قديما قيل (اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) وعلى هذا المنوال جرت سنة الناس في الماضي والحاضر على تحري الدقة والصواب في الكلام واخراج الحديث بما يتناسب مع المقول لاننا محاسبون امام الله اولا وامام الناس ثانيا على ما نتفوه به من منطوق الكلام.
وفي المقابل يعد التجرد في اصدار الاقوال غير المبالية والتي لا تستند الى اساس قوي من الحقيقة والصدق يعد امرا منبوذا دينيا واجتماعيا وحضاريا ولا يختلف فيه اثنان بهذا الامر (اي القول بغير علم) متقف عليه بين الامم البشرية منذ الخليقة وحتى اخرتها، وقصة الغلام الذي حضر مع وفد قومه الى الخليفة الاموي (معاوية بن ابي سفيان) وتصدر المجلس واخذ بعقول الحاضرين ومقولته ما زالت ومحفورةً في العقول الى يومنا هذا حين قال: (المرء بأصغريه قلبه ولسانه). وهكذا اخذ الكلام دورا لائقا ومرموقا في حياة البشر، لابل ان الكلام يجسد شخصية القائل ويدلل عليه اكبر دلالة فنحن قد لا نعرف الشخص المقابل لاول وهلة لا سيما اذا كان حسن المظهر ولكنه حين يلفظ ما في قلبه الى الخارج مصوغا بعبارات حرفية نحكم عليه بما يستحق.
وسجل التاريخ البشري الحضاري زاخرا بمواقف من هذا القبيل سطرت اروع المآثر وتبنت شموخا من التحضر والتحدن والترقي في منازل التقدم الانساني العتيد، ولا ادل على ذلك خير مما قام به المسلمون الاوائل من بناء صروح من الثقافات الانسانية والبلاد المعمورة بالخير للعالمين بكلمته طيبة ناجحة نابعة من القلب لا ترجو سوى رضا الله ونفع الناس. فاصابت هدفها مباشرة وبسرعة.
هذه السمة والصبغة الحضارية العظيمة غفل عنها الخلق اليوم بل تناسوها وباتوا يتطلعون الى نيل ما يرومون بالغش والخديعة والتملق والنفاق والاكاذيب واتباع الحيل والمكر طريقا ملتويا لنيل مارب شخصية ليس لها من الاخلاص والفائدة شيء يذكر على الناس، وللاسف صارت تجارة رائجة مربحة للمتقولين الجدد ممن لا يتعدى قوله شفتيه .
قد يكون السبب في المتلقي الذي اعجب او صار يحب سماع تلك المزاعم والتقولات الخروص من اجل الحفاظ على لقمة لا تسمن ولا تغني من جوع خوفا عليها من الضياع رغم انهم يعلمون ان ما يسمعونه هو (كذب في كذب) وبهذا تسلط وتسلق الرعاع والحفاة والجهلة والكذابون والدجالون رقاب وارواح الناس وتسمروا على كراسي النفوذ والحكم بلا ادنى مراعاة للمسؤولية. كذلك ساعد في ظهور هذا الانحراف الخلقي والانساني كثرة الابواق الداعية لذلك والمزوقة له مما ولد جيلا نشأ وترعرع على الخداع والتزوير للحقائق وشرب وتغذى على سماع دعايات واعلانات مسموعة ومقروءة ومرئية محلاة بالغش والتضليل الذي لايجاوز الاماكن التي يعرض فيها لو عرض على العقل. وسيمزقه زمن الحق عاجلا ام اجلا لانه ليس له من الواقع مستندا ولا يمت له بصلة.
ان شيوع الخرافات والاباطيل في المجتمع وفشوها وسيادتها على منطق العقل والحق وتاسيس قانون يدافع ويحمي هذا البطلان الزاهق يعد كارثة وموتا للحضارة والانسانية ولو اُدعي غير ذلك.
ان كثرة هذه المنخفضات الكلامية و المطبات القولية صارت فيه سلعة السكوت اغلى من الذهب في زمن رعاة الديمقراطية والحرية المسلوبة المعاني والمتلبسة بالاماني من الذين لا يعرفون معنى المسؤولية المرتبطة بالراعي.
حين يكون السكوت من ذهب..عبد الرحمن فاضل
