أولا: سنن الله في الأنبياء والمرسلين
إن المتتبع لتاريخ الأنبياء والمرسلين يجد أن لله تعالى في أنبيائه ورسله سنة ماضية لا تتخلف، كما أن له سنة جارية في أعداء الرسل والمكذبين لهم والمستهزئين بهم،
ومن أهم سنن الله تعالى في أنبيائه ورسله ما يأتي:
1- سنة الابتـلاء:
شاء الله تبارك وتعالى أن يبتلي رسله وأنبياءه بصنوف الأذى والشدائد، ومع أن هذه سنة جارية في الخلق أجمعين، إلا أن للمؤمنين في ذلك أكثر من غيرهم، وللأنبياء أشد أنواع البلاء كما قال محمد صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل" (1)، وذلك البلاء لتمحيصهم، ورفعة درجاتهم، وإقامة للحجة على أعدائهم، وليكونوا قدوة للدعاة والعاملين من بعدهم، ولتتضاعف أجورهم وتتكامل فضائلهم، وقد يُبتلى الأنبياء وأقوامهم في وقت واحد، كما قال سبحانه وتعالى:"أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ" (2).
ولذا تجد أن أنبياء الله تعالى ورسله يتعرضون للسبِّ والشتم والاستهزاء من قبل أعدائهم، كما يتعرضون للضرب والسجن بل والقتل، كما فعل بنو إسرائيل مع أنبيائهم؛ فقد قتلوهم بغير حق، كما قال تعالى "وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ" (3).
تعليل ابتلاء الأنبياء:
وعلة ذلك هو ما يقوم به الرسل من الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإبطال
ألوهية ما سواه، فيكذبهم أهل الباطل ويؤذونهم بشتى أنواع الأذى كما قضت سنة الله في التدافع بين
الحق والباطل (4).
2- عداوة الرسل وخطورتها:
ومن صور سنة الله تعالى في ابتلاء الرسل أن جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين كما قال
تعالى "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا من المجرمين وكفى بربك هادياً ونصيراً" (5)، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "أي كما حصل لك يا محمد في قومك من الذين هجروا القرآن كذلك كان في الأمم الماضية لأن الله جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين" (6). وقال تعالى "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً" (7).
فائـدة ذلـك:
ومن فوائد عداوة الرسل وابتلائهم انتصارهم وانتشار دينهم وتصديق الناس لدعوتهم لما يرون من صبرهم وتضحيتهم، قال الإمام السعدي - رحمه الله تعالى – في تفسير قوله تعالى "وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين" (8): "من بعض فوائد ذلك أن يعلو الحق على الباطل، وأن يتبين الحق ويتضح اتضاحاً عظيماً؛ لأن معارضة الباطل للحق مما تزيده وضوحاً وبياناً وكمال استدلال، وأن يتبين ما يفعل الله بأهل الحق من الكرامة، وبأهل الباطل من العقوبة، فلا تحزن ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، (وكفى بربك هادياً) يهديك فيحصل لك المطلوب ومصالح دينك ودنياك، (ونصيراً) ينصرك على أعدائك، ويدفع عنك كل مكروه في أمر الدين والدنيا، فاكتفِ به وتوكَّل عليه" (9).
وقال سيد قطب -رحمه الله- في تفسير هذه الآية ما نصه: "ولله الحكمة البالغة فإن بروز المجرمين لحرب الأنبياء والدعوات يقوى عودها، ويطبعها بطابع الجد الذي يناسب طبيعتها، وكفاح أصحاب الدعوات للمجرمين الذين يتصدون لها مهما كلفهم من مشقة وكلف الدعوات من تعويق هو الذي يميز الدعوات الحق من الدعاوى الزائفة، وهو الذي يمحص القائمين عليها، ويطرد الزائفين منهم، فلا يبقى بجوارها إلا العناصر المؤمنة القوية المتجردة التي لا تبتغي مغانم قريبة، ولا تريد إلا الدعوة الخالصة تبتغي بها وجه الله" أ.هـ بنصه.
