كم انتم رائعون أيها المتظاهرون في سوح العراق من شماله مرورا بوسطه حتى الجنوب؟! وانتم تقفون وتصمدون وتضحون بكل تجرد ونكران ذات ونبل،
وتثبتون للقاصي والداني والقريب والبعيد أنكم أبناء العراق حقا، ولئن كان إخوان لكم أشقاء في دول عربية أخرى يتظاهرون ضد المستبد الداخلي فإنكم تتظاهرون اليوم ضد المستبد الخارجي والداخلي معا، ولئن كان إخوانكم أشقاؤكم قد انتفضوا في وجه التابع فإنكم تنتفضون في وجه التابع والمتبوع على حد سواء، ولئن كان إخوانكم أشقاؤكم يتصدون بصدورهم العارية للجبابرة كل في بلده فإنكم تتصدون للجبابرة الدوليين والإقليميين وخدمهم المحليين بصلابة وشموخ، وتلوون يدهم التي تمتد لتفسد في الأرض وتسفك الدماء!!
إننا نباهي بكم، والكلمات تعجز عن وصفكم، والمعاني لا توفيكم حقكم.. نقول ذلك ليشهد التاريخ، وتكتب الأقلام، وتسود الصحف، وينظم الشعر، وتحفظ الذاكرة الجمعية أنكم بعد الله صمام الأمان للوحدة الداخلية، ولهيبة واعتبار الأمة، ولقواعد العدل ومبادئ السلام والخير في العالم، وأنكم صفعتم الباطل بالحق، والخيانة بالولاء وصلابة إرادتكم الجامعة المؤمنة.
لقد كنتم سهاماً في نحور الغزاة الطامعين وحلفائهم وأذنابهم، وإن أي وطن يجهر أبناؤه بكلمة الحق لا خوف عليه، وأنتم في قلبه الأمناء على عقيدته وماضيه وحاضره ومستقبله.. إنكم درعه الحصينة وعينه الساهرة ويده الضاربة لكل من تسول له نفسه المساس بأمنه واستقراره؛ لأجل هذا فإنكم في قلوب أهليكم والأصدقاء، يحملونكم دائماً ويستمدون العزم والعون والقوة والإصرار من الله ثم منكم. فمباركون انتم أينما كنتم ومباركة ثورتكم الغراء.
وإننا حين نطيل النظر متأملين وثبتكم المبدئية الشجاعة والجسورة فإنما نتذكر فيكم كل صور العطاء. العطاء الذي يخرج الإنسان من ذاته ليشعر بذوات الآخرين، ويحيل النظر من احتياجاته إلى احتياجات من حوله، ويصرف اهتمامه عن ما له إلى ما عليه، فالفرد منا عليه أن يعطي لتتحقق كينونته كمؤمن منّ الله عليه بالإيمان، ومواطن يعيش وسط مواطنيه، ولتترسخ إنسانيته، يعطي من حوله، ويعطي مجتمعه، ويعطي وطنه، ويعطي أمته، ويعطي الإنسانية جمعاء.
والعطاء أن يسخر الإنسان نفسه وما حباه الله -تبارك وتعالى- به من نعم وقدرات ورأي وفكر، وما قدر له سبحانه من إمكانات وفرص ليرتقي ويضيف ويخدم وينتج، ويعيش سنوات حياته عضوا فاعلا في بيئته وفي محيطه وفي وطنه وفي أمته وفي عالمه.
وعطاؤكم -يا ثوار العراق- عطاء يجسد كل ذلك ويتمثله، وهو عطاء يساوي الكرم والجود والسخاء، ويعني التضحية والشجاعة والإباء، ويعكس الصبر والحلم والكبرياء، وغيرها من المعاني الكريمة الأخرى، ولا أعظم ولا أرقى ولا أسمى من أن يهب الثائر الحر والشهم الغيور دينه وأرضه وعرضه وأهله ماله ودمه، فان الحياة لا تطيب بدون الكرامة، وقد شاهدنا في الشهور والأسابيع والأيام الماضية من عمر ثورة العراق التحررية مناظر بشعة ودامية ومؤلمة، ومجازر جماعية تعرض لها المتظاهرون تنفذ تحت سمع العالم وبصره على يد عصابات إجرامية لا مكان في قلوبها للرحمة، ولا تنطوي ضلوعها على ذرة من الإنسانية، تلكم العصابات كالكلاب المعلمة، أطلقها المحتل على الشعب الآمن في صيغة حكومة ميلشيوية، وقد تحملتم الأذى – يا ثوار العراق الأبطال- وصبرتم صبرا جميلا، ولم يتوقف عطاؤكم غير المجذوذ .
اللهم اجعل لنا جميعا في قيمة العطاء المتحققة في ثوار العراق، وفي كل المعاني الإنسانية التي تجتمع فيها طريقا نسير عليه، وأفقا نسعى صوبه، ونموذجا نجسده واقعا معاشا، يحقق لإسلامنا حقيقة معناه، ولعروبتنا صدق الانتماء إليها، ولعراقنا عراقته.
تحية إلى عشاق الحرية – د. ثامر براك
