرالية للنفط متصلة مع بعضها وتخضع لإرادة واحدة ويتطلب هذا الأمر تقسيم العراق وعددا من دول المنطقة.[3]
ب ـ ان هذا الأمر يخص الشعب العراقي، ولكي نعتمد الفدرالية في العراق أو نعزف عنها إلى الأبد يتعين القيام بما يلي:
1ـ نشر ثقافة نظام الحكم الفدرالي بحيث يستطيع المواطن العراقي غير السياسي، أن يتفهم طبيعة الفدرالية وفوائدها أو أضرارها المحتملة.
2- تأكيد الأسس التي تقوم عليها الفدرالية العراقية، ليتمكن المواطنون من تحديد الأساس المضمون والنافع من بين الأسس المختلفة.
3- توضيح مبادئ تقسيم السلطة بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية، وشؤون المصادر والثروات وكيفية توزيعها.
4- إعلان استفتاء شعبي صريح حول قبول الفدرالية أو رفضها.
ومع وجود المحتل الذي يمسك بزمام الأمور كلها، فإن ذلك غير ممكن، فالشعب مسلوب الإرادة، وخاضع لهيمنة المحتل وهيمنة الأحزاب ذات الميليشات الدموية، ولدينا تجربة مرة مع ما سمي بالدستور الدائم الذي تم إنجازه في شهرين، ولم يطلع عليه الشعب العراقي، بل وجدت نسخة المطبوعة مرماة في مكبات النفايات قبل أيام من موعد الاستفتاء، الذي تعرض هو الآخر لأكبر عملية تزوير في التاريخ.
ج ـ ان المحتل بما يملك من نفوذ ومال وهيمنة عسكرية، قادر بكل بساطة ان يجعل من مشروع الفدرالية مشروعا تقسيميا بامتياز، من خلال إثارة الفتن، والحروب الأهلية، ودعم جهات على حساب أخرى.
ثانيا: الفدرالية نظام سياسي المطلوب منه ان ينظم أمور البلاد الشاسعة والقوميات والأديان والطوائف المختلفة بما يجعل من العيش المشترك أكثر أمانا ويفسح المجال لكل فئة بإظهار خصوصياتها والعمل بها دون التضارب مع الآخرين.
وعادة ما تلجأ إلى هذا النظام الدول التي فيها مشكلات مستعصية بين مكوناتها وطوائفها، فهي الصيغة المعبرة عن محاولة إيجاد حل للخلل الذي تعاني منه الدولة بسبب الخلافات القومية على "أراض متنازع عليها" أو قلة الموارد أو تجمع عفوي في مجرى تكون الدولة، أو لتذليل حالة الانقباض أو الانغلاق القومي أو السياسي الذي تتعرض له الدولة. وهي حالة يمكن رؤيتها على نماذج كل من سويسرا وكندا وألمانيا وغيرها.
والسؤال هل العراق فيه ما يستوجب هذا النظام؟
العراق لم تكن به مشكلة في يوم ما فيما يتعلق بوجود نقص في موارده أو شحة في ثرواته، الأمر الذي يؤدي إلى الفتن والاقتتال كما يحصل في بعض الدول، وليس لديه مشكلات مستعصية بين الطوائف والأعراق، بل أن محنته تتمحور بحق في طبيعة أنظمة الحكم التي أساءت استخدام مصادر السلطة والثروة، وإفتقاره إلى مؤسسات مدنية رصينة لا يشعر احد في ظلها بالتهميش، أو هضم الحقوق.
والمعروف انه لم تكن من أولويات مشاكل المجتمع تلك الفسيفساء المتجانسة من القوميات والأديان، كما لم يكن الإنسان العراقي حساساً تجاه التنوع العرقي او الطائفي إذ طالما تعايش الجميع لمئات السنين تحت خيمة العراق الواحد وتسنم مقاليد السلطة وتبوء المناصب الرفيعة سواء في الإدارة أو في القضاء أفراد من قوميات وأديان مختلفة ولم يكن ذلك مثار جدل أو مدعاة لمشكلة.
