هيئة علماء المسلمين في العراق

إستراتيجية البنتاجون.. الحرب الطويلة بدلاً من الخاطفة.. محمد عبد الحليم
إستراتيجية البنتاجون.. الحرب الطويلة بدلاً من الخاطفة.. محمد عبد الحليم إستراتيجية البنتاجون.. الحرب الطويلة بدلاً من الخاطفة.. محمد عبد الحليم

إستراتيجية البنتاجون.. الحرب الطويلة بدلاً من الخاطفة.. محمد عبد الحليم

منذ أن أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية \"البنتاجون\" أوائل عام 2006 عن إستراتيجية \"دفاعية\" جديدة تعزز بمقتضاها قوتها وتصنع أسلحة \"طويلة المدى\"، والاهتمام في تناول هذه الإستراتيجية منصبّ إلى حد كبير على الكم والكيف في شكل تلك الأسلحة أو أعداد القوات في مختلف أفرع جيوشها. والواقع أن الولايات المتحدة الأمريكية ليس لديها عجز أو تعوزها الحاجة لبناء أسلحة بعيدة المدى، فهي بالفعل الآن القوة العظمى كماً وكيفاً ولديها غواصات ذات تسليح بعيد المدى تقليدي وغير تقليدي تجوب محيطات العالم وبحاره، وقاذفاتها تستطيع الطيران حول الأرض لساعات ممتدة وضرب أي هدف في أي مكان دون حتى الحاجة لإعادة تزويدها بالوقود، وصواريخها العابرة للقارات لديها القدرة نفسها، وحاملات الطائرات تستطيع أن تحمل طائرات هجومية يمكنها شن ضربات جوية في أي مكان، وغير ذلك من القدرات الاستثنائية.

أما الجديد في الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية فهو أنها لا تركز على بناء أسلحة "طويلة المدى" - وهي لا تفتقدها - بقدر ما تضع نصب عينها التكيف لشن حروب "طويلة الأمد"، وليس هذا هو التحول الوحيد في تلك الإستراتيجية عما يسبقها من إستراتيجيات بل إن هناك حزمة من التحولات في الأهداف والوسائل التي تضمنتها.

باختصار فإن وزارة الدفاع الأمريكية تستعد لما أطلقت عليه "الحرب الطويلة" حيث وضعت خططا ترسم شكل الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية خلال الـ 20 عاما المقبلة، وتحمل تصورات عن نشر جنود أمريكيين بصورة سرية في عشرات البلدان في وقت واحد لمحاربة الإرهاب والتهديدات غير التقليدية الأخرى.
والخطوط العريضة للإستراتيجية تتضمن زيادة عدد القوات الخاصة الأمريكية بنسبة 15%، ومضاعفة أعداد الطائرات "بدون طيار" لجمع المزيد من المعلومات الاستخبارية، ورصد 1.5 مليار دولار لمواجهة الهجمات البيولوجية، وإنشاء فرق خاصة للبحث عن القنابل النووية والأسلحة الكارثية الأخرى وتتبع مسارات نقلها وإبطال مفعولها.

وأفردت الإستراتيجية الصين باعتبارها "أعظم تهديد محتمل يمكن منافسة الولايات المتحدة الأمريكية عسكريا". واستجابة لذلك فإن الإستراتيجية دعت للإسراع في نشر ميداني لقوات جوية يمكنها القيام بضربات بعيدة المدى، وكذلك بناء قدرات ومنشآت لحروب الأعماق.

تحولات واضحة

وبقراءة بنود الإستراتيجية الجديدة نجد أنها تحمل مَعلماً مهماً يعد تحولا أو تزحزحا عما ظلت البنتاجون تمارسه ردحا طويلا من الزمن بإدارة الحروب التقليدية ضد الدول أو الكيانات السياسية بالدبابات والمقاتلات والمدمرات.

وبدلا من ذلك فإنها تركز على 4 أهداف جديدة: سحق شبكات "الإرهاب"، ومواجهة الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية، وتعزيز الدفاعات الوطنية داخل الأراضي الأمريكية، ومنع القوى العظمي من تنمية قدراتها بحيث تصبح مناوئة أو في وضع عدائي لأمريكا وإثنائها عن تطوير قدراتها.

وعلى غير ترتيب فإن الاستعدادات الواردة في الإستراتيجية حول الدفاع عن أرض الوطن غير واضحة المعالم وغامضة بعض الشيء حيث انطوى تعزيز الدفاعات المحلية على تحسين أنظمة الاتصال والمراقبة بحيث يمكن للجهود الحربية أن تمارس تنسيقا أفضل بين الولايات والإدارات الاتحادية.

لكن الأهم أن مثل تلك الإستراتيجيات الدفاعية يتم مراجعتها كل 4 سنوات، وكانت آخر مراجعة لها - تمت عام 2001 - وضعتها البنتاجون متضمنة خططا تمكنها من "هزيمة خاطفة" لبلدين خصمين في آن واحد عن طريق حملات عسكرية متداخلة، مع حرية قيامها بالإطاحة بنظام أو حكومة معادية في أي بلد منهما، أما في الإستراتيجية الجديدة فإن واحدة من الحربين يمكن أن تكون ذات مدى أوسع مما كان مخططا في الإستراتجية القديمة، وتمتد زمنيا، بحيث تصبح حربا طويلة، بل ومن الممكن أن يكون شكلها العام غير نظامي في بعض مراحلها أو كلها.

