لم يكن ينقص واشنطن ل “تحسين صورتها” في العالم العربي، سوى أن تتدخل في مكان انعقاد القمة العربية الدورية، المقررة هذا العام وبعد خمسة أسابيع في الخرطوم.
لقد جاءت أخبار الطلب الأمريكي بتغيير مكان الانعقاد، بعد يومٍ واحد فقط، على بث مشاهد جديدة للانتهاكات الشائنة في معتقل أبو غريب، والذي كان التلفزيون الاسترالي قد بادر لكشفها، وليس أي تلفزيون عربي. وكان يفترض تبعاً لذلك في موازين سياسة متعقلة، أن تعمد واشنطن للتعبير عن موقفٍ ما يزيل الانطباعات القاتمة والسالبة التي ترسخت في نفوس العرب، فإذا بجهابذة الإدارة الجمهورية، يضيفون على التو “مأثرة” جديدة باعتراضهم على اختيار القادة العرب لعاصمة عربية كمكان لانعقاد اجتماعهم، وفي واقع الأمر أن هناك جدولة لأمكنة انعقاد القمم، حسب الأحرف الأبجدية لأسماء العواصم.
والسؤال الذي يتبادر الى الأذهان : ما شأن واشنطن بمكان الانعقاد؟ فالقمة هي مؤتمر قومي اقليمي، يتقرر كل شيء بشأنه من طرف أصحاب العلاقة وهم القادة العرب أنفسهم، مع دور تنسيقي للجامعة العربية، وهي بدورها مؤسسة قومية اقليمية، فما علاقة طرف آخر من خارج هذه المنظومة، بظروف ومجريات هذا الحدث؟
لقد دأبت واشنطن على محاولة فرض هيمنتها على الأمم المتحدة وأنشطتها وهيئاتها، استناداً الى كونها دولة عظمى، والى مساهمتها في ميزانية هذه المنظمة الدولية، رغم أن حقوقها لا تزيد على حقوق روسيا والصين، ورغم عدم تقيدها بدفع مستحقاتها، ومع ذلك فإن عضويتها المميزة في هذا النادي الدولي، تتيح لها التدخل والتأثير، خلافاً لما هو عليه الوضع في المنظمات الاقليمية والتي لا تضم الولايات المتحدة في عضويتها ، فمؤسسة القمة العربية ليست جزءاً من حلف الناتو الذي تحتل فيه واشنطن موقع الصدارة، ولا تماثل القمة مؤسسة النقد الدولي أو البنك الدولي حيث النفوذ الأمريكي طاغٍ فيهما، مما يثير التساؤل حقاً عن سر هذه الفجاجة في التدخل، في شأن لا يخص ادارة هذه الدولة العظمى، المحرومة من اتخاذ سياسة خارجية عظيمة.
والغالب في محاولة الاجابة عن هذا التساؤل، أن هذه الادارة تبرع في ارتكاب الأخطاء كأي ادارة فاشلة لمؤسسة من المؤسسات، ذلك أن واشنطن اذا كانت تتمتع بنفوذ قوي في العالم العربي وهي تتمتع به، فان ذلك لا يجيز لها تلقائياً التدخل الفج، في شؤون أعلى مؤسسة عربية سابقة في وجودها، على وجود محافظين جدد في قلب وعلى رأس هذه الادارة! وحيث لا مرجعية لهذه المؤسسة سوى الشعوب العربية كمصدر للسلطات وللشرعية. بل ان هذا التدخل المقيت من شأنه اثارة المزيد من التشكيك بالسياسات الأمريكية في المنطقة، بما ينعكس سلباً على هذا النفوذ القائم كأمرٍ واقع.
ومن الملاحظ الآن أن واشنطن قد تدخلت قبل أسابيع، في أعمال مؤتمر الاتحاد الافريقي الذي عقد في العاصمة السودانية، حيث تمت ممارسة ضغوط لحرمان السودان من رئاسة الاتحاد، وفقاً للعرف السائد بترؤس الدولة المضيفة للاتحاد الى أن تنعقد قمة جديدة، مما أدى لذهاب الرئاسة الى الكونغو. وهذا ما هو معمول به في القمة العربية، حيث تسعى واشنطن لحرمان السودان كدولة مضيفة للقمة من ترؤسها لمدة سنة واحدة، علماً بأن رئاسة القمة لا تتمتع بصلاحيات غير عادية أو مميزة، فقد استقر العرف أن يقوم هناك تفاهم ثلاثي بين كل من الرئاسة السابقة والحالية واللاحقة لكل دورة، على الأمور التنظيمية، والتي لا تشمل اتخاذ قرارات ذات أهمية خاصة وليست مٌقرَة مسبقاً، ومع ذلك فان واشنطن تسعى لمنع دولة عربية، من التمتع بهذا الموقع الرمزي المؤقت، ومن مدخل “الاعتراض” المعيب وغير المشروع على أي وجه من الوجوه، على مكان الانعقاد، وهو من نوع الاعتراضات المرفوضة شكلاً، لانتفاء علاقة المعترض بموضوع اعتراضه كما في لغة القانونيين.
وخلافاً لتصورات الذين خرجوا في واشنطن بهذه الفكرة السقيمة، فان ما بدر عنهم سوف يضفي على القمة الدورية المرتقبة، أجواء من عدم الرضى على السلوك الأمريكي الفج، بما قد ينعكس على أعمال المؤتمر وتوجهاته وقراراته، علاوة على التحفظات الأصلية على جوانب جوهرية في السياسة الخارجية المتبعة حيال منطقتنا، ولن تعدم الحيلة البعض في التذكير بأن واشنطن دأبت من قبل على التدخل في أعمال القمم من وراء ستار، والفرق هذه المرة أنها اختارت التدخل المسبق والمكشوف، بما يشحن الأجواء لدعوة القمة الى ابداء قدر أكبر من الممانعة، ازاء السياسات الامريكية على غير صعيد، وحتى لا تثور انطباعات قد لا تكون خاطئة، بأن التدخلات الأمريكية تفعل فعلها، وتتسلل الى ما يجري اتخاذه من قرارات.
الدار العراقية
تدخل فج لا سابق له ... محمود الريماوي