ومن الحقائق الدالة على هذا السياق أن عدد السكان العراقيين من أبناء القومية الكردية يشكلون نسبة أقل من أبناء جلدتهم في كل من تركيا وإيران على التوالي وهاتان الدولتان لم تدخلا في قاموسهما السياسي مطلقاً الإعتراف أو حتى مناقشة ذلك على المستوى الإعلامي أي الإعتراف بـ( القومية الكردية )، إلا ان القومية العربية ومن وحي مقوماتها الأساسية الإنسانية وخاصة في العراق قد إعترفت بكافة حقوق الأكراد متقدمة بذلك على دول الجوار بأكثر من 44 عاماً، وذلك في جميع الدساتير التي صدرت منذ عام 1959 وأهمها قانون الحكم الذاتي رقم 33 لسنة 1974.
وبقراءة سريعة لقانون الحكم الذاتي الذي كان مطلباً طالما حلم به الأكراد في ظل الحكومات المتعاقبة في العراق، فإننا سنرى أنه قد تضمن كافة الحقوق القومية والثقافية المشروعة للشعب الكردي[4].
وإذا كان النظام السابق قد عطل جزءً من بنود ذلك القانون فإنه بالإمكان الآن وأثناء صياغة دستور جديد أن يكفل تفعيل ذلك القانون ويضمن تطبيقه.
ثالثا : ان هذه الفكرة عند ساسة اليوم في العراق غير ناضجة، ومضطربة، و تقتصر في مضمونها على تحقيق مصالحهم بعيدا عن مصالح الشعب العراقي[5]، كما انها بالمفاهيم السائدة ليست فدرالية، بل من الظلم تسميتها بذلك، لأنها لا تمت إلى الفدرالية بصلة.
لا يجد المتابع لهذا الشأن عناء في إدراك ان الفكرة الفيدرالية في الوعي السياسي لمختلف الأحزاب في العراق لم تكن سوى الصيغة السياسية الملائمة " للوفاق " بين قوى مختلفة التوجهات، يجمعها العداء لسلطة النظام السابق، أي انه كان بمنزلة الاتفاق السياسي التكتيكي.
لقد كان يجمع هذه القوى من حيث الجوهر الرغبة في "إسقاط النظام"، وليس التفكير في البديل الديمقراطي والدولة الشرعية.[6]
ولهذا نجد هذه القوى التي "اجتمعت" خارج العراق و"داخله" قبل سقوط النظام لم تحدد ماهية الفدرالية بصورة دقيقة، وانها كانت ومازالت مضطربة في تحديد مفاهيم واضحة بهذا الصدد، فالرؤية الواضحة والشفافة حول الفدرالية العراقية لم يكشف عنها حتى هذه اللحظة.
النظام الفدرالي نظام اجتماعي سياسي يفترض سريانه في كافة المؤسسات والمناطق وعلى جميع مكونات الدولة، وهو أمر يفرض في ظروف العراق الحالية على الساسة توحيد النوايا المختلفة والمتباينة بالطريقة التي تخدم أولوية وحدة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني.
إن مشروع الفيدرالية في ظروف العراق الحالية يقوم في مدى إدراك الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية ضرورة وقيمة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني بالنسبة لحل المشاكل أيا كان نوعها وحجمها.
وهو أمر يفترض الارتقاء إلى مستوى إدراك تعقيد الأوضاع الداخلية والإقليمية والعالمية للعراق في ظروفه الحالية من اجل حفظ توازنه الاجتماعي واستقراره السياسي، أي العمل من اجل قطع دابر أية إمكانية لإثارة الفتنة السياسية والاجتماعية والقومية، فالفدرالية في كل العالم بناء كامل للدولة وليس بناء جزئيا (قوميا).
وثمة شرطان أساسيان يشير إليهما المختصون لضمان سلامة مشروع الفدرالية من أية مخاطر:
الشرط الأول :- أن تكون ديمقراطية المشاركة و ليست ديمقراطية الموافقة.
الشرط الثاني :- أن تقوم الفدرالية على معايير جغرافية إقليمية وليس على أسس قومية عنصرية أو دينية طائفية .
ونحن إذا أردنا تقييم الصيغة التي يجتمع عليها الكثير من الأحزاب السياسية في المفهوم المروج للفدرالية نجد نقيض ذلك تماما.
فلا أثر للمشاركة في الديمقراطية، وكل ما يجري توافقات وصفقات، فضلا عن ان المعايير المعتمدة في المشروع الفدرالي المطروح قومي وطائفي بامتياز.
