أعطى قرار مجلس الأمن الدولي الضوء الأخضر لعمل عسكري في ليبيا بموجب القرار رقم 1973 بهدف حماية المدنيين الليبيين. ولكن هؤلاء المدنيين لا يزالون يُقتلون حتى اليوم. فقوات القذافي تقتل العشرات منهم يومياً. والقوات المناوئة له تقتل العشرات من أنصاره. وطيران حلف الأطلسي يقتل العشرات من الفريقين.. \"عن طريق الخطأ!\".
لم يستطع القذافي إنقاذ نظامه. ولم يستطع خصومه إسقاطه. وفشل حلف الأطلسي في تغيير الوقائع على الأرض. وهذا يعني أن الترجمة العملية لاستمرار الوضع الراهن تناقض ما قرره مجلس الأمن الدولي، وهو وقف قتل المدنيين.
من هنا كان المدخل الى البحث عن تسوية سياسية. وتحمل لواء العمل على التسوية القوى الأوروبية ذاتها التي تولّت عملية القصف العسكري. تؤكد هذه التطورات المتلاحقة على المسرح الليبي، أمرين أساسيين. الأمر الأول هو أن القوة العسكرية عاجزة عن حل الصراعات السياسية. أما الأمر الثاني فهو أن المجموعة الأوروبية وخلافاً للولايات المتحدة - فقدت الشهية لاستخدام القوة العسكرية أداة من أدوات العمل على تغيير النظام، أي نظام معادٍ لها.
وفي ضوء هذين الأمرين فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو أي مستقبل ينتظر حلف شمال الأطلسي الذي يشكل العمود الفقري للتحالف عبر الأطلسي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؟ منذ انتهاء الحرب الباردة وسقوط جدار برلين وتمزق الاتحاد السوفياتي السابق، قام الحلف الأطلسي قبل التدخل في ليبيا بمهمتين فقط. الأولى في صربيا، والثانية في أفغانستان. لقد أدت معارضة فرنسا وألمانيا للحرب الأميركية على العراق الى عدم تورط الحلف الأطلسي في تلك الحرب. ما حمل إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الى إيجاد بديل آخر تمثل في إقامة "تحالف عسكري خاص" بالحرب على العراق شمل دولاً من خارج حلف الأطلسي بما فيها عدد من دول أوروبة الشرقية، وحتى استراليا.
وخلافاً لذلك فإن الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف لم تتردد كثيراً في المشاركة في مخطط قصف صربيا على خلفية جرائم الحرب التي ارتكبتها قواتها في البلقان وعمليات التطهير العرقي التي مارستها في البوسنة الهرسك على نطاق واسع. فقد اعترف الاتحاد الأوروبي أن هذه الجرائم هي الأسوأ منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأن السكوت عليها وتغطية القائمين بها يُشجع على ارتكاب المزيد ربما في مناطق أخرى من القارة. فكان قرار المشاركة في استخدام القوة العسكرية في عام 1999 لحمل بلغراد على الرضوخ للإرادة الدولية بوقف المجازر، والانسحاب من كوسوفا التي أعلنت استقلالها، وبتسليم مجرمي الحرب الى العدالة الدولية، وكان آخرهم الجنرال مالديتش.
كذلك لم تتردد دول الحلف في الانضمام الى الجهد الحربي الذي تبذله الولايات المتحدة في أفغانستان. ذلك أن الجرائم التي ارتكبها تنظيم القاعدة والذي وفرت له أفغانستان في ظل حكم طالبان ملاذاً آمناً، طالت العديد من الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف (مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا واسبانيا) كما طالت الولايات المتحدة منذ 11 أيلول/سبتمبر 2001.
أما في ليبيا فقد كان الأمر مختلفاً. صحيح أن العقيد القذافي لا يتمتع باحترام لدى أي من دول الحلف، وصحيح ايضاً أنه متهم بالمسؤولية عن جرائم إسقاط ثلاث طائرات مدنية، واحدة فوق لوكربي باسكوتلندة واثنتان فوق افريقيا، وصحيح كذلك أنه متهم بالمسؤولية أيضاً عن جرائم تفجير وقعت في ألمانيا، إضافة الى اتهامه بتصفية خصومه السياسيين داخل ليبيا وخارجها، إلا أن ذلك لم يكن يشكل مبرراً كافياً بنظر ألمانيا تحديداً لعمل عسكري مباشر ضده.
