هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق والأوهام الإيرانية في ضوء التطورات الخليجية الأخيرة ...د. مثنى عبد الله
العراق والأوهام الإيرانية في ضوء التطورات الخليجية الأخيرة ...د. مثنى عبد الله العراق والأوهام الإيرانية في ضوء التطورات الخليجية الأخيرة ...د. مثنى عبد الله

العراق والأوهام الإيرانية في ضوء التطورات الخليجية الأخيرة ...د. مثنى عبد الله

عبرت قوات درع الجزيرة جسر الملك فهد، فتبخر الحلم الإيراني في إقامة (جمهورية البحرين الإسلامية)، بعد ان استغلوا تظاهرات شعبية وطنية خرجت للإصلاح ورفض الفساد، وحرفوا اتجاهاتها خدمة لأهدافهم، فاضروا بالحاكم والمحكوم، والمعارضة والموالاة، فحصل الشرخ. كان انتقال تلك القوات الى البحرين هو توسيع لحدود الخريطة السياسية السعودية بالقوة، كما انه ابتلاع لتلك الجزيرة التي تعتبرها إيران إحدى محافظاتها، وبذلك فقد صد الدرع الخليجي الخنجر الإيراني عن الخاصرة السعودية، فكانت الضربة الأولى. اما الضربة الثانية فكانت في التاسع من أيار/ مايو الجاري، حيث عقدت القمة التشاورية الثالثة عشرة لدول مجلس التعاون الخليجي في الرياض. كانت الرهبة مما حصل في البحرين تعلو سقف قاعة الاجتماع، فكان الاعلان الصادر عن المؤتمر بتوسيع عضويته لتشمل الاردن والمغرب، هو توسيع للمصدات الأمنية ضد المطالبات الشعبية بالتغيير، الذي قد يحصل داخل منظومته، كما انه ايضا خطة استباقية استراتيجية امنية وعسكرية واقتصادية، لمنع الاستغلال الايراني لتلك المطالبات في حالة حصولها. هكذا فهمت ايران تلك الخطوتين بانهما موجهتان ضدها، ووفقا لعنجهية القيادة الايرانية فانها لا يمكن ان تتحمل كلفهما السياسية بدون ان تجعل الطرف الاخر يدفع كلفا سياسية ايضا، ربما ضعف ما تحملته هي من جراء تلك الخطوة، فهم يراهنون على الزمن دائما. حصل هذا في العراق عندما انتصر عليهم في حرب الثماني سنوات فتجرعوا السم، لكنهم لم ينسوا ذلك، حتى سنحت لهم فرصة الغزو في العام 2003 فانتقموا. فهل سيدفع العراق ثمن انكفاء مشروعهم (جمهورية البحرين الإسلامية) أيضا؟
لقد انتصرت ايران في العراق بما يوازي النصر الامريكي او قد يفوقه بعض الشيء. خسر الامريكان ما يقارب 5000 عنصر كما هو معلن، و800 بليون دولار. كانت ارباحهم اخراجه من حلبة الصراع العربي ـ الاسرائيلي وضمان امن اسرائيل، ومصالح اقتصادية وسياسية وعسكرية. لكن الربح الايراني كان بلا خسارة. مصالح اقتصادية وصلت الى اكثر من 10 مليارات دولار، وايجاد فرص عمل لمئات الاف من العاطلين في المصانع التي انشئت في المناطق الحدودية، خصيصا لتلبية حاجة السوق العراقية من أردأ البضائع. مصالح اجتماعية بعمليات التجنيس السياسي بحجة المهجرين سابقا والزيجات المختلطة. مصالح سياسية من خلال وصول الأحزاب والشخصيات المرتبطة بإيران الى مراكز القرار السيادي، ومصالح امنية استراتيجية من خلال الاف الواجهات المخابراتية بأغطية ثقافية وإنسانية ومنظمات مجتمع مدني وأحزاب. وحتى عندما ترغب ايران في مشاغلة الامريكان واستفزازهم لتحقيق هدف سياسي، من خلال اللعب بالوضع الامني، فان حطب نارها هو أجساد العراقيين لا أجساد مواطنيها. اذن عندما يكون التغلغل الايراني في العراق بهذه الصورة، وعندما تتحقق المصالح الإيرانية دفعة واحدة فيه كما هو اليوم، فما الذي يمنع من اندفاعه إيرانية اكبر يصبح فيه العراق كله او جزء منه، جزءا من الدولة الإيرانية بصيغة اتحاد كونفدرالي او بصيغة اخرى؟ فتتقدم الحدود الايرانية السياسية والجغرافية الى الحدود السعودية، ويبدأ التأثير الايراني من خلال اللعب بالورقة الطائفية في المنطقة الشرقية. ألم يبعث الايرانيون رسالة الى الكويتيين يبلغونهم فيها انهم اصبحوا جارهم الجديد عندما احتلوا جزيرة الفاو في العام 1986، ومعروف ماذا كانوا يقصدون من تلك الرسالة؟
