هيئة علماء المسلمين في العراق

بذل الهمم في شرح حديث (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم)
بذل الهمم في شرح حديث (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم) بذل الهمم في شرح حديث (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم)

بذل الهمم في شرح حديث (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم)

الشيخ: عبد المنعم البدراني/ عضو هيئة علماء المسلمين في العراق تواصلاً في شرح الحديث يقول الرسول الاكرم (صلى الله عليه وسلم) (ولينزعن الله المهابة من قلوب اعدائكم منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن) فهما قلبان اذن قلب مؤمن، وقلب كافر، فاما القلب الكافر فقد نزعت عنه هيبة المؤمنين، واما القلب المؤمن فقد القي فيه الوهن، والوهن في اللغة الضعف، وهو تحصيل حاصل لما نزع من قلب الكافر من هيبة المسلمين، وحينها سأل المسلمون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الوهن فقالوا :(وما الوهن يا رسول الله)؟ ومعلوم ان الصحابة عرب فصحاء وبلغاء وخطباء ولا يمكن ان يكون معنى الوهن في لغة العرب غائبا عن اذهانهم وعقولهم فيكون سؤالهم حينئذ ليس عن معنى الوهن في لغة العرب وانما كان سؤالهم عن اسباب الوهن ويدل على هذا المعنى جواب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين اجاب قائلاً :(حب الدنيا وكراهية الموت). فالسؤال ليس عن معنى الوهن اللغوي والجواب ليس عما وضع له الوهن في لغة العرب انما هو سؤال عن اسبابه وجواب لتوضيح هذه الاسباب وهما سببان بينهما رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
الاول: حب الدنيا وليس المقصود من ذلك الحب الطبيعي لها لان الله تعالى قال :((ولا تنس  نصيبك من الدنيا)) وانما المقصود (والله اعلم) حب الدنيا الذي يجعلها مقدمة على الآخرة وتجعل صاحبه اسيرا لها وعبدا لها تمنعه عن اداء الواجبات واجتناب المحرمات، تملك عليه لبه وفؤاده فيركن اليها وكأنه مخلد فيها لا يموت ولا يلتفت الى جنة فيعمل لها ولا يلتفت الى نار فيتقيها ولا يحرص على مرضاة الله تعالى ولا يلقي بالا لطاعة الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم).
وهذا النوع من الحب هو من اخطر انواع الحب الذي لم يرد به وجه الله تعالى لانه مانع من كل خير وجالب لكل شر فعلى المسلم ان ينتبه الى هذه الدنيا الزائلة الحقيرة القصيرة والتي لا تساوي عند الله جناح بعوضة كما جاء في الحديث الصحيح :(لو ان الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، ما سقى فيها كافر شربة ماء). فهيبة المسلمين في الماضي يوم باعوا دنياهم ليشتروا آخرتهم، يوم آثروا الآخرة الباقية على هذه الدنيا الفانية.
واما السبب الثاني: فهو قوله (صلى الله عليه وسلم) :(وكراهية الموت) ومعلوم ان الله تعالى قد فطر النفوس على كراهية الموت فهذا سيدنا موسى (عليه السلام) يضرب ملك الموت على عينه يوم اخبره انه جاء ليقبض روحه والاثر في صحيح البخاري.
فالمقصود اذن ليس الكراهية الفطرية الطبيعية ويدل عليه قول الصحابي لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) حينما قال :(من احب لقاء الله احب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) فقالوا: واينا لا يكره الموت يا رسول الله؟! فقال (صلى الله عليه وسلم) :(ليس هو ذاك). وبين لهم في حديث طويل ان حب لقاء الله تعالى وكراهية ذلك انما هو في ساعة الاحتضار فالمؤمن يبشر بالجنة والرضوان فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه والكافر يبشر بالغضب والنيران فيكره لقاء الله فيكره الله لقاءه فالشاهد هو قولهم :(واينا لا يكره الموت يا رسول الله وقوله (صلى الله عليه وسلم) (ليس هو ذاك) اذن كراهية الموت الفطرية الطبيعية ليست هي المقصودة بقوله (صلى الله عليه وسلم) :(كراهية الموت) انما والله اعلم هي كراهية الموت في سبيل الله تعالى ويؤيد هذا المعنى اللفظ الاخر للحديث :(كراهية القتال).
وهذا من اعظم اسباب نزع هيبة المسلمين من قلوب اعداء المسلمين، اذ ان الهيبة لا يمكن ان تستقر في قلوب الكفار من المؤمنين الا اذا حرصوا على الموت كحرص الكفار على الحياة كما قال تعالى في وصف الكفار :((ولتجدنهم احرص الناس على حياة)) الآية وقال في وصف المؤمنين :((ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) الاية. ويشري هنا بمعنى يبيع اي يبيع نفسه مرضاة لله تعالى وفوزا بالجنة ونجاة من النار كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) :(الا ان سلعة الله غالية، الا ان سلعة الله الجنة) فالجنة سلعة معروضة للبيع، وهي بضاعة نفيسة تستحق ان يبيع العاقل الرشيد اغلى ما عنده للفوز بها الا وهي الجنة، وما في الجنة من هبات وهداية وتحف واول التحف من الله تعالى لعبادة المضحين في سبيله بالارواح والمهج ان النعيم في الجنة لا ينفد ولا ينقطع وثاني التحف ان الله تعالى يرضى عنهم فلا يسخط بعدها ابدا كما ورد في الحديث القدسي الصحيح ان الله تعالى يقول لعباده في الجنة :(احل عليكم رضواني فلا اسخط عليكم ابدا) وثالث الهبات والتحف هي لذة النظر الى وجه الله الكريم كما ورد في الحديث الصحيح ان الله تعالى يكشف لأهل الجنة عن وجهه الكريم فينظرون اليه جل وعلا وتبارك وتقدس، فما اعطوا شيئاً احب اليهم من النظر الى وجه الله الكريم.