ويمكن ملاحظة الجهد الذي يبذل لـ "ضم" كركوك إلى "المنطقة الكردية" بعد سقوط النظام السابق، فإنه يشير إلى الضعف النظري والعملي لإدراك معنى وأبعاد الفيدرالية من جانب مختلف القوى السياسية في العراق، وبالأخص من جانب الأحزاب القومية الكردية.
هذه الأحزاب التي تقوم اليوم بحرف الأبعاد السياسية لقضية الفيدرالية صوب الأبعاد القومية الضيقة، حيث تتحول الفيدرالية إلى مسألة "ضم" منطقة عراقية إلى "منطقة كردية".
أي أننا نرى في هذه المواقف شرخا عميقا في الوعي القومي الكردي بين الوطنية العراقية والقضية القومية (الكردية). إضافة إلى تجاهل معنى التاريخ والوطنية والجغرافيا السياسية والثقافة، التي تقول بان أراضي العراق هي أراضي وادي الرافدين. ومن ثم فان الانتشار الجغرافي للأقوام في بعض مناطقه لا يعني ملكيتها "القومية".
فالرؤية السائدة في الأحزاب القومية الكردية الحالية في شمال العراق تعبر عما يمكن دعوته بنفسية الغنيمة، التي تجعل من مهمة الفكرة الفيدرالية في الظرف الحالي وسيلة " لانتزاع " الغنيمة، عوضا عن المساهمة في بناء اللحمة الوطنية. لاسيما وانه الطريق الأفضل لبناء الدولة الشرعية، ومن ثم الأكثر واقعية وعقلانية لحل المسائل القومية ككل. وذلك لان نفسية، أو بصورة أدق، أخلاقية الغنيمة والربح السريع لا تفعل في نهاية المطاف إلا على تخريب فكرة الشرعية والديمقراطية والمدنية مع ما يترتب على ذلك من تدمير شديد لفكرة الحق والعدالة.
ووفق المقايسس والمعايير الموضوعية نلاحظ أن مطلب الفدرالية كما طرحت مشروعه وتصر عليه القيادات الكردية هو ليس فدرالية إطلاقا، بل أقرب إلى الكونفدرالية وإتحاد دولتين ذات سيادة، وربما يروج له باسم الفدرالية للتغطية على حقيقته.[7]
هذا الإضطراب نفسه تجده في القوى السياسية الشيعية المتحالفة مع الساسة الأكراد فهي لم ترفض الفدرالية برغم معارضة أغلبية العراقيين في الجنوب لها، وكانت تقول أول الأمر انها تريد فدرالية جغرافية إدارية تدير بها شؤونها بحرية بعيداً عن الإشراف المباشر من قبل الحكومة المركزية الا أنها وفي الفترة الأخيرة أخذت تطرح فكرة الفدرالية الشيعية في الجنوب القائمة على أساس طائفي.
والأمر ذاته ينطبق على القوى السنية المشاركة في العملية السياسية، التي كشف مؤخرا عن وجود سعي لها غير معلن لتشكيل إقليم سني، وكانت تصريحات النجيفي الآخيرة ـ التي تراجع عنها إعلاميا ـ كاشفة عن وجود مثل هذا السعي.
لقد بات من المؤكد ان هذه القوى السياسية بعد الفشل الذريع التي منيت به في إدارة البلاد في ظل الاحتلال، تزداد تشبثا بهذه المشاريع لحماية مصالحها حصرا بمعزل عن المصالح العليا للشعب العراقي بكل طوائفه وأعراقه، وانها تريد ان تتحول إلى زعامات لإمارات مقطعة من جسد العراق، محاولة استغلال الرغبة الكامنة لدى قادة في إدارة الاحتلال، وبعض دول الجوار مثل إيران وإسرائيل، في تقسيم العراق، أو لبننته في اقل تقدير لضمان إبقائه خارج التأثير في المنطقة، وعلى النحو الذي يخدم مصالح هذه الدول.
رابعا: الشعب العراقي يرفض مشروع الفدرالية، فالسنة والأكراد والشيعة موجودون ويتعايشون بصورة مختلفة في الكثير من المناطق بما فيها بغداد.
