برزت هيئة علماء المسلمين في العراق بعد خمسة أيام فقط من سقوط بغداد على يد قوات الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م،
وتحديدًا في 14 أبريل 2003م على يد نخبة من علماء الدين السنة في العراق، حيث لعبت دورًا بارزًا وشاملًا مع المجتمع العراقي ومصابه، وساندت بشكل بارز ـ على المستويين الإعلامي والسياسي ـ في المقاومة العراقية، ودافعت عنها في كثير من بياناتها وإصداراتها والمحافل الدولية والعربية والإسلامية، وشكَّلت حائط صدٍّ عنها حتى الآن.
وبعد مرور أكثر من ثمان سنوات على ميلاد هذه الهيئة السُّنية، فإن هناك من يتحدث عن تراجع دور الهيئة وتأثيرها في المجتمع العراقي، خاصة في ظل ما تعرضت له الهيئة من تضييقات، تمثلت في اغتيالات واعتقالات ومطاردات لأعضاء الهيئة والمنتسبين لها، وإغلاق لمكاتبها في الداخل والخارج، وغيرها، في حين يرى الكثيرون أن الهيئة لا تزال صامدة في مواجهة هذه التحديات، وتعمل بكفاءة وفاعلية في خدمة المجتمع العراقي.
هدف واضح
ولقد كان الهدف من نشأة هيئة علماء المسلمين في العراق واضحًا منذ البداية، فقد جاءت لمعالجة ما حدث في العراق بعد الغزوة الأمريكية البريطانية على بلاد المسلمين، حيث ضمت في كيانها جمعًا من العلماء المتخصصين بالشريعة، يحملون مجموعة من المفاهيم والمقاييس والقناعات الإسلامية، يعاونهم في ذلك المسلمون من أهل الاختصاص في العلوم الأخرى، ويؤازرهم عامة المسلمين في النشاط العلمي.
فالهيئة إذن كيان علمي نشأ بنشوء فكرة جمع الكلمة ورص الصف بين المسلمين، استجابة لطلب الشارع بالعمل صفًا واحدًا، والتعاون على إنجاز الأعمال، واتخذ أعضاؤه طريقة التشاور لمعالجة النوازل وقضايا الأمة المصيرية معالجة علمية، تقود الأمة إلى الرشد.
مناهضة الاحتلال
ويؤكد المحللون أن هيئة علماء المسلمين بالعراق اتخذت منذ البداية مواقف مناهضة للاحتلال؛ حيث عملت منذ تأسيسها على إنهاء الاحتلال بكل الوسائل المشروعة، وتوعية الناس بعدم الاستسلام للواقع المرّ الذي تعيشه الأمة، والوقوف بحزم أمام أي قوة تريد سلخ العراق من هويته التاريخية وحضارته الإسلامية، حيث كانت ولا تزال حريصة على وحدة العراق، واستقلال أراضيه، لكونه جزءًا لا يتجزأ من بلاد المسلمين، كما دعت مرارًا وتكرارًا إلى ضرورة رحيل قوات الاحتلال عن بلاد الرافدين، حيث جدد الأمين العام لهيئة علماء المسلمين الشيخ حارث الضاري تأكيده على أهمية الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال الأمريكية من العراق نهاية العام الحالي، وعدم تمديد بقاء قواعده العسكرية في هذا البلد الجريح.
كما نادت الهيئة في كل المناسبات والمحافل الإسلامية والعربية والدولية بضرورة تحرير وخلاص العراق من الاحتلال، معبرة عن رفضها لاتفاقية الذل والهوان التي أبرمتها الحكومة العراقية مع قوات الاحتلال، مؤكدة على أنها مع وحدة العراق وضد الفيدرالية ومؤامرة التقسيم، وأن العراق لابد وأن يكون واحدًا لكل العراقيين، معربة عن رفضها الكامل لنهب وتدمير ثروات العراق وتراثه.
