خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وجعل عنده قابلية الصمود أمام جملة من الأحداث المؤلمة، ومنها الموت الذي اسماه الباري عزوجل مصيبة، (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون).
هكذا فالإنسان منذ بدء الخليقة تقبل أن يَدفِنَ أعز الناس إلى قلبه، ومن رحمة الله على بني آدم أن جعله يتسلى عن مصائبه بشكل، أو بآخر، وبذلك استمرت حركة الحياة منذ آدم عليه السلام وستدور عجلتها حتى قيام الساعة.
والعراقيون، اليوم، صابرون على مصيبة الموت في بلادهم، حيث إن" القتل الديمقراطي" حصد أكثر من مليونين وخمسين ألف عراقي منذ الاحتلال الهمجي لبلاد القهرين عام 2003، حتى نهاية شهر آذار/ مارس 2009، وذلك بحسب رصد الدكتور (جديون بلويا) معتمدا على رصد منظمة السياسة الخارجية المشتركة العادلة في إحصائية لها، اعتمدت فيها على أرقام استقتها من المستشفيات والمنظمات الإنسانية والصحية الدولية العاملة في العراق بعد عام 2003، وكذلك عبر مسح شامل لجميع الأراضي العراقية، إضافة إلى معهد (ORB) البريطاني، ومجلة لانست، والقسم السكاني في الأمم المتحدة، وهذه الإحصائية صدرت بتاريخ 5/4/2009.
وعلى الرغم من هذه الإحصائية المخيفة، تقبلَ العراقيون هذه المصائب؛ وذلك إيماناً منهم بقضاء الله وقدره؛ وكذلك حباً منهم للعراق الغالي الذي يستحق التضحية بالغالي والنفيس.
ولعل بعضنا قد يستغرب حينما أقول إن هنالك مصائب هي أكثر ألماً من مصيبة الموت، ومنها حوادث التغييب القسري في لغة القانون، أو حالة الفقدان، حيث إن عائلة المفقود تجد نفسها عاجزة عن معرفة مصير ابنها المغيب وسط هذه الغابة المخيفة من المعتقلات السرية والعلنية، التي ينطبق عليها ما يردد عن سجون الدكتاتورية في أرجاء العالم " إن الداخل إليها مفقود، وإن الخارج منها مولود".
وهكذا هو الحال في العراق اليوم، وسأكتفي - لإثبات هذه الحقيقة المؤلمة - بذكر إحصائية لمحافظة واحدة من محافظات العراق، حيث أعلنت قيادة عمليات محافظة ديالى (45 كم شمال شرق بغداد)، يوم 14/5/2011، أن لجنة التقصي والبحث عن المفقودين سجلت أكثر من ألف مفقود منذ العام 2003 في المحافظة، وهذا الكلام أكده مسؤول شعبة الإعلام والعلاقات في قيادة عمليات ديالى المقدم نوري عبود.
والحق أن هذه النسبة لا تعدل سوى 5% من أعداد المفقودين الدقيقة في عموم البلاد.
أما أسباب الفقدان، فالحقيقة أن هنالك أكثر من احتمال وسبب للفقدان، ومنها أن قوات الاحتلال الأمريكي قد ارتكبت جريمة القتل بحق بعض "المفقودين"، ثم تحفظت على جثثهم، أو تخلصت منها بأكثر من سبيل؛ لمحو آثار جرائمها المستمرة في بلاد القهرين، ومن الاحتمالات الأخرى هو الدور الإجرامي الذي لعبته المليشيات الإجرامية التابعة لبعض الأحزاب الداخلة في اللعبة السياسية الجارية في بغداد بعد عام 2003، بالإضافة إلى التغييب القسري في المعتقلات الحكومية السرية والعلنية، حيث إن المسؤولين عن هذه السجون والمعتقلات يرفضون إعطاء إجابات شافية لأهالي المفقودين بخصوص وجود، أو عدم وجود ذويهم في داخلها، وهذا الأمر والتصرف غير القانوني واللا مسؤول يثير جملة من التساؤلات المحرجة للحكومة وللإنسانية جمعاء التي تتفرج على كارثة العراقيين، ومن بينها هل أن السجون وجدت للإصلاح، أم للانتقام والتغييب والإعدام المنظم؟!!
عوائل المفقودين وجدت نفسها في لحظة من الزمن أمام مصيبة لا تعرف نهايتها، فهم يتمنون أن يعرفوا خبر أبناءهم، حتى لو كانوا بين الأموات، بينما نجد الحكومة، والجهات الأخرى "المؤثرة" في البلاد عاجزة عن تقديم أي دعم لهذه العوائل يكون سبباً في راحة بالها، مما يجعل معاناة هذه العوائل مستمرة وقاتلة، ولا تدري هذه العوائل متى ستشعر الحكومات المنشغلة بمشاكلها الطائفية والحزبية الضيقة بهمومهم، وتحاول إنقاذهم من حالة التردي بين اليأس والأمل في معرفة مصير أبنائهم؟!!
Jasemj1967_(at)_yahoo.com
عوائل المفقودين العراقيين بين اليأس والأمل / جاسم الشمري – العراق