وعلى الرغم من محاولات التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي تستهدفهم، ظلوا خليطاً اجتماعياً، تكثر الزيجات المختلطة بين فئاته وطوائفه، وظل العراقيون قادرين على تشكيل تلك الفسيفساء الاجتماعية، التي لا سبيل لتغييرها إلا بوسائل التخويف والعنف وحملات القتل الجماعي المستمرة، وكما تشير سلسلة استطلاعات الرأي التي أجريت بينهم خلال السنوات الأربع الماضية، أكدت الغالبية العراقية رغبتها في أن تظل بلادهم موحدة.
فعلى سبيل المثال، أشار التقرير الصادر عن "المعهد الجمهوري الدولي" في يوليو عام 2006، إلى أن نسبة 66 في المائة من العراقيين، تعارض فكرة تقسيم العراق، سواء على أساس طائفي أو عرقي.
أما اللغة الواردة في الدستور الحالي حول صيغة الفيدرالية وتوزيع الموارد الطبيعية للبلاد في الوثيقة المذكورة، فقد جاءت انعكاساً لصفقة سرية أبرمت وراء الكواليس، بين التحالف الكردي، والتحالف الشيعي.
وقد أبرمت هذه الصفقة النهائية، في تجاهل تام لكافة الأطراف الأخرى، ولكافة فئات المجتمع العراقي نفسها، وقد نشر معهد السلام الأمريكي تقريرا لجوناثان مورو، وهو رجل قانون واكب العملية الدستورية من أولها إلى آخرها، وكان عنوان تقريره ( فرصة ضاعت )، أكد في التقرير ان الإدارة الأمريكية أضاعت الفرصة في كتابة الدستور حين ضغطت لانجازه بسرعة، وان مطبخ إعداد الدستور اقتصر على الحزبين الكرديين المعروفين، والحزب الشيعيين، يقصد المجلس الأعلى وحزب الدعوة، في حين همش الآخرون تماما.
وبالتالي لا يمكن ان يعول على هذا الدستور في كونه يمثل إرادة العراقيين.
خامسا: إن هذه المطالب في مثل هذه الظروف من شأنها ان تساهم في زيادة الفوضى وتنذر بخلافات عرقية وتشعل الفتن الطائفية وتضع كل قومية أو طائفة وجهاً لوجه أمام القوميات والطوائف الأخرى وتسهم في تأجيج الخلاف الطائفي وديمومة الصراع والاحتراب القومي.
وستجر فيما تجر إليه، إلى عمليات تطهير طائفي وعرقي ليس لها نظير، ومع وجود أحزاب طائفية وعرقية لديها أجهزة أمنية، وميليشيات مسلحة فإننا سنشهد فظائع يهجر خلالها الملايين، تحت ذريعة صار لديكم إقليم، فالتحقوا به، واتركوا إقليمنا لنا، وهو مشهد مجرد التفكير به يثير الرعب، لان الأعراق والطوائف متداخلة في المدن العراقية بشكل معقد، واللجوء الى الفرز القسري هو بمنزلة انتزاع كرات الشوك من أكوام الصوف، كما ان ذلك سيجر إلى ضياع حقوق الناس ومصادرة أموالهم، وأملاكهم، مما يخلق مبررات لنزاعات بين الأقاليم لانهاية لها، فضلا عن صراعات أخرى ستنشب حتما على ترسيم حدود الاقاليم، وثروات الأقاليم المشتركة وغير ذلك، مما يعيد الناس إلى صراعات الجاهلية.
وهذا كله سيسعر من أطماع الصهاينة وبعض الدول المجاورة وسيساهم في العبث في قضايانا الوطنية، ومصائر أجيالنا.
سادسا: هناك أيضا التعقيدات الناشبة عن وجود جيران متحفزين للتدخل فالاستقلال للأكراد يعد أمرا مرفوضا من قبل إيران وتركيا، ووجود دولة شيعية أمر مخيف بالنسبة للسعودية بسبب وجود طائفة شيعة فيها ملاصقة للحدود مع العراق مع ما قد يحمل ذلك من تململ محتمل لهذه الطائفة، فضلا عن التدخل الإيراني في هذا الإقليم الذي سيبلغ حدا يجعله أشبه بالمقاطعة التابعة لإيران.
وإذا كانت إيران اليوم متدخلة بالشأن العراقي طولا وعرضا مع وجود الاحتلال الامريكي، فكيف سيكون تدخلها حين يكون بجوارها إقليم شيعي يدير دفة الحكم فيه حلفاؤها التاريخيون.