وفي إستراتيجية عام 2001 كان بوسع العسكرية الأمريكية شن عمليات حربية في 4 مناطق هي أوربا والشرق الأوسط والسواحل الآسيوية وشمال شرق آسيا. أما في الإستراتيجية الجديدة فإن السنوات الأربع الماضية أظهرت حاجة لكي تعمل القوات العسكرية الأمريكية في كل المعمورة، وليس فقط داخل المناطق الأربع القديمة أو تنطلق منها.

أكثر من ذلك فإن من أهم الفرضيات التي تضمنتها المراجعة الأخيرة للإستراتيجية هو الشكوك التي تساور أساطين البنتاجون في الشكل الذي سيكون عليه العالم بعد 5 أو 10 أو 20 عاما، وعليه فإنه يجب التواضع والاعتراف بأن العسكرية الأمريكية لا يمكنها النصر وحدها، وهو ما عده كبار العسكريين الأمريكان خيانة لمبدأ عسكري أمريكي رئيس وإهانة لما ظلت تعلنه العسكرية الأمريكية. فرايان هنري مساعد وزير الداخلية للإستراتيجية العسكرية يقول: "كل الاحتمالات سوف تجعل القوات الأمريكية تشتبك في مكان ما خلال العقد القادم لا تشتبك فيه الآن، ولا يمكننا الآن القول أين سيقع؟ ولا كيف؟ ولا متى؟.. إن الأشياء أصبحت غير واضحة المعالم خلال السنوات الخمس الماضية.. لا يمكننا كسب حرب طويلة وحدنا".

هذا التصريح جاء متسقا مع ما جاء في ملخص الإستراتيجية، فعندما تقع الأزمات الكبرى مثل شن الإرهابيين لهجمات أو اندلاع أعمال عدائية كبرى "ضد مصالح أمريكا"، فإن ردة الفعل السريعة بهبة القوات الأمريكية للدفاع (لصد الهجمات بهجوم مضاد) سوف تتطلب قدرا أكبر من المساهمات من الحلفاء الدوليين والشركاء، وكذلك الوكالات الاتحادية.

الجديد في العدد والعدة لا يذكر

ومن الملامح الأساسية في الإستراتيجية الجديدة أن البنتاجون تبدي حماسة لتطوير القوات الأمريكية بحيث تصبح متعددة المهام والاستخدامات، أكثر رشاقة وخفة في أثناء قيامها بالمهام الموكلة بها، متخففة من الثقل الذي يشوب أداءها الآن بحسب التقويم، وأكثر من ذلك القدرة على شن عمليات على نطاقات أوسع. ورغم ذلك فإن الإستراتيجية لا تدعو لزيادة أعداد الجنود بشكل كبير أو حتى ملحوظ، فضلا عن عدم تبنيها لإجراء تغييرات لافتة أو مفاجئة في أنظمة التسليح المخطط لها سابقا والجاري تنفيذها حاليا.

فعلى سبيل المثال فإن عدد القوات البرية العاملة في الجيش الأمريكي سوف يتراجع عام 2011 لما كان عليه قبل عام 2001 بحيث يصل إلى 482400 جندي، كذلك سوف يقل عدد أفراد القوات الجوية بنحو 40 ألفا، على أن يوازي هذا النقص زيادة في أعداد القوات الخاصة (عددها الآن 52 ألفا) بنسبة 15%، بما في ذلك القوات السرية "دلتا" التي تعمل في مكافحة "الإرهاب" الآن.

أدوار متعاظمة للقوات الخاصة

المراجعة الأخيرة دعت لزيادة عدد كتائب القوات الخاصة البرية بنحو الثلث، وهذه القوات مدربة على عدة لغات محلية وعالمية ويمكنها المحاربة جنبا إلى جنب مع أفراد أو مقاتلين محليين إذا تلاقت الأهداف والمصالح. كذلك أوصت المراجعة بزيادة أطقم القوات الخاصة البحرية المعروفة باسم سيل، فضلا عن التوصية بإنشاء وتدريب فوج جديد من الطائرات تطير بدون طيار وتعمل في صفوف القوات الخاصة "لرصد واستهداف قدرات العدو" في البلدان التي يصعب الوصول لأراضيها.

فضلا عما سبق فإن وحدات العمليات النفسية سوف تستقبل زيادة وفق بعض خطط الإستراتيجية نحو 3500 فرد بزيادة قدرها 33%، على أن تنشأ الفيالق البحرية قوات خاصة قوامها 2600 فرد تكون مهامها الأساسية تدريب العسكريات الأجنبية الموالية لأمريكا، والقيام بأعمال استطلاع متقدم، واستطلاع بالقوة وهو نوع من الاستطلاع يتم فيه قياس قدرات العدو عن طريق الاشتباك معه.