دعوة للرحيل
كما أدانت الهيئة الاقتحامات الحكومية، ومداهمات قوات الاحتلال الأمريكي للمساجد، ومحاولات اغتيال الأئمة والخطباء السنة، وسياسات حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، القائمة على الخديعة والتضليل، وارتكاب الجرائم الوحشية ضد الشعب العراقي، وانتهاكاته الصارخة لحقوق الإنسان، وفساده الإداري والمالي والأمني، وغير ذلك من وجوه الدمار التي يشهدها العراق، في ظل استبداده بالسلطة، مؤكدة أن المشاركين للمالكي في الحكم يعطونه الغطاء للاستمرار في السلطة، سواء رضُوا بسياسته أم لم يرضَوْا، عارضوه إعلاميًا أم لم يعارضوه.
كما دعت الهيئة إلى ضرورة فضح استمرار الاعتقالات الجائرة والاغتيالات بالمتفجرات والمفخخات والكواتم التي تحصد يوميًا العشرات من أرواح العراقيين الأبرياء، داعية إلى ضرورة رحيل المالكي وحكومته التي لا تحظى بأية شرعية، واصفة إياه بأنه من أكثر الذين حكموا العراق على مدى تاريخه، إجرامًا وفسادًا وسفكًا للدماء وتبعية لأعداء العراق وشعبه.
معوقات.. ولكن
ونتيجة لمواقفها المناهضة للاحتلال وأعوانه، تعرضت الهيئة للكثير من المعوقات التي طالت عمل الهيئة، سواء داخل العراق أو خارجه، ومنها الاغتيالات التي طالت العشرات من أعلام الهيئة وأعضائها على يد فرق الموت الحكومية، وعلى يد قوات الاحتلال الأمريكية وعملائها، وكذلك الاعتقالات الهمجية البربرية الظالمة، التي طالت أعضاءها والعاملين في أقسامها المختلفة؛ لمجرد تصريحهم بأطروحات وآراء لا تتفق مع سياسات المحتل والحكومات التي نصبها، في وقت يدّعون فيه أنهم جاؤوا من أجل نشر الديمقراطية وحرية الفرد! فضلًا عن ذلك فقد تم اغتصاب مقر الهيئة في بغداد، في جامع أم القرى، كما صدرت مذكرة توقيف بشأن الشيخ حارث الضاري، الأمين العام للهيئة.
وعلى الصعيد العربي، فإنه بالإضافة إلى التضييق على سفر بعض أعضاء الهيئة إلى الخارج، أو إدراجهم ضمن قوائم من يسمونهم "الإرهابيين"، فإن الحكومة القاطنة في المنطقة الخضراء، ساومت بقوة على إضعاف دور الهيئة في الخارج، وعلى تسليم أعضائها، إلا أن الموقف العربي كان رائعًا في هذا الجانب.
دور فعال
وعلى الرغم من كل هذه المعوقات، إلا أن المراقبين يؤكدون أن هيئة علماء المسلمين لها دور إيجابي وفعال في المجتمع العراقي، حيث لم تزل تحظى بشعبية كبيرة في الشارع العراقي، فالهيئة ـ كما يؤكد الكثيرون ـ يكفيها فخرًا وعزًا ثباتها على موقفها رغم الإغراءات والتهديدات، فهي مازالت - حتى الساعة - تدفع ضريبة موقفها المشرف، من دماء وحرية وتغريب رجالها، فالهيئة تعمل مع العراقيين بمختلف أطيافهم لإعادة بناء العراق، وذلك من خلال رسم السياسة الإسلامية الشرعية، وتوجيه الجهود إلى المسار الصحيح، حسب معطيات العلوم الشرعية وعقيدة الأمة الإسلامية.
وذلك بهدف مَلء الفراغ السياسي بإدارة مستقلة تمكّن مؤسسات الشعب العراقي من أخذ دورها الريادي في تقليل الأضرار الناجمة عن الاحتلال، ومنع استمرار تسلطه على المسلمين وصولًا إلى إنهائه تمامًا.
