ما بين العامين 2003- 2007، وبفضل المقاومة المسلحة، خاصة العراقية واللبنانية والفلسطينية، تحقّق للأمة العربية ما يمكن وصفه بالحدث التاريخي النادر،
وهو شبه الإجماع في رؤية الأمة للنظام الاستعماري الاحتكاري الدولي كما هو بالفعل، وبالتالي رؤية عدوها بحجمه الطبيعي وبصورته الحقيقية، أي رؤيته غير مقتصر على القاعدة الإسرائيلية التابعة في حدّ ذاتها، ولا مقتصر صحيفة العرب بريطانيا على النظام العربي التابع، في هذا البلد أو ذاك، في حدّ ذاته وبمعزل عن موقعه في الشبكة العنكبوتية الدولية القاتلة.
لقد كان حدثاً تاريخياً نوعياً، نادراً حقاً، ذلك التطوّر في البنية الذهنية والعملية للأمة العربية الذي أعقب احتلال العراق،، فقد بدت المقاومة المسلّحة راسخة غير قابلة للارتداد والهزيمة، وبدت الأمة مستوعبة جيداً للأساسيات الدولية، وشبه مجمعة على نصرة وتطوير مقاومتها الفعالة والناجحة، وفي المقابل بدا العدو عاجزاً عن تحقيق انتصارات ميدانية حاسمة، مضمونة النتائج مسبقاً كما كان حاله دائماً في الماضي، فانصرف الأمريكيون بكليتهم إلى إيجاد طريقة للالتفاف على حالة النهوض العربي وتطويقها وإفشالها، حيث كان احتلالهم للعراق عاملاً رئيسياً من العوامل التي ساعدت على وقوع الحدث التاريخي العربي النوعي.
إنّ جهود التحالف الأطلسي/ الأمريكي منصبّة منذ سنوات "وقد بلغت اليوم ذروتها" على إحباط التطور التاريخي العربي النوعي وتدميره، بعد فشل المغامرة الأمريكية في تحقيق أهدافها الدولية من وراء احتلال العراق، وذلك بالعودة إلى "إستراتيجية الحرب الخاصة" التي ابتدعها الأمريكيون، والتي هي حروب أهلية رهيبة، طويلة، تخوضها الجيوش والقوى المحلية، نيابة عن الأمريكيين وفي خدمة أهدافهم الشريرة، بديلاً عن إستراتيجية المقاومة التي حققت إنجازات إيجابية تاريخية هائلة في العراق ولبنان وفلسطين، بوعي بعض المتحاربين ومن دون وعي بعضهم الآخر.
غير أنّ أصحاب الأوهام الشائعة، بصدد استقلال المستعمرات السابقة وما شابه ذلك، يحاولون التخفيف من مسؤولية المركزية الأطلسية/ الأمريكية في نشوب الصراعات والحروب المحلية، بل يحاولون نفي مثل هذه المسؤولية الخارجية كلّياً في كثير من الأحيان.
ففي عالم تتحكّم فيه إلى حدّ كبير مركزية دولية لئيمة صارمة، مركزية ثقافية وسياسية واقتصادية وعسكرية، جرت العادة أن يميّز المحللون السياسيون بين حقبة الاستعمار والاستعباد، التي سادت لقرون قبل الحرب العالمية الثانية ونهوض هيئة الأمم، والحقبة التالية، حقبة استقلال المستعمرات وتحرّرها المزعوم تحت مظلة هيئة الأمم.
لكنّ الثابت والمؤكّد بالأرقام والوقائع هو أنّ الدوائر الرأسمالية الاحتكارية، التي دعمت استقلال المستعمرات وأقامت هيئة الأمم، ونعني بها الاحتكارات الأمريكية في المقام الأول، سعت من وراء ذلك إلى تحقيق المزيد من الهيمنة على المستعمرات السابقة، وإلى المزيد من عمليات استعبادها ونهبها، وذلك بالسيطرة أكثر على البلدان عبر ضمها إلى الهيئة الأممية، وأيضاً باللجوء إلى الحرب الخاصة، بدلاً من الاحتلال المباشر، في البلد الذي يظهر شعبه مقاومة مؤثّرة لمشاريعها، فالهدف الثابت للإدارة الدولية المركزية، الأطلسية/الأمريكية، يبقى واحداً في جميع المراحل، وهو: استعباد الأمم وليس تحريرها.
