أكد الشيخ ( هشام البدراني ) عضو مجلس شورى هيئة علماء المسلمين، أن الشخصية إلاسلامية التي كونها الجهد الإسلامي كان لها دوراً فاعلاً في العصر الحديث، كما تميزت بفروقها الفردية وأطرها الجماعية، الا ان ذلك
ما زال يتطلب المزيد من الجهد والعمل لسقي الأمة أفراداً وجماعات بأفكار الإسلام ومفاهيمه عن الحياة وحث أبناء الأمة للارتواء من هذا السقي والتشبع من هذا العطاء والتطلع إلى الريادة وقيادة العالم من موقعها في المجتمع المسلم والجماعة المسلمة.
وأوضح الشيخ البدراني في لقاء اجراه معه مراسل الهيئة نت في العاصمة الاردنية عمان ( جاسم الشمري ) أن الشخصية الاسلامية تتكون من خمسة انواع هي: " الشخصية الربانية، والشخصية الحوارية، والشخصية الحبر، وشخصية المستنبط، وشخصية المريد "، اضافة الى الشخصية المنفعلة، التي تُعد شخصية السواد الأعظم من المسلمين الذين يدركون ويعون وجود الاسلام في نظام العالم دون تحصيل علمي وثقافي، ولكنهم يعملون بجدية في حماية كيانهم الاجتماعي بالإسلام عن طريق الرجوع إلى الشخصية الفاعلة كمرجعية سياسية تحمي المجتمع والمبدأ في العالم.
وفي ما يأتي نص اللقاء :-
// الهيئة نت : ما المقصود بالشخصية الإسلامية؟
* الشيخ البدراني: من الضروري الإشارة إلى أن أصل الكلام، الوضع اللغوي، فاللغة وعاء الخطاب والتفاهم، والشخصية الإسلامية مصطلح مركب من مفردتين، الشخصية والإسلامية، فمفردة ( الشخصية ) يراد بها ما يَبرُزُ به المرء ويتميز في وجوده الإنساني أو بين أقرانه في النوع والنمط، ومستندُ ذلك من اللغة أن الشخص هو ما كان له ظلٌّ، وإذا نظرتَ إليه من بُعدٍ تميَّز لك بشخوصه أو شخصيته وظهر للعيان، فالشخصية تجسُّد المرء في الرؤية بجسم ثقيل أو كثيف متميز، وامرأة شخيصة أي بدينة وسمينة، فالشخصية هي النمط الذي يتميز به المرء من حيث البناء الثقافي والمنطق الفكري والعمل الأخلاقي بحسب ما يعتقده ويؤمن به.
وأما مفردة (الإسلامية) فهي ما يتميز به المرء في شخوصه وظهوره من حيث البعد العقيدي والنمط الفكري والسلوك الأخلاقي ليس بإطلاق، ولكن بنمط معين من الثقافة والمعتقد والدين، وكذلك من حيث الفاعلية في العمل وفق ذلك والنشاط به في مجالات الحياة، فيكون فاعلاً مؤثراً في المحيط الذي يعيش فيه غير متأثر بالآخر المختلف، ويظهر عليه أمر المعتقد الإيماني والسلوك المنظَّم بالفقه من ذلك فهماً بإتقان وإيقان لا محالة، فهذا الشخص تميز في شخصيته بما آمن به فيطلقُ عليه شخصيةً إسلامية حتماً، وعلى هذا فالمقصود بالشخصية الإسلامية التميُّز في النمط السلوكي في الفكر والثقافة والإحساس والشعور، ثم ظهور هذا التميز في القول والعمل في دائرة التأثير المركز في نظام المجتمع على أساس العقيدة الإسلامية والأفكار المتفرعة عنها والأحكام المنبثقة منها.
// الهيئة نت : كيف تترتب الشخصية عموماً في كل إنسان؟
* الشيخ البدراني: تتألف الشخصية في كل إنسان من العقلية والنفسية، فالعقلية: هي أنماط ثقافته المركَّزَة على أصول ما آمن به من معتقد ودين، وهي مجموع المقاييس والمفاهيم والقناعات في مجال الشعور والعمل ومدار السلوك في القول والفعل، بقوة أو ضعف، فالقوي الشخصية هو الحاضر الذهن لما آمن به في منطقه الذي يجري به لسانه، وفي عمله الذي يجري به فعله، وهو ممتلئ بالثقافة أو محيط بما يلزمه وإن قلَّت ثقافته، والضعيف من فقد مقومات الحرص على الاستحضار وغفِلَ عن الاستعانة بما آمن به في مجالات القول والعمل، وهناك إنسان بلا لون ولا هوية، فاقد لمقومات الشخصية، أو أنه شخصية رتيبة عادية غير متميزة.
