في توصيفه للمستنقع الذي وقعت فيه أمريكا بالعراق، يروي الصحافي الأمريكي سيمور هيرش ما قاله له ضابط استخبارات أوروبي في صيف 2004. قال لي “إذا أردتم تغيير الوضع في العراق، فيجب أن تكون لديكم رؤية، وعليكم أن تكونوا موضع احترام، والمفارقة أنكم لستم موضع احترام”.
هناك شبه إجماع عند دارسي الاحتلال الأمريكي للعراق، على أن الإدارة الأمريكية التي تتحرك وفق أوامر إلهية كما يوحي لنا الرئيس بوش ومساعدوه في الكثير من المناسبات، تغيب عنها الرؤية الاستراتيجية لعراق ما بعد الاحتلال، لذلك ليس غريبا أن تفاجأ بالمقاومة العراقية التي هي على درجة عالية من التنظيم كما يرى أنتوني كوردسمان في شهادته أمام أعضاء الكونجرس، كذلك سيمور هيرش، وأن تتخبط كل هذا التخبط لتفوح منها كل هذه الفضائح التي تزكم الأنوف في سجن أبو غريب وخارجه، في قتل آلاف العراقيين لمجرد الاشتباه فيهم وفي حركتهم، والكل يذكر هنا كيف اندلعت أول شرارة مواجهة في الفلوجة، عندما قام جندي أمريكي أرعن بإطلاق النار عمداً على مديرة المدرسة التي كانت تقف بين طلابها والتي رفضت أن تتحول مدرستها الى ثكنة أمريكية، فقام الجندي ببطحها أرضا مطلقا النار عليها، فقتلها وقتل أربعة من طلابها ورجلين عراقيين آخرين، وما إن تظاهر أهل الفلوجة حتى بادر جندي أمريكي آخر إلى إطلاق النار، فقتل سبعة عشر عراقيا آخرين، رفض الأمريكيون في ذلك اليوم 28 نيسان /أبريل 2003 نقل جثثهم قبل حلول المساء لتكون درسا لأهل الفلوجة الذين لم يرهبهم كل هذا، ما أثار استغراب بعض القادة الأمريكيين.
من وجهة نظر فريد زكريا رئيس تحرير “نيوزويك” الأمريكية، أن غياب الرؤية هو نتاج النزعة الإمبراطورية الأمريكية التي ترهب الناس من بعيد وتحملهم على إطاعة الإدارة الأمريكية، ونتاج قلة الخبرة في العالم الذي تديره الولايات المتحدة، فالمسؤولون الأمريكيون يجهلون العالم والدليل على ذلك أن الرئيس الملهم بوش يتحرك في كل رحلاته مصحوبا ب 2000 شخص وبعدة طائرات ومروحيتين وجدول أعمال محدد بصرامة، كذلك فهو لا يلتقي إلا بعدد محدد من مسؤولي الدول التي يزورها والتي عادة ما يسكن قادتها الخوف من الإمبراطورية، ولا يرى سوى القصور وقاعات المؤتمرات المرتبة جيدا للقائه وإسماعه ما يريد، ولذلك فهو والمسؤولون التابعون له، لا يرون التغيرات الهائلة في المواقف ضد أمريكا، وليس لديهم أي فكرة عن العالم الذي يديرونه.
من وجهة نظر هيرش أن غياب الرؤية عند الإدارة الأمريكية قبل احتلال العراق وبعده، هو الذي قادها الى هذا الوضع الذي لا تحسد عليه، والذي يساهم في تشويه صورتها على صعيد عالمي، فالضباط الأمريكيون على مستوى القادة، بدءا من رامسفيلد ومساعديه، مسكونون ب “سياسة القنص البشري” التي تقوم على الخطف والاغتيال، اغتيال المسؤولين البعثيين السابقين وكل ما من شأنه أن يكون محسوبا على المقاومة، لذلك قد لا نستغرب في القريب أن تكون كتائب الموت العراقية التي تفوح رائحتها هذه الأيام، قد تم تدريبها على يد قوات دلتا الأمريكية في العراق التي أوكل إليها رامسفيلد مهمة القنص البشري ومن يعش ير كما يقول المثل.
إن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة كما يصفها هيرش، تستند في مواجهتها للمقاومة إلى فكرة “ ميليشيا ضد ميليشيا “ومع الميليشيا الأمريكية يغيب القانون وتسود شريعة حتى أبشع من شريعة الغاب، وعندها تغيب كل القواعد المتبعة في عملية استجواب المقاومين، فيتصدر الإذلال الجنسي واجهة التحقيق، كما تعبر عن ذلك آلاف الصور للمعتقلين في سجن أبو غريب التي نشرت مؤخرا، فالعرب لا ينفع معهم إلا الإذلال الجنسي، كما جاء في الكتاب المقدس لليهودي رافائيل باتاي عن “العقلية العربية “الذي اهتدى إليه المحافظون الجدد المسكونون بهاجس القنص البشري في ليلهم الطويل في العراق، ولا بأس من استخدام الكلاب ضدهم كما تشير الصور، فقد بات استخدام الكلاب ممارسة روتينية كما يقول هيرش. ويتساءل جندي من المارينز أصابه الملل من هذه الاساليب يقول: إذا كنت أستطيع أن أطلق النار عليه-أي على العراقي- في الشارع، فلماذا لا أفعل به ما أشاء وهو تحت سيطرتي في السجن؟
إن غياب الرؤية الاستراتيجية عند الأمريكيين، هو الذي دفعهم منذ الأشهر الأولى للاحتلال الى التعاون مع “إسرائيل” واستلهام تجربتها في ملاحقة المقاومين، والأهم في تدريب الميليشيا الأمريكية ضد المقاومين، مع إبقاء ذلك التعاون سرا. من هنا يمكن القول إن أفعال الإدانة للسلوك الأمريكي الهمجي، كذلك البريطاني في العراق، لن تجدي مع إدارة محكومة بهاجس القنص البشري الذي يمتد على تاريخ طويل من الهنود الحمر الى العراقيين هنود حمر هذا الزمان. ولن تجدي مع إدارة تجهل العالم وتدير ظهرها له. وحدها المقاومة على طول الأرض العربية من شأنها أن تضع حداً لهواة القنص البشري العاجزين عن فرض احترامهم على العالم، كما قال ذلك الخبير الأوروبي لسيمور هيرش.
الهيئة نت
الدار العراقية 20/2/2006
استراتيجية أمريكا الجديدة في العراق...تركي علي الربيعو
