رغم اليقين المسبق لحكومة بغداد، وبكل فصائلها، بأن القمم العربية لا تضيف ولا تحذف ولا تقرر شيئا ذا وزن،
وغير المقرر سلفا بحكم توازنات القوى البينية والإقليمية والدولية، فإنها بذلت جهودا استثنائية وسفحت ملايين الدولارات لإعداد اكسسوارات مسرح القمة.
واعتبر وزير خارجيتها هوشيار زيباري القمة الدورية وانعقادها بالوقت المتفق عليه وفي بغداد، وكأنها مسألة مصيرية بالنسبة له شخصيا، على اعتبار أن النجاح في تحقيقها سيضيف لرصيده الدبلوماسي الشيء الكثير، والذي هو بأمس الحاجة إليه لتبرير استمراره بمهمته كوزير للخارجية أمام المتحاصصين الآخرين الذين كثيرا ما يركزون على أهمية المقبولية العربية لمن يشغل هذا المنصب، كون السيد الوزير كرديا، لكن هوشيار يريد أن ينجح وبامتياز، وحيث لا يجد الآخرون مجالا لنجاحه.
لكل فصيل حكومي عراقي أسبابه الخاصة التي تجعله متحمسا وبقوة باتجاه انعقاد القمة العربية وفي بغداد تحديدا، برغم كل المصاعب الأمنية التي قد تضاعف تكلفة انعقادها، هذه التكلفة التي يعرف الجميع بأن الشعب العراقي هو بأمس الحاجة إليها لسد رمقه اليابس وتوفير ما يلزم من خدمات أساسية، لكن 100 مليون دولار لا تعني شيئا في بلاد صارالفساد يحسب بالمليارات، فربما يكون استثمارهذه المئة وفي شأن عام هو استثمارا تغطويا للمزيد من عمليات التربح من المال العام ذاته، إضافة إلى الفوائد الجانبية الأخرى، ومنها التأكيد على شرعية النظام القائم، وتطبيع العلاقات العربية معه وبما يساعد حكومة المحاصصة على حلحلة بعض مشاكلها العربية العالقة كما في حالة الكويت.
ويبدو أن للتزامن بين الموعد المؤجل لانعقاد القمة وبين المداولات المتعلقة بتمديد جزئي لبقاء القوات الأمريكية المحتلة في العراق، والتي ستنسحب نهاية العام الحالي، شيئا من الإغراء الذي يوفر لأصحاب الشأن نوعا من الغطاء العربي باتجاه تمديد بقاء جزئي للقوات المحتلة بحجة حاجة العراق لها، على الرغم من أن الأمريكان أنفسهم هم من قرر البقاء ولأغراض تخص الأجندة الأمريكية حصريا.
المالكي وفصيله يريد من قمة بغداد شهادة حسن سلوك لحكومته وعلاقاتها العربية، إضافة إلى كون مجرد انعقادها في بغداد وفي هذه الظروف سيشكل عامل ضغط معنوي على كل القوى المناوئة والمقاومة للعملية السياسية الأمريكية في العراق.
أما علاوي فهو من ناحية يريد تعرية حقيقة التشنج والتذبذب الغالب على علاقات المالكي العربية، ومن ناحية أخرى يريد حضورا عربيا قويا يعادل الحضور الإيراني الذي ساهم باستبعاده من منصب رئاسة الوزراء.
وأما التحالف الكردستاني فإنه هو الآخر يريد من القمة تطبيعا لا تراجع عنه مع إقليم كردستان، ككيان له استقلاليته النسبية، ولم يكن مستغربا بهذا الاتجاه ما أعلنه مسعود البرزاني عندما زار مقر الجامعة العربية في العام الماضي، من أن إقليم كردستان مستعد لاستضافة القمة العربية في أربيل.. على اعتبار أن حالة الأمن فيها أفضل من بغداد!!!
تصوروا أن تعقد القمة في أربيل ويفتتحها مسعود برزاني مستخدما اللغة الكردية بترجمة عربية، وقبلها يقدمه هوشيار زيباري لإلقاء كلمته، ثم يأتي دور الرئيس الطالباني لإلقاء كلمة العراق الرسمية، وأخيرا يأتي دور المالكي لترؤس الوفد العراقي، لأن الطالباني سيكون مشغولا برئاسة القمة!! أليس هذا هو عز الطلب العربي عندما تكون القمة هي قمة حضيض؟
الأمريكان بواسطة كلنتون والسفير الأمريكي في بغداد دخلوا أيضا على خط القمة، معلنين أهمية انعقادها في موعدها وفي بغداد تحديدا لتكون فاتحة قوية لعودة العرب إلى العراق، حتى لا يتركوا ساحته للتفرد الإيراني، ولكن ولنفس الدواعي الأمريكية المطالبة بعقد القمة في بغداد استبعد انعقادها فيها إلى أذار من العام القادم، أي دواعي الوقوف بوجه إيران.
فالبحرين ومعها كل دول الخليج رفضت حضور قمة بغداد لأن لبغداد موقف يتناغم مع الموقف الإيراني حول أحداث البحرين الأخيرة، وهناك خشية من اختراق الخطاب الإيراني للخطاب العربي في قمة العرب!
تأجلت القمة العربية الثالثة والعشرون إلى العام القادم، وأصيب هوشيار والمالكي بخيبة أمل مؤقتة بانتظار الموعد الجديد، والذي قد لا يفيد معه الانتظار، لأن عواصف التغيير الهابة بوجه الحكام العرب في حراك دائم وهي تدفع بهم نحو الانحدار، نتيجة لحراك القاعدة الشعبية العربية الصاعد للقمة، وربما يطول هذا الحراك الشعبي قمة الحكومة في العراق أيضا!
... صحيفة العرب بريطانيا
بين حراك القمة وحراك القاعدة مشكلة اسمها القمة العربية!..جمال محمد تقي