ثم قال رحمه الله: "ولو كانت الدعوات سهلة ميسورة ولا يبرز لها في الطريق خصوم ومعارضون لسهل على كل إنسان أن يكون صاحب دعوة ولاختلطت دعوات الحق ودعاوى الباطل، ووقعت البلبلة والفتن، ولكن بروز الخصوم والأعداء للدعوات هو الذي يجعل الكفاح لانتصارها حتماً مقضياً…". إلى أن قال: "والذي يقع غالباً أن كثرة الناس تقف متفرجة على الصراع بين المجرمين وأصحاب الدعوات حتى إذا تضخم رصيد التضحيات في صف أصحاب الدعوات وهم ثابتون على دعوتهم قالت الكثرة المتفرجة إنه لا يمسك أصحاب الدعوات على دعوتهم إلا أن هناك ما هو أغلى مما يضحون به، وعندئذ تتقدم لتنظر ما هو العنصر الغالي الذي يرجح كل أعراض الحياة، وعندئذ يدخل المتفرجون أفواجاً في هذه العقيدة بعد طول التفرج بالصراع".. إلى أن قال رحمه الله: "وبروز المجرمين في طريق الأنبياء أمر طبيعي فدعوة الحق إنما تجيء لعلاج فساد واقع في البشرية فساد في القلوب وفساد في النظم وفساد في الأوضاع، ووراء هذا الفساد يكمن المجرمون الذين ينشأون فيه من ناحية، ويستغلونه من ناحية، والذي تتفق مشاربهم مع هذا الفساد، وتتنفس شهواتهم في جوِّه، والذين يجدون سنداً للقيم الزائفة التي يستندون هم في وجودهم إليها، وطبيعي أن تنتصر دعوة الحق في النهاية؛ لأنها تسير مع خط الحياة، وتتجه إلى الأفق الكريم الوضاء الذي تتصل فيه بالله، والذي تبلغ عنده الكمال المقدر لها كما أراد الله، وكفى بربك هادياً ونصيرا" (10).
3- النصر والتمكين لأنبياء الله ورسله:
ومن سنن الله في أنبيائه ورسله نصرهم وتمكينهم على أعدائهم وسواءً كان ذلك في حياتهم أم بعد موتهم، والمتتبع لحياة الأنبياء والمرسلين يجد ذلك واضحاً جليًّا قال سبحانه وتعالى:"إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ" (11)، وقال جلَّ وعلا "وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ، وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ" (12).
وليس المقصود بالنصر هو النصر في المعركة فقط، بل ذلك أحد معاني النصر وإلا فقد يكون نصرهم بأمور أخرى ذكرها القرآن الكريم ومنها:
1- المنع، كما قال تعالى:"وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ" (13)، فيكون نصرهم هنا بمنعهم من أعدائهم والحيلولة بين أعدائهم وبين ما يريدون، كما حصل ذلك لنبي الله صالح عليه السلام حين تآمر عليه تسعة من المفسدين ليقتلوه فأهلكهم الله وقومهم أجمعين، كما قال سبحانه وتعالى: "وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ، قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ، وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ" (14).
وهكذا نجى الله عيسى عليه الصلاة والسلام من اليهود ومنعهم من قتله ورفعه سبحانه وتعالى إليه كما قال عز وجل :"وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً" (15).
وكذلك نجى الله محمداً محمد صلى الله عليه وسلم من كفار قريش وقد أحاطوا بداره يوم الهجرة ووصلوا إلى الغار الذي اختفى فيه هو وصاحبه أبو بكر كما قال سبحانه:"إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا"(16).