ان هذه الهبات الكريمة والتحف القيمة والهدايا السخية لا تكون من الله تعالى الا لمن كان كريما وسخيا مع ربه زاهدا في نفسه وماله ولذلك كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يستعيذ بالله تعالى من الجبن والبخل كما ورد في الدعاء المأثور الصحيح :(واعوذ بك من الجبن والبخل) وسبب هذه الاستعاذة لان هذين الوصفين شران عظيمان على المسلم وهما داءان عضالان يمنعانه عن الجود والجهاد في سبيل الله تعالى فالجبن يمنعه عن الجود بالنفس والبخل يمنعه عن الجود بالمال، وهل الجهاد الا الجود بالانفس والاموال ولذلك قرن الله تعالى بينهما في مواضع كثيرة من القرآن الكريم والناس في هذا المقام اربع منازل.
المنزلة الاولى: وهي اشرفها هي منزلة الجهاد في سبيل الله تعالى بالاموال والانفس وهؤلاء الذين صدقوا الله تعالى ما عاهدوه عليه وصدقهم الله تعالى بادعائهم الايمان حيث قال :((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)) الاية فهذا من جهة صدقهم مع الله عزوجل. وحيث قال الله تعالى :((انما المؤمنون الذين امنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا باموالهم وانفسهم في سبيل الله اولئك هم الصادقون)) وهذا من جهة تصديق الله تعالى لهم. وهذه الزمرة الصادقة مع الله تعالى هي التي أمر الله تعالى المؤمنين كافة ان يلتحقوا بها حيث قال :((يا ايها الذين امنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)).
المنزلة الثانية: هي منزلة الجهاد بالنفس وهو نوع فريد وكريم من انواع الجود كما قال الشاعر:
والجود بالنفس اسمى غاية الجود.
هذه النفس المقدمة على كل مخلوق يقدمها المؤمن المجاهد قربانا لله تعالى، طمعا في جنته ورضوانه ورهبا من سخطه ونيرانه.
ويؤكد مكانة النفس الانسانية عند صاحبها قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) : والله يا رسول الله انك احب اليّ من كل شيء الا نفسي؟! انظر وتأمل
فاضاف النبي (صلى الله عليه وسلم) معنى آخر للاعتزاز والحرص فقال له (صلى الله عليه وسلم) :(حتى نفسك ياابن الخطاب) فقال عمر: حتى نفسي يا رسول الله فقال (صلى الله عليه وسلم) (الآن يا عمر).
الشاهد في قول عمر (الا نفسي) فالنفس عزيزة عند صاحبها لا يفرط فيها بسهولة ولكنها تصبح رخيصة مزهودا فيها حينما يقدمها المؤمن المجاهد على طبق من ذهب الى بارئها وحبيبها ومعبودها رب العالمين جل وعلا وتقدس شأنه.
والمنزلة الثالثة: هو الجهاد بالمال وهو نوع عسير من انواع الجهاد الا من يسره الله تعالى عليه لان الانسان مجبول على حب المال كما قال الله تعالى :((وانه لحب الخير لشديد)) والخير هنا هو المال وقوله تعالى :((وتحبون المال حبا جما)) وغير ذلك من الآيات والاحاديث والناس في هذا المقام صنفان: صنف صار عبداً للدرهم والدينار كما صح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال :(تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم). وهذا الصنف هالك لا محالة، لأن عبوديته للدرهم والدينار تمنعه عن كل خير جعله الله تعالى في المال كالزكاة والصدقة وبر الوالدين وصلة الارحام واهم من ذلك كله الجهاد في سبيل الله تعالى فان كثيرا من الذين انعم الله عليهم بنعمة المال لم يحسنوا استخدامه ولم يسلطوه في الخير والفضيلة.
واما الصنف الثاني الذي انعم الله تعالى عليه بنعمة الجود والكرم بالمال في سبيل الله تعالى، فلا يترددون ولا يتقاعسون عن الانفاق لنصرة الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) ولهذا جاء في الحديث الصحيح ان النبي (صلى الله عليه وسلم) قال :( من جهز غازيا فقد غزا) وقوله (صلى الله عليه وسلم) :(ومن خلف غازياً في اهله فقد غزا) وغير ذلك من الادلة الكثيرة على فضل اعداد العدة للجهاد وتجهيز أهله والسائرين في طريقه.
واما المنزلة الرابعة: فهي منزلة اهل الدنيا، ومنزلة اهل النار منزلة المتخاذلين المخذلين عن الجهاد والنصرة لله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، منزلة المثبطين، منزلة المنافقين، منزلة الجبناء والبخلاء منزلة اراذل القوم وسفاسفهم، منزلة المعرضين عن الاخرة والمقبلين على الدنيا، منزلة الذين لا يجاهدون في سبيل الله لا باموالهم ولا بانفسهم، بل لا يكتفون بذلك انما يخذلون الناس عن الجهاد في سبيل الله تعالى السنتهم حداد على الجهاد واهله ان اصابتهم حسنة تسؤهم وان تصبهم سيئة يفرحوا وهذا هو حال المنافقين احفاد ابن أبيّ بن سلول والسائرين على نهجه ونفاقه الى قيام الساعة نسأل الله تعالى العافية من النفاق واهله.

أضف تعليق