ولكي يكوِّن كل إنسان لنفسه شخصية، لا بد من اهتمامه بأنماط المعرفة والتثقف بها على أساس من رؤية مبدئية تنير له صناعة المستقبل ومعالجة الحاضر، أي رؤية فكريةٍ لعقيدة صحيحة ينبثق عنها نظام للحياة، وتحيط له بأسباب الآداب المعتبرة في القول والعمل، وتنظِّم له تدبيراً لشؤونه ومصالحه وفق قيمها الأخلاقية والإنسانية ومعالجاتها الشمولية والواقعية. وذلك أن الإنسان فيه طاقات حيوية كما فيه طاقات ذهنية، ومنهما تتشكل حقيقته الفطرية، وبلازمهما تتكون ماهيته الإنسانية.
وأما الطاقة الذهنية، فهي الإحساس والشعور والفكر، الإحساس بالحواس الخمس أو الإحساس المغروز فيه، وكلاهما يلصقان الإنسان بالحياة واقعياً، ويحكمانه بالاتصال بعالمهما، ويتولد من الإحساس بواسطة الحواس الخمس الصورةَ الذهنية عن الواقع، ويتولد منها حركةُ الإحساس الداخلي الشعورُ، ويجري الفكر لتفسيرهما بما عنده من معرفة أو معلومات سابقة.
وأما الطاقة الحيوية، فهي الحاجات العضوية والغرائز، والحاجات العضوية هي حاجة الأعضاء من الغذاء والدواء في وجودها الحي وبقائها الحيواني، كالحاجة إلى الطعام والشراب من الغذاء، وكالحاجة إلى الدواء لمعالجة الأمراض والأسقام، وكالحاجة إلى إفراز الخبث وإخراجه من الجسم بقضاء الحاجة كالغائط والتبول والعرق وغيرها.
ومن بناء الطاقة الذهنية بالأفكار والمعارف والتثقف بهما على أصول المعتقد الإيماني توجَدُ العقليةُ، ومن معالجة الطاقة الحيوية بإشباع الجوعات بنظام يتفق وفطرة الإنسان وواقعيته توجَدُ النفسيةُ، فإذا أسس المرء النظامَ في الإشباع على أصوله المعرفية التي بَنَتِ العقلية وكوَّنتها وُجد التوازن في بناء الشخصية وتكوينها لا محالة، وإلا فإنه دون ذلك يوجَدُ الاضطرابُ قطعاً.
وتتميزُ الشخصية بكونها إسلامية عندما يتقصد المرء بناء عقليته ونفسيته وتكوينهما على أصول العقيدة الإسلامية وأن ينضبطَ في هذا البناء والتكوين بمفاهيمها عن الحياة وشريعتها بنظام العالم والمجتمع.
// الهيئة نت : هل يُعد الهندام جزءاً من الشخصية الإسلامية ؟
* الشيخ البدراني: لا شك أن الهندام مظهر للشخصية عموماً، وهو أثرٌ أيضاً للشخصية الإسلامية، وليس هو ما تتألف منه الشخصية، فاللباس بنمط معين يعبِّر عن مفاهيم الإنسان في الحياة، فتجد المسلمَ يحتشم في لباسه، رجلاً كان أم امرأة، ويتقيد بأحكام الشريعة في نمط اللباس سواء في الحياة الخاصة داخل بيته أو في الحياة العامة بين الناس في المجتمع، فكان للهندام واللباس أثراً لمعاني مفاهيم الإنسان عن الحياة ومقاييسه في تكييف سلوكه فيها، وليس تعبيراً عن قوة الشخصية أو ضعفها، ولا بهما تتألف الشخصية أو منهما تتكون، وإنما الهندام واللباس جزء من سلوك المسلم أو غير المسلم، والسلوك أثر للشخصية ومظهر من مظاهرها وليس جزءاً منها باعتبار البناء العقلي والنفسي وتكوينهما في الإنسان.
وعلى هذا لا يصح أن نطلق على الإنسان جميل المنظر جيد اللباس أنه شخصية، فقد يكون وقد لا يكون !! وكثيراً ما يدخل الناس المجتمع بلباسهم، ولكنهم يخرجون منه بما عندهم من علم وأنماط ثقافة وحُسن أخلاق، والنظرة المستنيرة تقتضي منا النظر إلى ما عند الإنسان من قيم ذاتية يؤمن بها لا مظاهر وقشور سطحية.