2- العون على الأعداء كما قال سبحانه وتعالى:"وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ" (17)، يعني نعينكم، والعون على الأعداء من النصر الذي أعطاه الله لرسله وأنبيائه على أعدائهم كما حصل لمحمد محمد صلى الله عليه وسلم من العون على أعدائه في غزوة بدر وحنين وفتح مكة وغيرها.
3- الظفر المادي والتمكين، كما قال سبحانه وتعالى:"وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ" (18)، ومثل قوله
سبحانه:"وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" (19)، وقد مكّن الله تعالى لكثير من الأنبياء والمرسلين فظفروا بأعدائهم كما حصل لسليمان وداود عليهما السلام.
4- الانتقام من الأعداء وإهلاكهم، كما قال سبحانه وتعالى:"وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ" (20)، وقوله:"وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ" (21). وهذا الانتقام قد يكون في حال وجود النبي بينهم، وذلك كما حصل من إهلاك الله لقوم نوح وعاد وثمود؛ فقد أهلكهم الله ونصر أنبياءه ونجى الله المؤمنين. أو يكون بعد وفاته، كما انتقم الله عز وجل ممن قتل يحيى وزكريا، حيث سلَّط عليهم أعداءهم فسفكوا دماءهم وأهانوهم، كما انتقم الله ممن أراد صلب المسيح عليه السلام من اليهود فسلط عليهم الروم فأهانوهم وقتلوهم وظهروا عليهم، وسوف ينزل عيسى ابن مريم في آخر الزمان إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً؛ فيقتل المسيح الدجال ويضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، ولا يقبل إلا الإسلام وهذا من أعظم النصر.
كما أن نصر الأنبياء قد يكون بالغلبة في المناظرة بالحجة والبرهان، كما حصل لإبراهيم -عليه السلام- أو بإنزال عقوبة الاستئصال لقومه فيهلكهم الله جميعاً كما حصل لقوم نوح، أو بانتشار دينه بعد موته، وإحباط خطط أعدائه ونصر أتباعه المؤمنين، أم غير ذلك من صور النصر ومعانيه (22).
ثانيا: سنن الله في أعداء الرسل.
سنة العقاب الإلهي للأمم المكذبة:
إن المتتبع لحياة الأمم المكذبة للرسل المعاندة التي رفضت منهج الله الذي أرسل به رسله، وحادت عن سلوكه، واستكبرت عن الأخذ به، وحاربت الأنبياء والمرسلين وآذتهم واستهزأت بهم؛ يجد أن نهايتهم كانت نهاية سيئة، وأن الله تعالى أهلكهم ودمّرهم وسلّط عليهم صنوف الأذى.
وعقاب الله للأمم المكذبة على نوعين:
الأول: عقوبة الاستئصال والهلاك والدمار الشامل إذا استوجبته الأمة وانتفت موانعه.
الثاني: عقوبتهم بأنواع الابتلاء والمحن والشدائد، قال تعالى:"وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً" (23).
قال الإمام الشوكاني – رحمه الله تعالى - : "أي ما منع الناس من الإيمان والاستغفار إلا طلب إتيان سنة الأولين، وسنة الأولين هي أنهم إذا لم يؤمنوا عُذبوا عذاب الاستئصال" (24).
أسباب العقاب الإلهـي:
من أهم الأسباب التي تؤذن بنزول عذاب الله تعالى على الأمم المكذبة واستئصالهم أو ابتلائهم بأنواع المحن والشدائد هو بلوغهم حداً عظيماً من الكفر بالله عز وجل، ومعاندة الأنبياء والمرسلين وتكذيبهم والاستهزاء بهم ومحاولة قتلهم وإيذاء أتباعهم من المؤمنين وقتلهم وتشريدهم.
واستعجال عذاب الله تعالى واستبعاد وقوعه وبلوغهم حداً من الاشتغال بالحياة الدنيا والإسراف والبطر والترف والكبر والمكر والصد عن سبيل الله، ومجادلتهم بالباطل واستمرارهم على الذنوب والمعاصي وغير ذلك، فإن ذلك كله أو بعضه يكون سبباً لهلاكهم ودمارهم ونزول العقاب الإلهي بهم. قال سبحانه وتعالى:"أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ" (25).