لقد كشف استطلاع للرأي العام العربي، أجرته في الآونة الأخيرة "مؤسسة زغبي العالمية لاستطلاعات الرأي" في خمس دول عربية، هي المملكة العربية السعودية، ومصر، والإمارات العربية المتحدة، والأردن، ولبنان.
وقد شمل الاستطلاع عينة من 3400 شخص من الدول الخمس، التي تعد جميعها حليفة للولايات المتحدة الأميركية.
وفي كل واحدة منها، عبرت الأغلبيات عن مشاعر سلبية إزاء الدور الذي تؤديه كل من الولايات المتحدة وإيران حالياً في العراق..
وما أن وجه السؤال إلى المستطلعة آراؤهم عما هو الجانب الأكثر إثارة لقلقهم ومخاوفهم إزاء العراق؟ حتى جاءت إجابات ما يقارب نسبة 50 في المئة منهم: أن يتم تقسيم العراق وتمزيقه إلى ثلاثة أقاليم مستقلة ذاتياً، أو ينحدر إلى حرب أهلية شاملة، تمتد تأثيراتها إلى خارج حدوده، مؤدية إلى نشوء أزمة إقليمية.
كذلك تقول جوديث يافي، وهي محللة سابقة متخصصة في شؤون الشرق الأوسط في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ومدرسة حاليا في جامعة الدفاع الوطني، عن مشروع التقسيم الذي تبناه جوزيف بايدن نائب الرئيس الامريكي الحالي: ( إن فكرة بايدن فكرة فظيعة في اكثر من وجه بحيث يصعب على من يريد انتقادها أن يعرف من أين يبدأ. فإذا كان لنا أن ندفع العراق بهذا الاتجاه فان الحرب الأهلية ستصبح أمرا مؤكدا، وما نواجهه اليوم سيبدو عندها مجرد لعب أطفال).
الخاتمة
إن كل التجارب الفدرالية القائمة حاليا، رغم قلتها قياساً إلى نمط الدولة المركزية الموحدة، تعتمد على صيغ متشابهة من حيث الشكل والمضمون.
فمن ناحية الشكل فإن النظام الفدرالي يقوم على أساس لامركزية إدارية بالنسبة للولايات أو الأقاليم المكونة للدولة الإتحادية، وليس على أسس جغرافية قومية أو دينية أو طائفية.
أما من ناحية المضمون فإن غالبية التجارب تشير إلى وجود حالة معينة من تقسيم السلطات وتوزيع الصلاحيات فيما بين الدولة الفدرالية الإتحادية وبين الولايات أو الأقاليم المكونة لها بحيث تختص الأولى بأعمال السيادة وكافة الشؤون السياسية الأخرى كإعلان الحرب وعقد الإتفاقيات الخارجية، في حين ينصب إختصاص الحكومات المحلية على إدارة المجالس المحلية التابعة لها وما يترتب على ذلك من صلاحيات تتعلق بالمجالات الثقافية والتعليمية، فضلاً عن الأنشطة التجارية بين الحكومات أو الولايات وقضايا الأحوال المدنية كالزواج والطلاق وكافة الأمور التي ليست من إختصاص الحكومة الفدرالية، وبما لا يتعارض مع القانون الأساسي (الدستور) للدولة وفي المحافظة على الوحدة الوطنية أرضاً وشعباً.
وفي هذا السياق، فإن مبدأ الفدرالية الذي يطالب به ساسة اليوم في العراق من الأكراد وغيرهم ليس مشروعا فدراليا، بل هو إلى الكونفدرالية أقرب، وهو مبدأ لا ينسجم مع ظروف الشعب العراقي وقيمه وتطلعاته المستقبلية.
وليس من حق الساسة الأكراد ولا غيرهم الإصرار على تطبيقه، لان اعتماده كخيار هو من صلاحية الشعب العراقي بكافة قومياته، وهم بالتالي جزء ليس بالكبير من الشعب وليس كله، فالشعب أولاً وأخيراً هو مصدر أي سلطة وغاية أي تشريع.
وفي كل الأحوال فإن كل من لديه مشروع في هذا الإتجاه أو ذاك سيحتاج إلى أخذ رأي الشعب في وقت يكون فيه الشعب حر الإرادة، ويتخذ القرار من دون ضغط أو ابتزاز.
