هيئة علماء المسلمين في العراق

شعبٌ في طريقه إلى التغيير..مشهد من العراق..د.مثنى حارث الضاري
شعبٌ في طريقه إلى التغيير..مشهد من العراق..د.مثنى حارث الضاري شعبٌ في طريقه إلى التغيير..مشهد من العراق..د.مثنى حارث الضاري

شعبٌ في طريقه إلى التغيير..مشهد من العراق..د.مثنى حارث الضاري

دخل العراق منذ (25/ شباط _ فبراير/ 2011) مرحلة جديدة حفلت ومازالت تحفل بمتغيرات كثيرة ذات قيم نوعية طالت مفاصل عديدة من البناء الثقافي والاجتماعي والسياسي للنسيج المجتمعي، وأسهمت بشكل كبير في بلورة وعي ذاتي تطور فيما بعد إلى رأي عام شعبي ضاغط ومزاج مجتمعي ناقم على الأوضاع العامة في العراق. وعلى الرغم من المدى الزمني القصير للتحرك الشعبي صاحب الفضل في إنتاج هذه المتغيرات؛ إلا أنه تم خلال الأشهر الثلاثة الماضية؛ إنجاز ما تحتاج السنن الطبيعية في عالمي الأفكار وأحوال المجتمعات إلى آماد زمنية طويلة لتفعله.
ولا غرابة في ذلك حيث أن تلك السنن تخضع لتراتبية علمية تقوم على تغير متدرج للنشاط الشعبي في طوره الفردي النخبوي وصولاً إلى الطور الجمعي العام في ظل ظروف مواتية، ولكن ما حدث في العراق - والعراق له سابقة في ذلك تمثلت في انطلاق المقاومة المسلحة فور وقوع الاحتلال بلا انتظار- أن الأمر جرى هذه المرة على وفق سنن الشعوب لا حسب سنن الأفراد والنخب، وأن كوامن النفوس ومراجل الغضب المتقدة في الأفئدة قد انداحت في الشوارع والساحات على موعد غير مرتب أو معدٍ له مع الحرية؛ ومن هنا جاءت المتغيرات التي أسهمت في تقويض مناهج الحراك الرتيبة ووسائلها القديمة؛ جوهرية في أهدافها وصميمية في سعيها لإحداث الفارق المحسوس لا الفارق الموهوم.
وعند التمعن في مجريات الفعل الجماهيري في الشارع العراقي طيلة الأسابيع الأربعة عشر الماضية نستطيع أن نلحظ بكل سهولة عدة ملامح لهذه المرحلة الجديدة.. تبدو فيما يأتي:
أولاً: توحد الخطاب الشعبي بقدر كبير حيث اقتربت الجماهير، بل وضعت يدها على حجر الزاوية للتغيير في العراق وصلاح الأمور فيه؛ وهو توحيد الموقف من الاحتلال من لدن جميع المكونات العراقية، وهذا ما نشهده يحصل الآن؛ إذ تسمع هذا الخطاب يتردد في سوح عراقية كثيرة في شمال الوطن وفي وسطه وفي جنوبه.. هذا أولاً.
ثانياً: بدأ الشعب يُشَخِّص بصراحة متناهية العلل الحقيقة للأدواء التي ألمت به على مدى السنوات الثمانية الماضية، ويضع يده على حقيقة أن العملية السياسية بأطوارها المتتابعة؛ لم توصله إلى أي نتيجة إيجابية، فاندفع _بعد ترقب وتردد_ بكل جرأة ليعلن ندمه على المشاركة في آخر فصولها العبثية.
ثالثاً: يبدو أن المكونات الشعبية على اختلافها وبلسان واحد؛ متفقة على أن الواقع الذي تعيشه اليوم _في ظل حكومة احتلال خامسة_ هو أسوأ من الواقع الذي عاشته سابقاً، وقد عبرَّ عن هذا الموقف عراقيون كثر وبطرق مختلفة كما شاهدنا جميعا عبر وسائل الإعلام.
رابعاً: بدأ العراقيون يُـعبِّرون بأنفسهم عن مطامحهم ويسعون للتغيير بأيديهم غير منتظرين لأحد، وهذه ظاهرة جديدة ومهمة حريةٌ بالاهتمام وجديرة بالدرس.
خامساً:عاد الهتاف الشعبي المطالب بالخلاص من الواقع المؤلم إلى استلهام خطاب القوى المناهضة للاحتلال ومشاريعها المعلنة للتغيير، وعلت نبرة الإنكار على الحكومة المنددة بلا مشروعيتها بشكل لم يسبق له نظير منذ وقوع واقعة الاحتلال.
سادساً: أدرك المشاركون في الحراك الجماهيري والمؤيدون له وفي مقدمتهم الشباب أن الالتفاف حول خيار المقاومة والممانعة هو الحل في العراق، بغض النظر عن أشكاله وآلياته.
سابعاً: رجعت القضايا الساخنة التي طالما حاولت الحكومات المتعاقبة في ظل الاحتلال في العراق حجبها عن الرأي العام إلى الواجهة، وفي مقدمتها: واقع حقوق الإنسان بملفاته الساخنة: السجون السرية، والتعذيب، والقتل خارج إطار القانون، وقمع الحريات، وقتل الصحافيين، والتهجير، وانتهاك حقوق المرأة والطفل، وغيرها كثير.
كل الملامح المتقدمة تُؤْذن بأن العراق في آتون مرحلة جديدة، وأن تطلعات شعبه الحي قد أرست أسس مفصل مهم من مفاصل تاريخ العراق المعاصر، وأن هذه المرحلة لا يمكن التكهن بتطوراتها؛ فمفاعيل القوة فيها غير منضبطة بمعايير معتادة يسهل فك ألغازها والحد من تداعياتها المتسارعة، كما أن تفاعل العراقيين الكبير معها وانخراطهم في فعالياتها ومناشطها، فضلاً عن قسوة الحكومة المفرطة في التعامل معها؛ مؤذنٌ بانفتاحها على متغيرات غير متوقعة، قد تبدي الأيام القادمة بعضا منهاً.
وبعد فهذه صورة مختصرة ومركزة للمشهد العراقي في ظل واقع مأزوم، وعلى خلفية ساحة عربية وإقليمية تحفل بالكثير من المتغيرات، أما التفاصيل فلا يسعها هذا المقام، ولعل لنا عودة قريبة - إن شاء الله - لمتابعة صور هذا المشهد صورةً صورة.

منقول عن موقع: الجزيرة توك
السبت 25/6/ 2011

أضف تعليق