أمثلة من عقوبة أعداء الرسل:
1- عقوبة المكذبين لنبي الله نوح عليه السلام:
أرسل الله تعالى نوحاً عليه السلام إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة الأصنام والأوثان، فمكث يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، كما قال سبحانه وتعالى:"فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلاّ خَمْسِينَ عَاماً" (26)، ورغم صبره عليهم ونصحه لهم واستخدامه كافة الوسائل والأساليب في دعوتهم، حيث دعاهم سرًّا وعلانية وجماعات وفرادى ليلاً ونهاراً، إلا أن ذلك كله لم ينفع، كما قال تعالى عنه:"قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً" (27).
لقد أصر القوم على كفرهم وعنادهم، وجعلوا كلما رأوا نوحاً عليه السلام غطوا أعينهم لئلا يروه، وكلما تكلم وضعوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوه، وبالغوا في المعاندة والاستهزاء، وزعموا أن نوحاً عليه السلام ساحرٌ أو مجنون، ولم يؤمن به ويستجيب لدعوته إلا قليل منهم.. فلما طال الزمان بهم وطالت مجادلتهم ويئس نوح عليه السلام من صلاحهم لجأ نوح إلى الله تعالى يدعوه قائلاً :"رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً" (28)، فعند ذلك أهلكهم الله تعالى، وطهر الأرض من شركهم ودنسهم، فأرسل عليهم الطوفان وهو الغرق بالماء الذي نزل من السماء ونبع من الأرض فغرقوا جميعاً، ونجى الله نوحاً ومن معه من المؤمنين في السفينة، كما قال تعالى:"فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ" (29).
2- عقوبة قوم لوط عليه السلام:
بعث الله تبارك وتعالى لوطاً عليه السلام إلى قوم يرتكبون فاحشة لم يرتكبها أحد من الأمم
قبلهم، وهي إتيان الذكور شهوة من دون النساء، وهو خروج وشذوذ عما فطر الله عليه الإنسانية،
وشرع النكاح من أجله.
فدعاهم إلى ترك هذه الفاحشة ونهاهم عن ارتكابها كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله:"وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ" (30).
ولكنهم أصروا وتمادوا في فاحشتهم، وأبوا أن يستجيبوا لنبي الله لوط عليه السلام؛ فجاءتهم سنة الله في المجرمين كما جاءت من قبلهم، فلما كان الصباح الباكر وعند شروق الشمس جعل الله بلادهم عاليها سافلها، وخسف بهم الأرض، وأرسل عليهم حجارة من السماء، فأهلكوا جميعاً، ونجى الله لوطاً عليه السلام وأهله، إلا امرأته؛ لأنها لم تتابعه على دينه، قال تعالى:"فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ، مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ" (31).
3 - عقوبة بني إسرائيـل:
ومن الأمم الذين عاقبهم الله تعالى بما دون الاستئصال بنو إسرائيل، حين بعث الله تعالى إليهم موسى عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وطاعته، فآمنوا به وصدقوه لما شاهدوا المعجزات التي أيده الله تبارك وتعالى بها. ولكنهم وقعوا في كثير من المعاصي والمخالفات لعنادهم وكبرهم، فعبدوا العجل الذي صنعه له أحدهم يقال له السامري، ثم قالوا لموسى: "لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً" (32)، فأرسل الله عليهم الصاعقة فأهلكتهم، ثم أحياهم الله تعالى.
أربعون سنة في التيه:
طلب موسى عليه السلام من بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة، وهي أرض فلسطين، التي كان يسكنها قوم جبارون من العمالقة، ولكنهم لجبنهم وخوفهم أبوا أن يدخلوها، وقالوا لموسى:"إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ"، وقالوا له "إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ" (33)، فلما أبوا أن يدخلوا الأرض المقدسة عاقبهم الله تعالى بالتيه في صحراء سينا أربعين سنة. قال سبحانه وتعالى مخبراً عن مقولتهم وجبنهم:"قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ" (34).