أما الإعتماد على المحتل في تمرير مثل هذا المشاريع رغم إرادة الشعب، لن يكون بصالحهم أبدا، لأن الشعوب ـ كما تؤكد تجارب التاريخ ـ تنتصر في نهاية المطاف، ويخيب كل من ناصبها العداء، أو استعان بالمحتل عليها.
ولا حل في الأفق، سوى انتظار دستور يكتبه ويناقشه العراقيون وبدون تدخل مباشر أو غير مباشر من أية قوى دولية خارجية.. هذا الدستور يضمن حقوق كافة القوميات والأديان والطوائف، وينص على تنظيم الحقوق والواجبات بالتساوي، ويبيح لا مركزية إدارة شؤون المحافظات لضمان خصوصيتها، فضلا عن الإقرار بمبدأ تداول السلطة دون النظر إلى العرق أو الدين أو اللغة، وبما يضع فرص تولي المناصب والمسؤوليات والوظائف متساوية، وإن ما يميز بينهم هو الكفاءة والإختصاص فقط.
وفي موازاة ذلك يجب التشديد على أن تحقق أحكام الدستور نوعاً صارماً من العدالة في توزيع السلطة والثروة على كل العراقيين بدون إستثناء في ظل نظام سياسي برلماني ديمقراطي يمثل كل أبناء الشعب العراقي بمختلف ألوان طيفهم القومي والديني ويتسم بالكفاءة والنزاهة ويرتكز في جوهره على عدم السماح بتركيز السلطة ومن ثم الاستئثار بها دون وجه حق بيد شخص أو قومية أو دين أو طائفة.
وبالتالي علينا جميعاً أن نترفع ونسمو على جميع المطالبات التي تركز التمايز العرقي أو الديني أو الطائفي وأن نعمل جاهدين على عدم السماح بالترويج لمثل هذه المطالب.
فالعراق الواحد خيمة لكل العراقيين وهو بيتهم وهويتهم التي لا تقبل التجزئة أو التشظي طالما سيعيشون جميعاً تحت سقفه بحرية ومساواة وعدالة.
________________________________________
[1] انتقدت منظمة «هيومان رايتس ووتش» لحقوق الإنسان في تقرير لها صدر في هذه السنة 2011م الانتهاكات المستمرة من سلطات إقليم كردستان لحقوق الصحافيين، مشيرة إلى الكثير من الحالات التي اعتبرتها «انتهاكات فظيعة» لحقوق الصحافيين، داعية الحكومة الإقليمية إلى وقف تلك الانتهاكات وإفساح المجال أمام الحريات الصحافية في الإقليم. وفيما يتعلق بالتهديدات التي تلقاها رئيس تحرير مجلة «لفين» الكردية المستقلة قبل فترة من وزير البيشمركة جعفر مصطفى دعت المنظمة إلى طرد الوزير المذكور وتقديمه للمحاكمة.
وقالت المنظمة في تقريرها: "بعد ثماني سنوات من اطاحة الولايات المتحدة بصدام حسين في سبيل حماية حقوق الأكراد، فانها تقف بصمت بينما الحكومة (الكردية) تساعد في تثبيت الانتهاكات في كردستان وتقمع السكان..الحقيقة هي أن الخوف ترعاه الحكومة والقمع مستمر في التفاقم".
[2] أكدت المسؤولة في منظمة العفو الدولية بالنرويج( بيتا ايكيلوفا) أن السلطات في منطقة كردستان العراق متهمة بانتهاك حقوق الإنسان ومنع الحريات العامة وحرية التعبير وبممارسة العنف والقمع ضد المتظاهرين في المنطقة. ونقلت مصادر صحفية يوم أمس عن ايكيلوفا قولها إنها لمأساة إذا سعى القادة الكرد إلى تقليد نظريات الزعماء الدكتاتوريين وإنه يجب عليهم الكف عن إتباع تلك الأساليب فورا. وأضافت ايكيلوفا إن كل تلك الانتهاكات خطيرة وجسيمة وأنها ممارسات من شأنها تقبيح صورة إي نظام سياسي لذا يتطلب معاقبة كل الأشخاص الذين أمروا باستخدام القوات العسكرية لقمع المواطنين العزل والحيلولة دون تكرار تلك الممارسات. وأعربت المسؤولة الدولية عن عميق اندهاشها من الإحداث الأخيرة التي شهدتها المحافظات الشمالية لقد اندهشنا كثيرا من تصرفات السلطات الكردية التي تنادي بالديمقراطية في حين تقمع شعبها على ارض الواقع. وفي تعليقها على مزاعم السلطة الكردية بشأن الديمقراطية في كردستان أوضحت ايكيلوفا أن فهم معاني الديمقراطي أمر نسبي عند البعض وأنهم يعرفونها بحسب رغباتهم وأهوائهم في حين أن أسس الديمقراطية قائمة على احترام حقوق الإنسان وإنهاء العنف الجسدي وإذا تعرضت تلك الحقوق للانتهاك فان ذلك يعني أن الديمقراطية لم يعد لها وجود.
