سوء الفهم على مستوى الفرد يُشكّل أزمة له و لمن يتعامل معه، و يزداد تفاقم هذه الأزمة كلما اتسعت الدائرة، و أسوأ ما تكون عندما تتسع لتشمل المجتمع ككل في رؤيته لقضايا عدة، فينعكس ذلك على محاولات التقييم و الطرح و العلاج و الذي أحوج ما يكون للإنصاف و الموضوعية و الشمولية.
سوء الفهم للواقع الذي نحياه و عدم بذل الجهد لسبر أغواره و المتغيرات التي تحف به، و مع العجز عن المواجهة، يؤدي بنا في كثير من الأحيان لممارسة لون من ألوان الهروب الخفي فنتلفع بعباءة التاريخ – و الذي نتوهم أنه يستر الكثير من السوءات، و التي بات سترها أكبر همنا! - في محاولة للتنصل من أعباء المواجهة، و هذا بدوره يوفر لنا فرصاً كثيرة لتسويغ ما نحن عليه من سوء الحال و المآل، فلو كان عندنا صلاح الدين أو قطز أو ابن تيمية ... الخ، لكانت مشاكل البشر جميعاً فضلاً عن أزماتنا كالصدقة في زمن الغنى و فيض الأموال.
و ليتسع الرتق في سوء الفهم، فهو ليس لهذا الواقع فحسب، بل و لكثير من آيات الله تعالى، و إلا فأين نحن من قوله تعالى: (...اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ...) [الأنعام: من الآية124]، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ...)[البقرة: من الآية134].
هؤلاء الذين صنعوا الحياة في زمانهم، أتراهم لو عادوا لزماننا هذا أكانوا يملكون من الأمر شيئاً، و هذا الهروب الساذج الذي نمارسه يعطل العقل عن التوقف و التدبر، فتنقلب المعايير لعدم وضوح الرؤية، ولا يقتصر الإعذار على افتقاد مثل هذه النماذج، بل لعلنا نضيف أنه لولا تقصير الأولين و سوء فعلهم ما كان إرثنا لهذه التركة من التخلف، و نقعد نندب سوء حظنا وننوح على أحوالنا، و المولى سبحانه و تعالى يخاطبنا بقوله: (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ...)[لأعراف: من الآية173].
فنحن في الحالين بُرَآء من الذنب براءة الذئب.
و يمتد بنا سوء الفهم، و يسافر معنا عبر مراحل الزمان، فنبحث عن أمة، بل أمم في زماننا هذا تحمل عنا عبء البطالة و العنوسة و الفقر و تشويه اللغة ...الخ، فلولا العمالة الوافدة من شتى بقاع الأرض، و لولا الزواج من المسلمات الأجنبيات! و ننسى أنها أزمات تعاني منها منطقتنا العربية كلها، بل العالم بأسره، و ننسى (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) [المؤمنون:52]. إن أنّ مشرقها بآهٍ، ردد مغربها صداه.
و هذا بدوره يقودنا لتلمس أزمة الفهم التي نعاني منها في تعاملنا مع القرآن، ففي الأمة نهضة لحفظ كتاب الله و لا شك أن ذلك خيرٌ كبير، فهناك من يمتلكون موهبة الحفظ المتقن، و لكن هذا لا يسوّغ أن يصل بنا الأمر لممارسة عقوبة الضرب مثلاً و الحرمان مما يحبه الأطفال ليستظهروا الآيات، و لكم ننتقد سياسة الحفظ كآلية معتمدة في مسيرة التعليم، و لكن لا بأس من اعتمادها عند التعامل مع القرآن! و لننظر إلى ما يؤول إليه الحال، و لنتدبر! انعكاس مهارات الحفظ على أخلاقنا و تعاملاتنا و اقتصادنا و سياستنا ....و عالميتنا! في زمان العولمة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107].
نعيش أزمة فهم لماهية التربية من حيث أنها ثقافة تؤثر في السلوك، و تقويم في الاتجاه الذي يحبه الله و يرضاه، مما يستلزم منا استمرارية ضخ الكثير من القيم و المعاني في عقول الناشئة و وجدانهم فتتراكم و تترسخ، و لا تكون يوماً عرضة للمساومة .
فليس من المفترض أن ننتظر حتى يكذب أولادنا لنبدأ في تعليمهم قيمة الصدق، أو أخذهم ما لا يحل لهم لنشرع في تبيان الحلال و الحرام، وقد نفعل ذلك من دون استصحاب أنهم مخلوقون لزمان غير زماننا، فلا نعتمد التجديد و الإضافة لقيم و مفاهيم لنتناسق و نتناغم مع سنن التغيير و التطوير في هذا الكون، فالشرع حاكم على العرف و المسلم منتج قبل أن يكون مستهلكاً، و ما هو الإنتاج؟ و ما معنى التنمية؟ و كيف يكون التدريب و الذي وصل نصيب الفرد الياباني منه في السنة ما يوازي (320) دولاراً و الأمريكي (200) دولار و العربي 1.5 دولار؟* ، و عندها فلن نعثر على طفل في العاشرة يرى أن امتلاك هاتف نقال حق أصيل له، لماذا؟ ما الهدف؟ سوى أن زملاءه على هذا الحال، فيحكمه العرف دون الشرع الذي يربيه كي يساهم في تحويل أمته من أمة مستهلكة إلى أمة منتجة، و أننا نتميز لا بما نملكه و إنما بما نكونه.
و الرجولة وفق التحديث اللازم و لكي تستعصي على المساومة، هي الاستعفاف و التزام وسطية الشرع عند استشراف الجمال فلا تخضع لعرف الفضائيات، و من ثم فلن نعثر على شاب يساهم في رفع أسهم أمته في بورصة الاستهلاك عندما تنفق المرأة في منطقة الخليج و في عام واحد فقط أربعة مليارات ريال على أدوات الزينة و التجميل**، غير ما يُنفق من الجهد و الطاقة .