4 - عقوبة المكذبين لمحمد محمد صلى الله عليه وسلم :
وهذا محمد محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، وكانت بعثته في بلاد العرب في مكة المكرمة، وكان أهلها يعبدون الأصنام والأوثان فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة الأصنام والأوثان فآمن له كثير من أهلها واستجابوا لدعوته، ولكن كبارهم ورؤساءهم أصروا على الكفر به واستمروا على شركهم وقاموا يؤذون محمداً محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويسخرون منه ويستهزئون به ويتهمونه بالجنون وتآمروا على قتله مراراً ولكن الله نجاه منهم.
ولما اشتد أذاهم وحربهم للإسلام وأهله سلط الله عليهم ملائكته والمؤمنين يوم بدر وهي بقعة قامت فيها معركة بين محمد محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، وبين المشركين عبّاد الأصنام، فقتل صناديدهم ورؤساؤهم وكبراؤهم، وكان عددهم سبعين رجلاً كما وقع في الأسر سبعون آخرون. كما سلط عليهم ريحاً شديدة يوم الخندق، فجعلت تقلع خيامهم وتكفئ قدورهم وتذر التراب في وجوههم، وأرسل عليهم ملائكته فهزموهم وولوا هاربين يجرون أذيال الخيبة والهزيمة.
وفي السنة الثامنة من الهجرة مكنه الله تعالى من ديارهم ورقابهم ففتح مكة ودخلها بجيش عظيم، فحطم الأصنام والأوثان وطهر الكعبة من الوثنية وأعلن التوحيد، لكن عفا عنهم ولم يعاقبهم. ويوم حنين تجمعت عليه هوازن وثقيف واستعدوا لقتاله وقد خرجوا بأنفسهم وأهليهم وأولادهم وأموالهم؛ فهزموا شر هزيمة وولوا هاربين تاركين خلفهم كل ما أخرجوه من الأهل والمال والولد غنيمة للمسلمين.
______________
(1) رواه ابن ماجه (4023)، وهو في صحيح الجامع (992).
(2) البقرة، آية (214).
(3) النساء، آية (155).
(4) السنن الإلهية لزيدان، ص90.
(5) الفرقان، آية (31).
(6) ابن كثير (10/303) مؤسسة قرطبة.
(7) الأنعام، آية (112).
(8) الفرقان، آية (31).
(9) تفسير سورة الفرقان، ص582.
(10) في ضلال القرآن (5/2561) بتصرف يسير.
(11) غافر، آية (51).
(12) الصفات، آية (171-173).
(13) البقرة، آية (48).
(14) النمل، آية (48-51).
(15) النساء، آية (175).
(16) التوبة، آية (40).
(17) الحشر، آية (11).
(18) آل عمران، آية (126).
(19) آل عمران، آية (147).
(20) محمد، آية (4).
(21) آل عمران، آية (123).
(22) السنن الإلهية، د/ شريف الخطيب (2/115).، والسنن الإلهية لزيدان، ص327.
(23) الكهف، آية (55).
(24) فتح القدير (3/367).
(25) الأنعام، آية (6).
(26) العنكبوت، آية (14).
(27) نوح، الآيات (5-9).
(28) نوح، الآيات (26-27).
(29) الأعراف، آية (64).
(30) الأعراف، الآيات (80-81).
(31) هـود، الآيات (82-83).
(32) البقرة، آية (55).
(33) المائدة، الآيات (23-24).
(34) المائدة، الآيات (24-25).
عبد الرحمن علي إسماعيل
سنن الله في الأنبياء والمرسلين وأعدائهم .... عبد الرحمن علي