[3] أشار تقرير السي آي إي لعام 2002 المتعلق بمستقبل الطاقة خلال خمس عشرة سنة القادمة والذي يشير الى زيادة الطلب على الطاقة خلال هذه الفترة لذلك فقد حددت امريكا المكان الذي بفضل طاقته يتحرك العالم ووضعت خطة شاملة للسيطرة عليه تتمثل في إنشاء اقليم وفدرالية للنفط متصلة مع بعضها وتخضع لإرادة واحدة ويتطلب هذا الامر تقسيم العراق والسعودية وايران واقتطاع مناطق النفط والغاز ودمجها في منطقة واحدة أي ان إنشاء هذا الاقليم يتطلب تقسيم العراق الى ثلاثة فدراليات او اكثر وتقسيم السعودية الى نجد والحجاز واستقطاع الاحواز الغنية بالنفط من ايران وضمها الى الاقليم الذي سيتحول الى منطقة تجارية عملاقة واحدة تحت الإدارة الامريكية التامة وستحول مدن الخليج والجزيرة الواقعة ضمن مناطق النفط المباشرة الى مدن تجارية صرفة تقوم على تقديم الخدمات الخاصة بالنفط وما يتصل بها بحيث تصبح الحكومات مجرد هوامش شكلية لا وجود لها في الواقع وستعلن منطقة الخليج منطقة تجارية دولية لا صفة وطنية لها ويواجه المشروع احتمالات الفشل بسبب المقاومة الوطنية العراقية المسلحة لذا فان امريكا تسعى من خلال الفدرالية الطائفية والعرقية الى تقسيم العراق والسيطرة عليه. فان امريكا تسعى من خلال الفدرالية الطائفية والعرقية الى تقسيم العراق والسيطرة عليه.
[4] وهنا لابد من القول أن هذه الحقوق الممنوحة للقومية الكردية هي ليست منحة أو منة من أحد فالكرد مواطنون عراقيون أصلاً لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم في هذا الوطن وهي لاتقل عن حقوق وواجبات العراقيين العرب ولا أحد يستطيع أن ينكر مواقفهم الوطنية في إنجاز إستقلال العراق وما قدموه من تضحيات في إطار الحركة الوطنية لا تقل شأناً عما قدمته باقي القوميات الأخرى المتآخية دون تمييز أو تفريق فالجميع شركاء في هذا الوطن وأن معيار المفاضلة يكمن في التعبير عن الولاء له والإنتماء اليه .
[5] ظهرت فكرة الفدرالية في فترة التسعينات بعد حرب الكويت وهي فكرة طرحها الساسة الاكراد وأيدتها في ذلك بعض القوى السياسية المتحالفة معها في الخارج. حيث نجح الاكراد في الخروج من قبضة السلطة المركزية بدعم من قوات التحالف الدولي التي أنشأت مناطق حظر جوي في الشمال والجنوب، ومنذ تلك الفترة كانت فكرة الفدرالية تطرح بين الحين والآخر من قبل القوى لكردية، ففي 4 /10 /1994 اتخذ البرلمان الكردستاني قراراً يتبنى فيه النظام الفدرالي للعراق
وبعد احتلال العراق اقرت الفدرالية من قبل قانون ادارة الدولة المؤقت الذي وضعه بريمر وعلى اساس جغرافي اداري حيث اعطى الحق لكل ثلاث محافظات في ان تقيم اقليماً خاصاً يكون له عاصمة خاصة بها شرط موافقة ثلثي سكانها، كما اقر هذا القانون حكومة كردستان التي اقيمت على اساس قومي وليس جغرافياً.
