لا بد للحق من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يحفظونه ويتمثلونه، عقيدة وفكراً وأخلاقاً ومنهجاً، ويدعون اليه، والا طغى الباطل وأهله، ووقع الناس في الضلال والجهل والباطل.
ولذا فرض الإسلام على أهل العلم، بيان الحق وتعليمه وتبليغه والدعوة إليه، وفق الحدود الشرعية، ويتأكد هذا الواجب على العلماء كلما فشا الجهل في الناس واندرست معالم الحق، وظهر الباطل وانتشر.
فاذا قصر العلماء في ذلك، لحقهم الإثم، لان تقصيرهم يعتبر من كتمان العلم الذي أؤتمنوا عليه وأمروا به.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن.
وبهذا التقصير يفشو الباطل والجهل والضلال ويضيع الحق ورجاله ويقعون في الضيق والحرج والمشقة، ويكونون غرباء في وسط الباطل والجهل، لا يقبل عليهم الناس ولا يسمعون منهم ولا يقتدون بهم.
قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)). فسؤال أهل الذكر يرفع الجهل ويتضح الحق، ومن ثم يؤدي المرء ما عليه من تكاليف الشرع، إذ أن الإفتاء في أمور الشرع وبيان الحق أمانة عظيمة ومسؤولية كبرى لكون حقيقته اخبار عن شرع الله وحكمه، ومن خلاله يتبين الرشد من الغي.
وهذا يدعو إلى سؤال العلماء، والتحري عن الأصلح والأتقى والتعرف إليه بالسؤال عنه أو باخبار الثقة عنه واشتهاره بين الناس، لان التقوى تبعد عن مزالق الهوى الخفي أو تدفع إلى البحث الشديد لمعرفة شرع الله وحكمه، بعيداً عن التأويلات الفاسدة والابتداع في الدين ومجاراة الظلمة والفاسقين، والافتاء لهم بما يشتهون ونحو ذلك مما يخل بادب الافتاء وأحكامه.
قال تعالى((... وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)). وقال السلف الصالح: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه).
ويشترط في المفتي أن يكون على قدر كاف من اليقظة وجودة الذهن والمعرفة بالناس ومكرهم وخداعهم حتى لا يقع في هذا الخداع وذلك المكر.
وأن يكون صلباً في دينه لا تأخذه في الحق لومة لائم، وأن لا يتأثر بوعد أو وعيد، وأن يكون على قدر كبير من الورع والزهد ومخافة الله تعالى. ولا شك أن هذه الشروط ضرورية للمفتي ولا يسد مسدها أو يقوم مقامها مجرد علمه وعدالته الظاهرة.
ويجب على المفتي أن يعلم أن ما يقوله ويفتي به دين يحاسب عليه أمام الله تعالى، ولذا يجب عليه أن يطيل النظر والفكر والبحث في المسألة والوقوف على الادلة واختلاف العلماء فيها.
ولا يسرع في الاجابة، واذا لم يعرف، فليقل لا أدري فإن نصف العلم لا ادري.
وقد كان الأمام مالك يسأل عن مسائل، فيقول عن بعضها أو أكثرها لا أدري.
وينبغي للمفتي أن يلاحظ عرف البلد وعاداته ليعرف مقصود المستفتي واذا لم يفهم السؤال استفهم من السائل عن مراده، وأن يبين الحق ويبين ما عليه من واجب.
وعلى المفتي أن يبتعد عن مظان التهم والريب، وأن لا يقبل هدية ممن يستفتيه لئلا يجره ذلك إلى التساهل معه في الفتيا دون أن يشعر.
ومن يتصدى للافتاء عليه أن يتأكد من اهليته له، وأن يجعل نيته خالصة لله، لا يريد بافتائه مباهاة العلماء والرياء ومتاع الدنيا والا حرم الافتاء عليه.
قال تعالى: ((إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)).
فالافتاء بغير علم ضلال واضلال للغير وكل ذلك حرام، كما يحرم على الجاهل الافتاء يحرم الافتاء على الماجن الذي لا يبالي بما يفتي وبما يقول.
ويجب على المفتي الامتناع عن الافتاء اذا دلت القرائن للمفتي أن مراد المستفتي التوصل بالفتوى إلى غرض فاسد أو لا يستطيع ادراكها وفهمها فتوقعه في الحيرة والفهم الفاسد.
ولذا يجب أن تكون الفتوى واضحة مفهومة لان التبليغ يجب أن يكون بالاسلوب المبين.
قال تعالى: ((قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ)).
ولا بد من ملاحظة الاحوال والامكنة والأزمنة والظروف وحالة المستفتي ومقاصده، لكي لا يقع في أغراض معينة تترتب عليها شر ومنكر كبير.
وينبغي للمفتي أن يوضح في فتواه بأنها محل اجماع بين العلماء او لا يعلم فيها خلافا او هي مسألة اجتهادية بين العلماء فيها الراجح والمرجوح او تحتمل الوجهين والحالين.
قال تعالى: ((وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ)).
ولا يرد المفتي الآراء التي تحتمل الوجهين حسب الأدلة الشرعية أو يختار أحداً منها ويلزم به الناس لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله كما يقول العلماء.
إذ أن رأيهم صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرهم خطأ يحتمل الصواب، فما كان أحد من الصحابة يقطع بأن ما وصل إليه من اجتهاد وهو حكم الله وانما كان يقول هذا رأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وان يكن خطأ فمني، وهذا ما روي عن فقهاء الصحابة كأبي بكر وعمر وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم.
ومن هذا كله تتضح أهمية الافتاء وأدابه ومسؤوليته الكبرى والأمانة العظيمة التي يحملها رجال الحق في كل زمان ومكان.
ولكن أشباه العلماء واقزام الرجال اخلوا بالفتوى وآدابها وجعلوها دعوات وأبواق ولاء لسياسة الطواغيت من الحكام وأسيادهم من الضالين والمغضوب عليهم، يحرفون بها الكلم عن مواضعه، كأنهم رؤوس الشياطين باعوا دينهم وأنفسهم وشرفهم لأجل المراكز والمناصب والثراء والترف والرياء، ساء ما يحكمون.
قال تعالى: ((وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)).
وقال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا)).
أدب الإفتاء.. وبيان الحق
