حينما ينخر الخراب مؤسسات الدولة، يكون من الصعب التكهن بمستقبلها العام، ومستقبل الدول هذه الأيام لم يعد تتحكم فيه السياسة فقط،
بل صار للاقتصاد الدور الأبرز في تغير السياسات الداخلية والخارجية للدولة، وهكذا فقد رأينا (كم) من دولة انهارت وتراجعت مكانتها العالمية بسبب انهيار اقتصادها، وعليه فان الدولة هي الاقتصاد، والاقتصاد هو روح الدولة.
والاقتصاد هو فرع من فروع العلوم الاجتماعية، ويهتم بدراسة عملية إنتاج، وتوزيع، واستهلاك السلع والخدمات. ومصطلح (اقتصاد) لغوياً يعني التوسط بين الإسراف والتقتير.
بينما يعرّف آدم سميث في كتابه الشهير (ثروة الأمم) الاقتصاد السياسي بأنه أحد فروع علم السياسة والتشريع، ويهدف إلى تزويد الأفراد بكمية كافية ومستمرة من المنتجات، أو العمل على جعلهم قادرين على توفير هذه المنتجات بشكل متواصل.
والعراق الذي يعد من أغنى بلدان المنطقة؛ بفعل ما تضمه أرضه من معادن يأتي النفط في مقدمتها، بالإضافة إلى موارد زراعية، وإمكانات صناعية كانت هي الأفضل بين دول المنطقة إلى وقت قريب، يعاني اليوم من أزمات اقتصادية خانقة وقاتلة.
وبلاد الرافدين بعد عام 2003، انهارت أغلب أركان الدولة فيها، وفي هذا الملف الخطير رسم اقتصاديون عراقيون - يمثلون كبار أساتذة الاقتصاد في الجامعات العراقية، الذين التقوا بمؤتمر علمي بجامعة تكريت خلال الشهر الماضي، رسموا صورة قاتمة للاقتصاد بعد أربعة عقود من التخبط التخطيطي والحروب والأزمات الداخلية والعقوبات الاقتصادية، واجمعوا على أن الحكومات المتعاقبة على البلاد لم تفلح في التخلص من كون الاقتصاد العراقي الحالي، هو اقتصاد أحادي الجانب يعتمد بالدرجة الأساسية على تصدير النفط مما يبعده عن الاستقرار، وبالنتيجة ضياع فرص التقدم والازدهار على العراقيين الذين أصبحوا أفقر شعوب المنطقة.
المختصون أكدوا أن خيبة الأمل الكبرى تتمثل في أن (90) بالمائة من موازنات العراق منذ عام 2003 ولحد الآن تعتمد على النفط، وسجلت الميزانية عجزا مقداره (37) بالمائة من حجم الإيرادات المخططة ولجميع السنوات، الأمر الذي اجبر الدولة على الاقتراض، وهذا يدق ناقوس الخطر بتعرض الاقتصاد الوطني إلى هزات عنيفة في حال انخفضت أسعار النفط كما حصل مطلع العام 2009.
وسبق لوزير التخطيط في الحكومة الحالية في العراق (علي بابان) أن قال إن (70) % من موظفي الدولة بدون عمل حقيقي وبدون إنتاج حقيقي، وإن البيروقراطية والفساد يتحملان مسؤولية عرقلة المشاريع، وإن مشكلة الموازنة مزمنة منذ 2003؛ لأنها تركز على النفقات التشغيلية ولا يخصص للاستثمار إلا القليل.
وبشأن الخطة الخمسية، قال وزير التخطيط " لم ينصت احد إلى مقترحاتنا بشأن القضايا الخطيرة، والخبراء يواجهون صعوبة في إقناع مجلس الوزراء بجدوى دراساتهم".
أما الحل الأمثل للعراقيين للخروج من أزمتهم الاقتصادية فيكون بالسعي إلى تعظيم موارد الدولة من القطاعات غير النفطية، وهو ما سيعزز الاقتصاد الوطني، ويوفر موارد مضافة للموازنة فضلا عن تشغيل الأيدي العاملة، وإيجاد تشريعات اقتصادية تساعد على تنشيط قطاعات الاقتصاد، وتوفر الحماية لمجمل الفعاليات الاقتصادية وتقضي على التخبط الاقتصادي والفساد الإداري والمالي.
المسؤولية الكبرى في مرحلة بناء الاقتصادي تقع على كاهل الحكومة، وذلك عبر التأهيل البشري، حيث نلاحظ أن اليابان شرعت منذ عصر الميجي ( الحكومة المستنيرة) في سنة (1868) في تنمية مواردها البشرية من خلال الاهتمام بالجوانب العلمية والتقنية والفنية، وعمل الدولة على تشييد البنيات التحتية الأساسية.
واليابان عبارة عن جزر منعزلة تفتقر للمواد المعدنية والطاقية، تنتشر فيها السلاسل الجبلية، وتتعرض باستمرار لهزات زلزالية وبركانية، وتضربها الأعاصير، إلا أن ثقتها في مواردها البشرية، ودعمها، وتشجيعها على التجديد والإبداع والاختراع والابتكار والتطوير والتميز، أدى إلى ظهور القوة الاقتصادية اليابانية الصاعدة.
فمتى سيتحرر العراق من أغلاله الحالية ليعيد أبنائه بناء دولتهم المدمرة، أم أن حكاية الدمار في العراق ستستمر لعقود عديدة قادمة؟!!
الاقتصاد العراقي إلى أين؟...جاسم الشمري