القوى السياسية الشيعية المتحالفة مع الاكراد لم ترفض الفدرالية برغم معارضة اغلبية العراقيين في الجنوب لها، وكانت القوى السياسية الشيعية في البداية تقول انها تريد فدرالية جغرافية ادارية تدير بها شؤونها بحرية بعيداً عن الإشراف المباشر من قبل الحكومة المركزية الا انهم وفي الفترة الاخيرة اخذوا يطرحون فكرة الفدرالية الشيعية في الجنوب القائمة على اساس طائفي، الامر الذي يشكل خطراً على وحدة العراق في المستقبل.
[6] الجدير بالملاحظة أن خاصية الخطاب السياسي لمن كانوا يسمون أنفسهم مسبقاً بالمعارضة العراقية قد قام على أساس تسويق رجم الحكم السابق وإدانة ممارساته مما يستوجب الآن أن يعاد تفكيكه وتعاد صياغته لأن ذلك النظام قد أصبح في ذمة التأريخ، كما وأن الظلم الذي مارسه النظام السابق قد تم توزيعه بعدالة على جميع أطياف المجتمع العراقي بدون إستثناء حيث لم تكن الحال في الشمال أكثر وطأة عما هي في الجنوب أو الوسط، وأن الموقف من المعارضين لم يكن في الجنوب أقل منه عما هو في الشمال أو الوسط. لهذا يجب على القوى الوطنية غير المتعاونة مع الإحتلال الإلتفات إلى مستقبل العراق من منطلق الحفاظ على هويته وبلورة ثوابته وعدم السماح بجني مكاسب يتم الحصول عليها في عراق محتل لأن من شأن ذلك الإضرار بالمصلحة النهائية للعراق الواحد الذي يتطلب الآن ليس فقط مقارعة العصبية القبلية والتطرف الديني والطائفية والعنصرية والنزعات الإنفصالية بكافة أشكالها ومصادرها ومسمياتها وإنما إلغائها من قاموسه.
[7] قد يتذرع البعض بحق تقرير المصير ،والقول له:إن هذا الحق لا ينطبق عليهم لان الامم المتحدة قد أقرت هذا الحق في سنة 1960 لثلاث فئات من الشعوب: الاولى: تتمثل بالشعب الذي يعيش في مناطق مستعمرة أي تحت الاستعمار، اما الفئة الثانية: فتتمثل في ان حق تقرير المصير يمنح للشعب الذي يعيش في اقليم تم اخضاعه للاحتلال او الضم بعد اعتماد ميثاق الامم المتحدة في عام 1945 فيحق له اجراء استفتاء شعبي وحر وعادل في تقرير مصيره، والفئة الثالثة: التي منحت هذا الحق هي الدولة الاتحادية (الفدرالية) التي تم تشكيلها عن طريق الانضمام الطوعي الاختياري من الدول الاعضاء في الامم المتحدة والتي وردت صراحة في دساتير كل منها فيحق لها الانسحاب من الدولة الاتحادية كما في الاتحاد السوفيتي السابق وفيما عدا هذه الحالات الثلاثة فان مسألة الحق المنفرد في تقرير المصير لا يسمح بها ولا تعطى للجماعات الاثنية والقومية والعرقية لا من شأن ذلك ان يخلق فوضى عارمة لان من النادر ان نجد دولة متجانسة لا يوجد فيها قوميات واقليات فمن بين مجموع (200) دولة تشكل الاسرة الدولية توجد (12) دولة فقط تتصف بالتجانس ولا تعاني من القوميات والاقليات كما ان الامم المتحدة والمواثيق الدولية خاصة الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي صدر في 1948 قد عالجت مشكلة تعايش الاقليات والقوميات والاديان والطوائف ضمن مبدأ قيام الدول بالمحافظة على حقوق الانسان وضمان الحريات الاساسية للجميع من دون تميز وافساح المجال لجميع ابناء الوطن بالمشاركة في الحياة السياسية والاقرار لمبدأ تداول السلطة دون النظر الى العرق او الدين او اللغة.
الهيئة نت
ح
نص البحث الذي قدمه الشيخ الفيضي خلال ندوة مركز الخلد للدراسات والبحوث في عمان