في العام 1919، بعد الحرب العالمية الأولى، كانت الدول الاستعمارية تحتلّ أكثر من ثلثي مساحة كوكب الأرض، وتستعبد أكثر من ثلثي سكانه، أمّا في العام 1971، مثلاً، أي في حقبة حرية واستقلال المستعمرات، فقد كان استهلاك العالم من الطاقة في حدود سبعة مليارات طنّ، تستهلك الولايات المتحدة منها، لوحدها، مليارين ونصف المليار طنّ! أمّا الاتحاد السوفييتي وبلدان حلف وارسو ومعهم الصين الشعبية فكانوا جميعاً يستهلكون مليارين من الأطنان! وكذلك بالضبط كان استهلاك دول أوروبا الغربية واليابان وكندا وأستراليا جميعها، مليارين!
أمّا بقية دول العالم جميعها، في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، فكان استهلاكها نصف مليار طنّ من الطاقة، فقط لا غير! فإذا كان حجم استهلاك الطاقة هو المعيار للقوة والهيمنة والاحتكار فكيف يمكننا تبني حكاية الفصل المزعوم بين حقبة الاستعمار وحقبة الاستقلال؟ لقد تغيّر الوضع السياسي للمستعمرات عموماً منذ نهاية أربعينيات القرن العشرين، لكنّ وضع السيطرة والنهب والاستحواذ لم يتغيّر، بل ازداد سوءاً في الواقع، حيث نهضت دول مستقلة اسمياً وشكلياً فقط، بينما هي تعتمد على الولايات المتحدة بصورة رئيسية في ميادين الاقتصاد والمال والدفاع والسياسة، وقد حافظت واشنطن على جوهر الوضع الدولي الظالم، معتمدة على القوى والإدارات المحلية في المستعمرات السابقة.
وإذا كانت المستعمرات السابقة قد نالت جميع المظاهر الشكلية الخلابة، المدغدغة والمخدّرة للمشاعر الوطنية، فانّ المهمة الحقيقية الرئيسية للقوى الوطنية الحاكمة جاءت نقيض تلك المظاهر، حيث قمعت دائماً بمنتهى القسوة أيّة حركة وطنية حاولت التصدّي لجوهر الوضع الذي لم يتبدّل شيء فيه عن أيام الاستعمار المباشر، بل حدث أنّ قيادات الجيوش الوطنية المحلية راحت تشتبك مع شعوبها في حروب رهيبة، طويلة، أطلق عليها صانعوها الإستراتيجيون الأمريكيون وصف "الحرب الخاصة".
إنّ الأمريكيين الذين عادوا في العامين 2001- 2003 إلى أسلوب الاحتلال العسكري والاستعمار المباشر في أفغانستان والعراق، واكتشفوا بسرعة خطورة ما ورّطهم فيه المحافظون الصهاينة الجدد، يحاولون منذ فترة العودة إلى أسلوب الحرب الخاصة، التي تخوضها الشعوب وجيوشها ضدّ نفسها وضدّ بعضها نيابة عنهم، وها هي بعض نتائج محاولاتهم تظهر اليوم في عدد من البلاد العربية، حيث يقول البعض ويتصرّف على أساس أنّ مشكلته هي مع المقاومة بالدرجة الأولى وليس مع جيوش المستعمرين وقاعدتهم الإسرائيلية، ومع هذا النظام الرسمي العربي المستبدّ أو ذاك النظام الرسمي العربي المتخلّف بالدرجة الأولى وليس مع النظام الاحتكاري الربوي، الدولي الصهيوني، بل إنّ هناك من ينشد عطف هذا النظام الدولي، ويتطلع إلى نيل دعمه حالياً ورعايته لاحقاً.
صحيفة العرب بريطانيا
إستراتيجية الحرب الخاصة بديل للإستراتيجية المقاومة... نصر شمالي