لقد شرعت إيران ومنذ احتلالها للعراق اثناء الغزو الامريكي الى دفع اطرافها السياسية لإنشاء إقليم الجنوب، وربطه لاحقا باتحاد وفق صيغة ما معها، لكن تحطم المشروع على صخرة العروبة الراسخة في نفوس عراقيي الجنوب، دفعها مجددا لإخراجه بصيغة جديدة، وفي هذا الوقت بالذات، من خلال دفع أطراف أخرى ليست محسوبة عليها طائفيا للمطالبة بإنشاء اقاليم في محافظات الوسط ذات صبغة طائفية، مما سيجعل اقليم الجنوب واقعا فعليا على الارض، بعد ان ينفصل الاخرون في اقاليم خاصة بهم، عندها ستتوفر الإمكانية اللازمة لاندماجه مع إيران، وبذلك سيكون الداء قد حصل ليس بفعل المحسوبين عليها سياسيا، بل من الآخرين الذين كانوا يعيبون على حلفائها طرح مشروع الأقاليم، وهي قادرة على تحقيق ذلك بأسلوبين، أولهما دفع مجاميع مسلحة للقيام بتفجيرات دامية في تلك المحافظات، وبما ان الحكومة عاجزة عن فرض الامن، فان السؤال الذي سيبرز في اذهان الكثيرين هو لماذا نحن موجودون في دولة لا تحمي مواطنيها؟ وبما أن (الدستور) يسمح لكل من هب ودب ان يقيم اقليما له، فلماذا لا نفعل ذلك ونحكم انفسنا؟ وهذا الذي حصل في الانبار وصلاح الدين مؤخرا، حيث التأم شمل وفد رفيع المستوى يمثل الأخيرة بمسعود برزاني، لتلقي الدعم منه لتحويل المحافظة إلى إقليم، الذي بارك لهم هذه الخطوة داعيا الى ايجاد عدة أقاليم في العراق. اما الاسلوب الاخر فهو قدرتها على الوصول الى من ليسوا محسوبين عليها ومحاورتهم ودعمهم لتنفيذ مشاريعهم، وقد اثبتت مقدرة فائقة في هذا الجانب، كونها لم تضع اي فيتو على اية شخصية سياسية او عشائرية عراقية، مما جعل الكثير ممن يدعون انهم ضد توجهاتها، يتحاورون معها بواسطة دبلوماسييها الناشطين في العراق، الذين يقدمون الاموال السخية، او من خلال ارسال مبعوثين عنهم الى سفاراتها في دول الجوار العربي وتركيا ولندن، حرصا على عدم انكشاف اكاذيبهم.
قد يفهم البعض هذا الكلام على انه يأتي متوافقا مع الدعوات المعلنة والسرية لتمديد بقاء القوات الأمريكية في العراق، وعملية ترويع من النفوذ الإيراني الذي سيبتلع العراق حال رحيل الأمريكان. انه على النقيض من ذلك تماما، حيث ان الوجود الامريكي في العراق جنبا الى جنب مع الوجود الايراني العلني والمعروف من قبل الإدارة الأمريكية وقواتها، انما كان نتيجة تفاهم تام استمر منذ ان فتحت إيران أجواءها امام الطيران الحربي الأمريكي القادم من قاعدة انجرلك التركية لمدة شهرين، عند غزو افغانستان، ثم استمر هذا الحوار وتطور بعد غزو العراق حينما قدمت ايران خدمات اخرى، تمثلت في دفع ميليشيات تابعة لها (بدر) وغيرها الى حماية ظهر القوات الأمريكية الغازية، التي كانت تسقط المدن وتتقدم الى بغداد. عندها اقتنعت الولايات المتحدة بان الدور الايراني ليس منافسا لطموحاتها الإستراتيجية، بل هو دور قادر على خدمة اهدافها وتقليل كلفها العسكرية احيانا، كما انه وسيلة فاعلة لترويع الاخرين وابتزازهم، لعقد صفقات تسليحية ولزيادة ارتمائهم بظلها، وان جل طموحاتهم هو استجداء دور لهم في المنطقة، يجعلهم يعيشون حلم الغطرسة القديمة، لكن تحت الرعاية الامريكية. لذلك فان الاستظلال بالوجود الامريكي خوفا من الوجود الايراني، انما هو وهم كبير، لان التوأمة هي الحالة السارية بين الطرفين في العراق، وان نتائج هذه التوأمة على الواقع ستخلف مزيدا من التشرذم والكوارث السياسية والأمنية، في خضم لعبة تحقيق المصالح بين الطرفين الأمريكي والإيراني.
ان الوجود الخارجي لا يصنع امنا في اية دولة من دول العالم، لان هذا الوجود مرتبط بمصالح، لذلك لم تستطع الولايات المتحدة تحقيق أمن لا في العراق ولا في غيره، وان الآلية الداخلية التي تحتكم للإرادة الوطنية، هي وحدها من يصنع الأمن.

' باحث سياسي عراقي

أضف تعليق