هيئة علماء المسلمين في العراق

على رأسه ريشة!.. محمد صادق دياب
على رأسه ريشة!.. محمد صادق دياب على رأسه ريشة!.. محمد صادق دياب

على رأسه ريشة!.. محمد صادق دياب

من أبشع السقطات أن يصبح الفرد فئويا عنصريا طائفيا منغلقا يمارس الكراهية والرفض المجاني للآخر رغم ادعاء الثقافة أو الانتماء إلى فصيلة الإنسان، فتلك المثالب في تقديري من الخطايا التي لا تغتفر، وسقوط الإنسان في أتونها يعني الدمار السرطاني لكل خلايا الفضائل الأخرى، فتقدم الفرد في السلم الإنساني مرهون باتساع دائرة انتمائه. وقد كان لي صاحب بهرني ذات زمن بسعة معارفه وتنوع اطلاعاته وتعدد خبراته، لذا كان وأده في داخلي أليما حينما اكتشفت أن حال صاحبي مع كل قراءاته تلك كحال حمار تثقل ظهره حمولة أطايب الأطعمة بدون أن ينال منها، فصاحبي الذي قرأ شعر إقبال وروايات تولستوي وكتابات روسو لم يزل يتعثر في الاعتراف بوجود الآخر خلف تلة القرية أو وراء سور المدينة!.

قلت له يوما ذات حوار: لو كنت امتلك من الأمر شيئا لمنعتك حق تربية ابنك الوحيد كي لا تلوث بياض دواخله بعتمة أفكارك!!.. ظن كلامي مزحة، فهز كتفه وهو يقبض بكف ابنه الصغير في زحمة السوق ليطلعه على (فاترينات) أجناس البشر وفق هرمية حمقاء، وحينما عبرا السوق إلى نهايتها الباهتة صار الطفل غداً، وكما تشابهت (دوللي) مع الخلية التي استنسخت منها لم تستطع براءة الابن أن تقاوم تلوث الخلية في فكر والده، فأصبح الولد صنو أبيه وتناسلت البغضاء!

على الضفة الأخرى من صاحبي هذا كنت أرافق صديقا آخر لشراء هدية لطفلته الصغيرة سارة في إحدى المناسبات فحرص على أن يشتري لابنته دمية ذات لون مغاير للون ابنته، وهو يقول: «من متطلبات النمو النفسي السليم أن تدرك صغيرتي حقيقة جوهر الإنسان».

وفي غرفتها الصغيرة التي زرتها لاحقا وجدت تشكيلة كبيرة من الدمى تمثل الإنسان في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأستراليا وأميركا بمختلف ألوانهم وأزيائهم يعيشون بسلام في غرفتها، تقبلهم وتحتضنهم وتلعب معهم وتشعر بوحدة انتمائها الإنساني معهم.

وقد دار الزمن دورته وكبر الصغار، وأنا اليوم على قدر من الثقة بتباين حظوظ ابن صديقي الأول وسارة ابنة صديقي الآخر، فبقدر ما سيشقى الابن بجحيم أفكار الكراهية والبغضاء وسجن الدوائر الصغيرة بقدر ما ستنعم سارة بالسلام والمحبة والتعايش الإنساني، وستظل تلك الصبية تتلفح بوشاحها الإنساني غير عابئة ببعض ثقوبه الصغيرة.

ولكيلا نترك مصائر الطفولة نهباً لبعض الرؤى الوالدية الضيقة فإن المؤسسات التعليمية في العالم العربي لا بد أن تفرد في مناهجها مساحة كبيرة وواضحة وملحوظة وجلية لتعميق الشعور الإنساني، وترسيخ قواعد العدالة والمساواة واحترام الآخر، فمن الغباء أن يشعر شخص ما أنه الوحيد الذي على رأسه ريشة من دون الخلائق.

وكالات
18/2/2006

أضف تعليق