نعيش في أزمة فهم متبادلة بيننا و بين الغرب، و نطالبهم بما يتوجب علينا أن نكون من أربابه، لا من أجلهم، و إنما من أجل أن العدل و الإنصاف من ثوابتنا
ما أشد تعرض الاجتهاد وفق الكتاب و السنة و من علماء أفاضل لتهمة التعمد للمساس بالثوابت!!
و ما أهون التخلي عن هذه الثوابت عند تقييم الآخر المخالف لنا في العقيدة!! (...وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا...)[المائدة: من الآية8]، و كأننا نخشى إنصافه، و الذي قد يكشف سوءات تقصيرنا في الأخذ بزمام العلم و التقدم والذي برع فيه و حاز السبق.
و لِمَ لا نفعل؟ ألم نعش أزمة فهم عقوداً طويلة كان شعارها "...و من نافسك في الدنيا فألقها في نحره "!
و ها نحن قد ألقيناها بكل ما فيها دون تحقيق لسندٍ أو متن أو فتوى تتغير زماناً و مكاناً، فما بال الأقوال المأثورة؟
لا نفرق بين إرادات الشعوب و الحكومات، فهم و بكل إصرار عندنا سواسية و على نفس القدر من الفهم و الاستيعاب، ما أرادوا بنا إلا شراً، و ما أضمروا حيالنا إلا السوء، و ما يكتب منهم و لو مفكر واحد أو عالِم ما فيه إنصاف للمسلمين، و ما يعكس رغبة الكثير منهم لمعرفة الإسلام، و الذي قد تجد صوراً لتطبيقه مما ينبئ عن رغبة هذه البشرية في العيش في أمن و أمان و سعادة و سلام، فحين تُنذر أُم مسلمة في كندا بأخذ أولادها لتشرف على رعايتهم الجهات المتخصصة؛ لأِنها أهملت بتركهم بمفردهم، و هما في الثالثة و الخامسة من أجل الذهاب لعملها، مما استلزم اتصال المدرسة الملحق بها الثاني للاستفسار عن سبب تَغيبه، و الذي كان بسبب مرض الأول، و عدم تمكن الأم من المكوث بجانبه، فتذهب إحدى المسؤولات و تحصل على مفتاح السكن، و الذي يتوجب ترك نسخة منه مع الحارس، و تقوم بإعداد طعام الإفطار، و رعاية الأولاد لحين عودة الأم، و التي اعتذرت بعدم معرفتها بقوانين البلاد، أوَ لم تكن على علم بالشرع؟
أوَ ليس هذا من النظام الجميل و الانضباط الذي يحبه الإسلام و يرضاه لصلاح البشر جميعاً؟
و حين يقر مجلس اللوردات البريطاني قانوناً برفض الأدلة التي تُؤخذ تحت التعذيب، ألا يقرب هذا المسافات بيننا و بين تلك الشعوب، و تلك العقول المنصفة؟! وكثير؛ فلا يخلو مجتمع من خير و قيم و مثل، و لا ينفرد آخر بالشر و الأذى و العدوان.
ليست دعوة للتعاطف المطلق مع الغرب و تجاهل ما ترتكبه حكوماته في بلاد المسلمين، و إنما محاولة لرؤية أكثر وضوحاً حتى - و مهما كانت الضغوط - لا تُخدش ثوابتنا .
و في سياق ذي صلة يمتد سوء الفهم فيتهيأ لبعضنا أن التحقير و التصغير لمن اعتمدوا أفكاراً تُنسب إلى الحداثة و العلمانية و العصرانية ...الخ هو الأسلوب الأمثل لمخاطبتهم، و لعل منهم الجاهل أو المتأول، و حتى لو كان متعمداً، أوَ ليس من بين جوانحه نفسٌ تتألم، و إذا كان التوجيه الإلهي بعدم المبالغة في إلحاق الأذى بالكافر المحارب (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ...)[النساء: من الآية104]، بل إن أراد سماع الحق فلا تحقير و لا تصغير، و إنما (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ...)[التوبة: من الآية6]، فما بال من لا يزال ينطق بالشهادتين، و إذا لم يأت فلماذا لا نذهب نحن، و نحن الأكثر قوة و ثقة بالحق الذي نملكه (...ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ...)[المائدة: من الآية23]، و ما كان أرفق و أجمل رد أحد علمائنا الكرام في مؤتمر الحوار الوطني بأبها حين طالب أحدهم بفك الارتباط يبن النشاطات الخيرية و أعمال الإغاثة فلا تُحاصر بالإسلام، فهذه أعمال إنسانية لا وطن لها و لا دين، فتأتي الحجة الهادئة تقرع مثيلتها و تفندها، - ما صاحبها غمز و لا لمز و لا تحقير، وهكذا كل من كان له نصيب من علمٍ أو حكمة - و لماذا إذن لا تتكرر نفس الدعوة من صاحبها بفك الارتباط المزمن بين النشاطات التبشيرية و أعمال الإغاثة؟
أزمة الفهم التي نحياها تعكس سؤالاً ملحاً ... لماذا هذه العلاقة الحميمة بيننا و بين سرعة الاصطدام بالآخر؟
أم هو اصطدام مع النفس؟!
فتكون أزمة الفهم التي يعاني منها المسلمون – و ما سبق كان على سيبل المثال لا الحصر - هي فرع عن أزمة فهم مع النفس؟
الاسلام اليوم
18-2-2006
انعكاسات لأِزمة الفهم -غادة أحمد