// الهيئة نت : كيف تبني الشخصية الإسلامية؟
* الشيخ البدراني: تُبنى الشخصية الإسلامية في كل إنسان إذا عزم على ثلاثة أمور في نفسه، وإذا تقصَّدها المعلمون المربون حمَلة الدعوة في الآخرين، وهي:
1 / تأسيس المعتقد الإيماني الصحيح (إيجاد العقيدة الإسلامية) في الفكر الذي يجول في ذهن المرء اتجاه قضاياه والعالَم بطريقة صحيحة.
2 / تأسيس التفكير والميول على أساس العقيدة، بانتظامهما بنظام الإسلام المنبثق عن العقيدة بإدراك سليم ووعي تام لأجل إيجاد الإرادة الصحيحة بهما.
3 / حثُّ المرء نفسه والآخرين على الزيادة في الطاعات والزيادة في التثقف بالثقافة الإسلامية عن الحياة على حسب ما يلزم ويحتاط له.
ويتميز المرء بهذا البناء، كلما حرص على ما ينفعه بالإسلام، وأن يستعين بالله تعالى في أمره كله ولا يعجز لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ].
// الهيئة نت : ما هو الفرق بين هذه الأسس الثلاثة لبناء الشخصية وصفات الشخصية الإسلامية؟
* الشيخ البدراني: ماهية كل شيء هي حقيقته الموضوعية ولازمه في الوجود في نسق مخصوص من العالم بحسب الوضع المعين له فيه، وحقيقة الشخصية هي العقلية والنفسية، وموضوعها هو بناء العقل والإحساس والشعورُ بالمعرفة وأنماط الثقافة بضرورات استحضار الأسس الثلاثة والعناية بلوازمها، وكذلك بناء النفسية بمعالجة الدواء والغذاء للحاجات العضوية والغرائز وميولهما بنمط العقلية وتكوينهما وفق ذلك على أساس المعتقد الإيماني وأصوله في نظام العالم.
والصفات هي لازم هذه الحقيقة الموضوعية، فهي أثر للذات ومظهر لحقيقتها في الوجود الإنساني للمرء في المجتمع والعالم. فتظهر الشخصية الإسلامية في المجتمع والعالم بصفة الشخصية الإيجابية الفاعلة أو المنفعلة، وكلاهما إيجابي لا محالة، وتتميز الشخصية الإسلامية الإيجابية الفاعلة بأنها صاحبة العناية بقضايا العالم بنظام الإسلام، وهي خمسة أنواع: الشخصية الربانية، والشخصية الحوارية، والشخصية الحبر، وشخصية المستنبط، وشخصية المريد. وأما الشخصية المنفعلة، فهي شخصية السواد الأعظم من المسلمين الذين يدركون الإسلام وهم يعون على وجوده في نظام العالم من غير تحصيل علمي وثقافي ولكنهم يعملون بجدية في حماية كيانهم الاجتماعي بالإسلام عن طريق الرجوع إلى الشخصية الفاعلة كمرجعية سياسية تحمي المجتمع والمبدأ في العالم.
// الهيئة نت : كيف عالج الإسلام قضية إيجاد الشخصية الإسلامية في الفرد والجماعة؟
* الشيخ البدراني: عالج الإسلام بناء شخصية المرء وتكوينها بطريقة إيجاد العقيدة الإسلامية أولاً، ثم أمره بالعمل وفق مقتضاها، قال الله تعالى: (( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك ...)) بدأ بالعلم أولاً ثم أتبعه العمل به حتماً، ولذلك قال أهل العلم: (العلم أولاً والفهم فيه قبل القول والعمل) فأكد فيه إيجاد العقيدة الإسلامية أولاً ثم بناء الميول والتفكير على أساسها ثانياً، ثم حثه على الزيادة في الطاعات والتثقف بالثقافة الإسلامية ثالثاً، وتمر عملية بناء الشخصية الإسلامية بهذه المراحل الثلاث لا محالة، وتجري بطريقة التعلم والدرس، قال الله تعالى: (( كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ )).
وأما شخصية الجماعة، فلقد عين الإسلام مراحل بنائها وتكوينها بثلاث حلقات متواصلة مترابطة متداخلة، هي مرحلة بناء الفرد المسلم بما يُصلحه لجزئية الجماعة، وتحويله من منطقة فرديته إلى منطقة عضويته الصالحة في الجماعة المؤمنة والأمة المسلمة والعالم، وهي مرحلة ( إقرا)، ثم مرحلة بناء شخصية الجماعة المؤمنة وتكوينها بما يصلحها لريادة الأمة وقيادتها على ما يُصلحها لريادة العالم وقيادة الإنسانية لخيرها بالإسلام، وهي مرحلة ( اصدع )، ثم مرحلة إقامة التشريع الإسلامي في المجتمع بما يجعل العالم ينظر إلى المثال العدل والحق في هذه الأمة عن طريق أخذ الأمة لسلطانها واختيار حاكمها في تنفيذ شريعتها وما اعتقدته من دين وقيم الإسلام وهي مرحلة ( أقم ).