وجاء في الملخص أيضا "أن القوات الخاصة سوف تزيد قدرتها على أداء مهام تتطلب جهدا أكثر ووقتا أكبر، وهي مهام وإن كانت سرية أو غير مباشرة، فإن الطلب والحاجة يتزايدان عليها لا سيما في البيئات التي تحمل حساسية سياسية أو المناطق المعادية التي يصعب على القوات العادية الوصول إليها". ففي عام 2007 سوف يكون ممكنا تسليح القوات الخاصة بغواصات بحرية معدلة كل منها يحمل 150 صاروخ توماهوك كروز للوصول إلى "الأماكن المنيعة" وضرب أهداف وأشخاص ذوي حصانة ومنعة.

"القوات الخاصة سوف يكون لديها القدرة على العمل في عشرات البلدان في وقت واحد"، ويمكن نشرها لفترات زمنية ممتدة (للعمل داخل أراضي الأعداء أو التي يوجد بها عداوات للولايات المتحدة)، وسوف تعمل في بعض الأحيان على "بناء علاقات مع العسكريات الأخرى وأفراد الأمن" بالدول الصديقة.

ولشن ضربات وهجمات ضد الإرهاب والأعداء الآخرين فإن قوات "دلتا" وأطقم "سيل" سوف "تكتسب قدرات عضوية لرصد وتتبع الأفراد الخطرين والأهداف عالية القيمة عالميا". كذلك يقتضي النمو في المهام الموكلة لأفراد العمليات الخاصة "رصد وتتبع والتعامل الآمن مع الأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية"، ومنع استخدامها أو نقلها من بعض الدول ككوريا الشمالية إلى الإرهابيين.

ملامح أساسية

ليس جديدا على الممارسة الفعلية لتاريخ العسكرية الأمريكية أن تطلق اسم "دفاعية" على إستراتيجياتها رغم أنها هجومية بالأساس، لكن الإستراتيجية الأخيرة ترسخ ذلك بشكل واضح فهي تتحدث عن شن هجمات والقيام بعمليات في عشرات البلدان في وقت واحد، وشن حربين في الوقت نفسها، والإطاحة بأنظمة أو حكومات، وطائرات استطلاع في أراضي من تعتبرهم أمريكا أعداء لكنها لا تستطيع الوصول إليها بسهولة.

الملمح الثاني أنها ترسخ بشكل فج الإمبراطورية الأمريكية كقوة عظمى في تسيير وإدارة شؤون الكون، وتكريس عسكرة الفضاء والبحر. وليس أدل على ذلك من اتساع نطاق عملياتها ليشمل أرجاء المعمورة كافة بعد أن كان مقتصرا على 4 مناطق فضلا عن التأكيد على أن كل عملياتها العسكرية إما أن تنطلق من خارج الأراضي الأمريكية، أو تُشن ضد أهداف خارجها. وليس أدل على ذلك من اقتضاب ذكر كيفية تحصين الأراضي الأمريكية داخل حدودها الوطنية وجعلها منيعة.

الملمح الثالث هو عامل الوقت الذي كان يميز الحروب الأمريكية بتكسيح قدرات العدو في حرب "خاطفة" سريعة، وهذا يعني إدارة الصراع وكسبه في أقل وقت ممكن. الآن تقبلت العسكرية الأمريكية ما فرضته التجربة في ظل حربي العراق وأفغانستان من منازلة عدو غير تقليدي إلى القتال في حروب غير نظامية من ناحية، ورضخت لمقتضيات الوضع بالانجرار لحروب شوارع تحت ضغط وسائل الخصم وقدراته.

أخيرا فإن تلك الإستراتيجية هي الأولى التي تلم شتات المهام العسكرية المترامية في معظم أنحاء المعمورة، والعمليات الحربية التي تقوم بها العسكرية الأمريكية سواء خارج البلاد أم داخلها منذ أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001.

بهذه الإستراتيجية يكون وزير الدفاع الأمريكي "دونالد رامسفيلد" وجوقة المحافظين الجدد الذين تغص بهم أروقة البنتاجون قد أعدوا المراجعة الثانية لهم، استمرارا للتخطيط لعقود قادمة، وليكون هذا الوزير أول وزير دفاع أمريكي يضع وينفذ إستراتيجية دفاعية وينفذها ويخرج بخبرة تؤهله لوضع إستراتيجية تالية.

وهذا الوضع يجعل من الصعب جدا على أية إدارة ديمقراطية قادمة للولايات المتحدة الأمريكية تغييرها لا سيما وأن الإدارة الحالية استطاعت استثمار مناخ الرعب بعد هجمات سبتمبر، وزادت عليه بتغيير المزاج الأمريكي العام لقبول سياسات وأوضاع استثنائية سواء أكانت أمنية أم دفاعية أم غيرها، ومن ثم فإن امتداد وتفعيل هذه الإستراتيجية غالبا سيسود خلال العقدين القادمين بتغييرات طفيفة.

وكالات
15/2/2006

أضف تعليق