ولو لم تشارك الولايات المتحدة في قصف المواقع التابعة للعقيد القذافي باسم حلف شمال الأطلسي لما استطاعت فرنسا وبريطانيا وايطاليا أن تحقق حتى الحد الأدنى مما تم تحقيقه حتى الآن. وربما يعود ذلك الى سببين. الأول هو أن الولايات المتحدة تعتبر نفسها قوة عالمية، وبالتالي فإنها تعطي نفسها مسؤولية التدخل على طريقتها العسكرية في أي منطقة من العالم. الأمر الثاني هو أن المجموعة الأوروبية تعتبر نفسها قوة اقليمية، وبالتالي فإن تدخلها لا يكون إلا عند الضرورة القصوى والاستثنائية كما هو الحال بالنسبة لأفغانستان. وإذا كانت الولايات المتحدة تتمتع بحماية طبيعية لوقوعها بين المحيطين الأطلسي والباسيفيكي، فإن أوروبا تعتبر أن الأساس الذي تقوم عليها حمايتها هو أن يكون لها جيران مسالمين ومتعاونين. وهو ما تسعى الى تحقيقه مع روسيا شرقاً، ومع العالم العربي جنوب المتوسط. ولأنها نجحت في ذلك الى حد كبير، فإنها لم تعد ترى ضرورة للإنفاق المبالغ فيه على التسلح. ذلك أن خمس دول فقط من بين الدول الثمانية والعشرين الذين يتألف منها حلف الأطلسي تنفق نسبة الاثنين في المئة من دخلها القومي التي قررها الحلف على التسلح. وهذه الدول الخمس هي فرنسا وبريطانيا واليونان وألبانيا، الى جانب الولايات المتحدة. ومنذ سقوط جدار برلين في عام 1989، وخلافاً لما كان متوقعاً، فإن واشنطن رفعت من ميزانيتها العسكرية بنسبة 75 في المئة، وذلك بالرغم من الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها، وبالرغم من أعباء الديون الخارجية التي ترهقها.
هذا التباين الكبير في تحمل الأعباء المالية، والمسؤوليات العسكرية رسم علامة الاستفهام الكبيرة حول مستقبل الحلف. فالجيل الأميركي الذي عاش الحرب العالمية الثانية قد زال أو هو في طريقه للزوال. والأولويات الأميركية تغيرت، مع تغير الحسابات السياسية ومع تبدل مواقع الصراع. وهناك توجه أميركي متنامٍ لتحميل أوروبا مسؤولية أمنها المباشر، لاتقاء شرارات الأوضاع غير المستقرة في العديد من الدول المجاورة لها من جنوب المتوسط (وبخاصة دول المغرب العربي) الى شرق أوروبا ( القوقاز وأوكرانيا) الى شمال أوروبا (روسيا البيضاء) الى وسط أوروبا (البوسنة ومولدافيا).
لقد كشفت حملة حلف الأطلسي على ليبيا مدى محدودية القدرات العسكرية التي تتمتع بها الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف. حتى أن هذه الدول أعربت عن عدم قدرتها على مواصلة القصف خوفاً على مخزونها من الذخيرة!!.. ولولا المشاركة الأميركية في هذه العمليات لكان الحلف أقل نجاحاً حتى في المحافظة على التوازن في الأوضاع بين جناحي بنغازي وطرابلس.
فتح هذا الأمر الباب أمام الديبلوماسية لمعالجة "الأزمة الليبية" بعد أن كانت قد استبعدت كلياً لمصلحة الحسم العسكري. ولكن الحسم الذي فشل في ليبيا فشل أيضاً في أفغانستان. فالولايات المتحدة التي تقود قوات حلف الأطلسي هناك (140 ألف جندي بينهم 100 ألف جندي أميركي) باتت ميالة الى الحل الديبلوماسي مع حركة طالبان. وهو ما شجعتها عليه الدول الأوروبية، ليس حباً بطالبان، ولكن رغبة في الانسحاب من أفغانستان. حتى أن الانسحاب بحد ذاته أصبح الهدف الأسمى وتجسيداً للانتصار.
لقد قام حلف شمال الأطلسي أساساً ليكون الذراع العسكرية للتحالف الغربي (الولايات المتحدة وأوروبا) في مواجهة الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو. أما الآن وقد أصبح الاتحاد السوفياتي من التاريخ.. وانضم عدد من أعضاء حلف وارسو الى حلف الأطلسي.. فأي معنى يبقى لهذه الذراع العسكرية؟ وضد من توجه هذه الذراع؟.. ضد القذافي في ليبيا؟.. أو ضد طالبان في أفغانستان؟.
صحيفة المستقبل اللبنانية
نهاية حلف الأطلسي....محمد السمّاك
