من المواقف الخالدة والصفحات المشرقة في تأريخ شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) التي تدل على النموذج والقدوة والمثال، في القيادة والفروسية، والجماعة والمشورة، والدعوة والتربية.
اذ كان امام الأمة، وقائد جماعة، وفارس معركة، ومرشداً ومربياً لجيل عظيم من الدعاة والعلماء والعباد، مؤمناً حقاً بالله، عاملاً بشريعته، متوكلاً حق التوكل عليه، معتزاً بحوله وقوته، موقناً بفرض الجهاد الذي هو من أفضل القربات إلى الله تعالى، وهو يضرب أروع الامثلة والمواقف المحمودة للعالم العامل، والمؤمن القوي، والمجاهد الصابر، والمرشد الفاضل، وبذلك أحيا أمة وسنة، وامات باطلاً وبدعة، ورد أعظم وأخطر عدوان على الاسلام والمسلمين ودولتهم من التتار والصليبيين والملاحدة والباطنيين، وكما هزمهم في سوح الجهاد والقتال هزمهم كذلك في ميادين الحجة والبيان.
((بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)).
فكان للشيخ جماعة وانصار واصحاب واعوان يقتدون به ويأتمرون بأمره باقامة التعزير على أهل المعاصي والفواحش، وكسر أواني الخمور وأراقها، مما فرح الناس بذلك. (ابن كثير: البداية والنهاية 19/14. احداث سنة 699 هـ).
واعلن الجهاد على التتار، واستنفر الأمة لذلك، وهو يتصرف كمرشد أمة وقائد جماعة، فيقول: (فالله الله، عليكم بالجماعة والائتلاف على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله، يجمع الله قلوبكم، ويكفر عنكم سيئاتكم ويحصل لكم خير الدنيا والآخرة..). (مجموع الفتاوى 410/28 ، 431). ولم ينتظر الشيخ وجود إمام عام عادل، لعدم وجوده شرعاً، وانما جاهد مع الأمراء، وخرج بنفسه واصحابه، ودفع عن أرض الاسلام وحماها ما استطاع.
وحرصاً على أسرى المسلمين، أرسل ابن تيمية رسالة إلى رئيس قبرص (سرجوان) الذي يأمره بها بتسليم أسرى المسلمين، وعدم الحاق الضرر والأذى بهم، ويتهدده، فتحقق له ما أراد. (مجموع الفتاوى 601/28).
ولما زحف التتار على الشام سنة (699 هـ) تملك الرعب قلوب الناس، فذهب ابن تيمية إلى ملك التتار (غازان) وتكلم معه كلاماً شديداً وزجره، لغرض أخذ الأمان لأهل دمشق ثم ايقاف زحفهم الداهم وانقاذ العباد والبلاد منهم، واجتمع بالملك (غازان) مرتين، ونجح في مسعاه. (ابن كثير: البداية والنهاية 89/14 ابن الوردي: التأريخ 287/2).
وهذه المواقف تدل على انه كان يتصرف كالامام والقائد والمرشد والمعلم، فتحمل اعباء الأمر بنفسه، وضرب أروع الامثلة في الشجاعة واليقين بنصر الله، ودرء الخطر عن المسلمين، وسد ما يمكن سده من الثغور التي فتحت على المسلمين.
وفي سنة (700 هـ) اشتد خطر التتار على الشام، فخرج ابن تيمية إلى أهل الشام ونائبهم، فثبتهم وقوى جأشهم ووعدهم النصر على الاعداء، ان صبروا وأعدوا العدة للقاء العدو، وتلا قوله تعالى: ((وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ)).
ثم ذهب إلى مصر يستحث السلطان ان يجيء بالجيش لانقاذ الشام من التتار، فخرجوا وكان الظفر والنصر. (ابن كثير: البداية والنهاية 15/14. ابن رجب: الطبقات 395/2).
وعملاً بقوله تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)).