نشاط في الداخل
ويؤكد هؤلاء أن هيئة علماء المسلمين لم تخرج من العراق، كما يروج البعض؛ حيث لا يزال لديها حتى الآن خمسة عشر فرعًا عاملًا في العراق، وذلك من أصل ستة وعشرين فرعًا تم إغلاق بعضها لأسباب أمنية، كما أنه على الرغم من التضييق الأمني والضغوطات والاعتقالات والاغتيالات، إلا أنها مازالت تنشط في الداخل، كما تشرف الهيئة على أكثر من أربعين مدرسة دينية في العراق، إشرافًا كاملًا أو جزئيًّا، إضافة إلى ذلك فإن للهيئة مركزًا للدراسات القرآنيَّة، باسم مركز (أم القرى) للدراسات القرآنيَّة، إضافة إلى المركز الثقافي النسوي للتعليم والتوجيه، ومركز وجمعية (جنة المأوى) النسوية التابعة لفرع الهيئة في قضاء الفلوجة، كما تشرف الهيئة على عدد من الجمعيات الخيرية؛ حيث قامت بتسيير عدد كبير من الحملات الإغاثية، إلى المدن المنكوبة في العراق.
فضلًا عن ذلك فقد أنشأت الهيئة عددًا من المراكز الصحية والمستشفيات الصغيرة في بغداد، وعددًا من فروعها في المحافظات، كما تتبع الهيئة عدّة مؤسسات إعلامية وثقافية، وهي: جريدة البصائر، التي تطبع وتوزَّع في بغداد، وموقع الهيئة الرسمي ( الهيئة نت ) باللغات الثلاث: العربية، والإنجليزية، والتركية، ومركز الأمة للدراسات والتطوير التابع لقسم الإعلام، ومجلة حضارة الفصلية، ومؤسسة البصائر للطباعة والنشر والتوزيع، فضلًا عن الوحدات المتخصصة، وهي (وحدة الرصد، وحدة الأرشيف، وحدة الترجمة)، كما أصدرت الهيئة حتى منتصف عام 2009م أكثر من عشرين إصدارًا: سياسيًّا وثقافيًّا، وإعلاميًّا وعلميًّا، بهدف توعية الشعب العراقي بما يحيط به من أخطار، وما يحاك له من خطط وألاعيب، سواء من الاحتلال أو من المتعاونين معه.
دور خارجي.. وحديث مغرض
وعلى الصعيد الخارجي، فإنه يوجد للهيئة أربعة مكاتب خارج العراق، في دمشق، وعمان، والقاهرة، وصنعاء، فضلًا عن مكتب إعلامي في أنقرة، وأعضاء ارتباط ومراسلين في عدد من العواصم العربية والإسلامية والعالمية، كما أن الهيئة تمثل، أو تشارك في تمثيل العراق، في عدد من المؤسسات العربية والإسلامية والدولية، ومنها: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والحملة العالمية لمقاومة العدوان، ومؤسسة القدس، ولجنة المتابعة في المؤتمر القومي الإسلامي، ورابطة الصحافة الإسلامية، وغيرها، حيث لا تزال سباقة في نشاطاتها في الترويج لفكرة الممانعة في العراق والبقاء على ثوابت المشروع العراقي المناهض للاحتلال، وذلك على المستوى العربي والإقليمي والعالمي.
ولعل ما سبق يؤكد أن هيئة علماء المسلمين بالعراق تقوم بدور كبير، وبجهود فعالة وملموسة، من أجل نصرة العراق ورحيل الاحتلال الأمريكي، كما يؤكد أن الحديث عن تراجع وضعف دور الهيئة في الشارع العراقي، وأنها أصبحت خارج اللعبة السياسية العراقية، ما هو إلا حديث مغرض من قِبل جهات تهدف إلى التقليل من شأن الهيئة ومما قامت وتقوم به من أعمال جليلة في خدمة العراق والعراقيين منذ أكثر من ثمان سنوات.
الثلاثاء 12 رجب 1432 الموافق 14 يونيو 2011
بغداد/ الإسلام اليوم
علماء العراق.. الصمود في وجه العاصفة...مقال منشور على موقع الإسلام اليوم