// الهيئة نت : متى يقال: هذه شخصية إسلامية أو علمانية أو غير ذلك؟
الجواب: تأخذ الشخصية نوعها الذي يتسمى به، كونها إسلامية أو شيوعية أو علمانية أو غير ذلك من أمرين؛ الأول: إعلان المواقف بقولها ونمط خطابها للعالم، والثاني : العمل بما آمنت به من قيم وشرائع ومنهاج في الحياة، فمثلاً: تقوم الشخصية الإسلامية على أساس الإيمان بالله واليوم الآخر، وتُنظم سلوكها في العالم بشرائع الإسلام، بأفكاره وأحكامه، وفق مقتضيات الوحي من الكتاب والسنة، فيصدر القول ويجري العمل منها بالمنطق الإيماني بالله تعالى واليوم الآخر، وبفعل الاستقامة على الطريقة التي جاء بها نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما الشخصية العلمانية، فإنها لا تؤمن بالله أنه حقيقة ملموس وجودها، وتؤمن أنه فكرة متخيلة في الأذهان، من شاء آمن به ومن شاء لا يؤمن، وكذلك سائر أفكار العقيدة وأصول الدين، وأنها تفصل شرائع أنبياء الله ورسله عن نظام العالم وطريقة الحياة، وقطعاً الشخصية من هذا الطراز ليست شخصية إسلامية وإن كانت مسلمة من الناحية الدينية، ولكنها حقيقة لا تمارس الإسلام شريعة ومنهاج حياة ولا عقيدة آمنت بها واحتكمت إليها.
// الهيئة نت : هل نجحت الجماعات الإسلامية، والحركات الإسلامية في بناء الشخصية الإسلامية في أفرادها بصورة عامة؟
الشيخ البدراني: الملاحظ من المتابعة والاستقراء، أن الجهد الإسلامي كوَّن شخصية إسلامية وكان لها دوراً فاعلاً في العصر الحديث، وتميزت بفروقها الفردية وأطرها الجماعية، وان المطلوب يستحق أكثر من ذلك وما زال يتطلب المزيد من الجهد والعمل في سقي الأمة أفراداً وجماعات بأفكار الإسلام ومفاهيمه عن الحياة وحث أبناء الأمة للارتواء من هذا السقي والتشبع من هذا العطاء والتطلع إلى الريادة وقيادة العالم من موقعها في المجتمع المسلم والجماعة المسلمة.
// الهيئة نت : ما هو دور الشخصية الإسلامية في المرحلة الحرجة التي نمر بها اليوم؟
* الشيخ البدراني: ما دام المرء يؤسس فكره وأنماط ثقافته، ويكيِّف سلوكه ومشاعر نفسيته على أساس العقيدة الإسلامية وينتظم بنظامها، فهو شخصية إسلامية قطعاً، والمطلوب من الجميع في زمن الإقصائَين: إقصاء التشريع الإسلامي عن التطبيق والتنفيذ، وإقصاء النظام السياسي عن الدولة والحكم، فإن المطلوب والغاية أن يقوم أفراد الأمة وجماعاتها مثنى وفرادى بعملية القومة بالفكرة لسقي الأمة بأفكار الإسلام ومفاهيمه عن الحياة، ومحاولة معاودة ما أُقصي باستقامة وسلامة وجُهد مستنير إلى حياة الأمة وريادة العالم به.
// الهيئة نت : ما هي نصيحتكم للشباب المسلم؟
* الشيخ البدراني: النصيحة لنفسي أولاً ولإخواني هي الحوار المستمر والتثقف بثقافة التلاقي مع الآخر على أساس العقيدة الإسلامية، والتفاهم على المطلوب في مجالات العمل وأن نفرق بين ما هو محكم وما هو متشابه، وأن نرسم خطة عمل للنهضة على أساس رؤية واضحة مبصرة لطريق القومة لله تعالى مثنى وفرادى بالتفكر في المطلوب والعمل به ما احترام الفروق الفردية، كل ذلك باستنارة واضحة لا غبش فيها من أجل تحقيق وحدة الأمة ونُصح العالم بالحق.
الهيئة نت
ح
في لقاء مع الهيئة نت..الشيخ هشام البدراني يؤكد ان الشخصية الإسلامية تتألف من العقلية والنفسية