قام الشيخ وانصاره يؤازرونه مع خلق كثير، قائداً لهم أو قائداً وجندياً على ازالة المنكرات وقتال المفسدين في شوال سنة (700 هـ) في ناحية جبال (الجرد وكسروان) بسبب فساد نيتهم وعقائدهم الباطنية وضلالهم وولائهم للتتار، فلما وصلوا إلى بلادهم، جاء رؤساؤهم اليه معتذرين، فاستتابهم وبين لهم الحق، فحصل بذلك خير كثير وانتصار كبير. (ابن كثير: البداية والنهاية 12/14).
ومارس الشيخ ابن تيمية القتال بنفسه مع جماعته وانصاره في رمضان سنة (702 هـ) في واقعة (شقحب) التي جمع فيها التتار جموعهم واستعدوا لها، وبلغت القلوب الحناجر وزلزل الناس زلزالاً شديداً، حتى انتهت بنصر الله المسلمين نصراً مؤزراً ((وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)). (ابن كثير: البداية والنهاية 25/14).
قال الحافظ الذهبي في ترجمته له: (-ان الله- أحيا به الشام، بل والاسلام بعد ان كان ينثلم بتثبيت أولي الأمر لما أقبل حزب التتار والبغي، في خيلائهم، فظنت بالله الظنون وزلزل المؤمنون واشرأب النفاق وأبدى صفحته). (ابن رجب: الطبقات 390/2).
وفي سجن الاسكندرية، يرسل رسالة إلى جماعته في بيان عذوبة البلاء في سبيل الله، وما فيه من الخير لعباده، فيقول: (.. واخبار الجماعة بان نعم الله علينا فوق ما كانت بكثير، ونحن نحمد الله في زيادة من نعم الله، وان لم يكن خدمة الجماعة باللقاء، فانا داع لهم بالليل والنهار قياماً ببعض الواجب من حقهم، وتقرباً إلى الله تعالى في معاملته فيهم..). ثم يأمر أتباعه بالتقوى، فيقول: (والذي امر كل شخص منهم ان يتقي الله، ويعمل لله مستعيناً بالله مجاهداً في سبيل الله، ويقصد بذلك ان تكون كلمة الله هي العليا، وان يكون الدين كله لله). (مجموع الفتاوى 30/28).
ويرسل ابن تيمية (رحمه الله) رسالة أخرى وهو في السجن يعتذر فيها لبعض أفراد جماعته من استعمال الشدة مع بعضهم أحياناً من أجل تقويمه مع بيان منهجه في التربية.
ومثل هذه الرسائل لا تصدر الا من قائد جماعة تلتزم بأمره، وتعمل بمشورته، وتتواصل معه، متآلفة ومتعاونة، وهذا ما تقتضيه الأمانة والولاية والرعاية والتقويم والنصح لله وفي الله.
فيقول رحمه الله: (وتعلمون انا جميعاً متعاونون على البر والتقوى، واجب علينا نصرة بعضنا بعضاً، اعظم ما كان واشد). ويقول: (من ظن ان المؤمنين يبخلون عما أمروا به من التعاون والتناصر، فقد ظن ظن سوء (وان الظن لا يغني من الحق شيئا). وما غاب عنا أحد من الجماعة أو قدم الينا الساعة أو قبل الساعة الا ومنزلته عندنا اليوم اعظم مما كانت عليه وأجل وارفع). (مجموع الفتاوى 52/28 - 56).
وتحدث عن الحزب والتحزب، فقال: (.. واما رأس الحزب، فانه رأس الطائفة التي تتحزب، أي تصير حزباً، فان كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم.. فان الله ورسوله أمرا بالاجتماع، ونهيا عن التفرقة والاختلاف). (مجموع الفتاوى 92/11).
من هذا كله يتضح دور ابن تيمية البارز ومنهجه وفقهه في القيادة والارشاد والجهاد والعمل الجماعي، وفقهه لمقاصد الشريعة وأصولها وقواعدها.
قال القرافي: (الجمود على المنقولات أبدا، ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضيين). (الفروق 176/1).
في كل ذلك كان رحمه الله النموذج الذي يقتدى به، والمثال الذي يظل لمن بعده مثلاً يقتدى في التصدي للاخطار التي تحيط بالمسلمين من كل جانب.
البصائر العراقية
ابن تيمية.. القائد والمرشد
