لا شك أن فكرة الجماعة في الوعي الإسلامي على نحو ما بدت عليه في بدء أمرها في منتصف القرن الهجري الأول إنما أتت محمولة في ركاب وعي، صنعته خبرة الفتنة والحرب الأهلية التي مزقت وحدة المسلمين، منذ الهزيع الأخير من الخلافة الثالثة وإلى مبايعة معاوية بن أبي سفيان في (عام الجماعة).
كانت الفكرة محاولة للتشديد على المشتركات العقدية والشرعية في مواجهة زمن الفتنة وما حمل، وشكلا من استعادة نوستالجية (الحنين إلى الماضي) للحظة ميلاد الجماعة وتماسكها في العهد النبوي وما أعقبه مباشرة، قبل انفراط عقدها في الصراع المرير على السلطة.
يتذكر مسلمو تلك الفترة (المكلومون بتجربة الفتنة والاقتتال) -بالمعاينة والمعايشة أو بالرواية والإخبار- أنهم كانوا جماعة في عهد نبيهم و الثلاثة الأول من خلفائه. كانوا جماعة اعتقادية منحها الوحي تماسكها، وأسس لماهيتها كأمة مؤمنة وضعت وثنيتها والشرك خلفا، ففاءت إلى رسالة دعتها إلى معرفة النبأ العظيم، فرأت في اجتماعها على الرسالة اصطفاء إلهيا لها من دون سائر الأمم. ثم صاروا جماعة سياسية في المدينة يقوم سلطانهم على القرآن، ويهتدي أمر دنياهم -كالدين- بأمر صاحب الوحي والرسالة وقائد دولتهم: القائم عليهم والقائم بينهم. وما كان من الصورة تلك سوى أن ظلت تجهز خيالهم الجمعي بالمعاني المختلفة التي تعيد إنتاج فكرة الجماعة لديهم.
وليس من لحظة أكثر استدعاء لفكرة الجماعة، وحمْلا للناس على التوسل بها، من لحظة الانكسار والقلق والضياع كتلك التي عاشوها وهم يعاينون كيف تنتهي وحدتهم إلى فُرقة، وعصمة دمائهم وحرمتها إلى زوال، وتماسك اجتماعهم السياسي إلى انفراط، بعد أن قاتل الصحابة وتبعهم في ذلك التابعون. يعرفون أنهم إذ ينفرون النفرة الكبرى إلى الجماعة إنما يخلفون وراءهم قسما ليس من الجماعة، وليس يقبل بالمقدمات الجديدة التي قامت عليها بعد الحرب الأهلية، وهي مقدمات دموية، ولا بالنتائج السياسية المحمولة على فكرة الجماعة أو الناجمة عنها.
يعرفون ذلك بالتأكيد، لكنهم ما كانوا أمام ترف الاختيار بين جماعة ممكنة أقل كلفة من التذرر الديني، وجماعة تأريخية مستحيلة ينتمي التفكير فيها إلى الطوبى؛ أي بين جماعة تأريخية وجماعة معيارية. كانوا أقرب إلى استنقاذ ما تبقى من وحدة الجماعة الأصل.
التنظير للجماعة
سيقع التنظير لاحقا للجماعة.. الإمام الشافعي ثم أبو الحسن الأشعري من الرعيل العلمي الأول الذي سيقدم تأهيلا للفكرة تلك. يرفع الأول الإجماع (اتفاق الجماعة) إلى مرتبة الأصل من أصول التشريع. أما الثاني فيمتص غلواء التأويل عند المعتزلة -وكان منهم- كي يكف الاختلاف عن الجماعة ويمنعه عنهم. سيقال: إنهما وآخرين (الغزالي، والجويني، والماوردي) من أهل السلطان الذي لا يدرك فكرة (الجماعة) إلا في علاقتها الأيديولوجية به.
وقـد يقـال: إنهم من المستمسكة بالنص، المنحـازين ضد التأويل والعقل، والنص ثقافة الجماعة (هنا بمعنى العامة أو سواد الناس)... إلخ. وإذ نتجاوز هذا الاستدراك النقدي الذي يقدح في مكانة العقل عند هؤلاء وأولاء من مفكري الإسلام؛ لأنه ممنوع من الإعراب.. نذكر بجداليات ابن رشد الفقهية الثلاث (فصل المقال.. الكشف عن مناهج الأدلة.. تهافت التهافت)؛ فند ابن رشد علم الكلام ليس فقـط لأنه أدنى مرتـبـة وحجية من الخطاب البرهـاني (بدليـل أنه أقر الناس على معارفهم الخطابية غير الجدلية)؛ بل لأنه بث الفرقة في صفوف الجماعة وأشـاع فيها الانقسام.
الحساسية من الفتنة والفرقة شديدة إذن، ولازمت أجيالا متعاقبة من مفكري الإسلام في العهد الوسيط. لكنها ليست حساسية فكرية فحسب، وإنما هي اجتماعية وسياسية ووجدانية في المقام الأول، وما كان مظهرها النظري إلا أمرا تاليا في الزمان، وإن ساهم هو نفسه في إعادة إنتاجها ضمن بنائه وتأهيله لفكرة الجماعة.
ليسوا فِرقة بل جماعة
من النافل القول بأن الجماعة وجمهورها وألسنتها هم من سموا أنفسهم (أهل السنة والجماعة) منذ الصدر الأول، أُولاء نظروا إلى أمر الخلاف الذي دب في الأمة بحسبانه ابتلاء لامتحان وحدتها، واشتقوا من وقائعه درسا: الاعتصام بالكتاب والاستمساك بالسنة والاقتداء بالسلف الأول، والإعراض عن الجدل في العقائد؛ فكان أن التزموا الأشعرية في العقيدة وفقـه الأربعة في الشريعة، ونأوا بأنفسهم عن الصراع مع (الملك العضوض)، وسلموا بشرعية الخلافة على علم بعض فقهاء السياسة الشرعية عندهم أن نصابها من الشرعية الدينية قليل. وهكذا انصرفوا عن فرق الإسلام الأخــرى، فــما حســبوا أنفسهم فـــرقة بل جماعة لا تكون أمة المسلمين إلا بها.
ربما كان احتسابهم أنفسهم جماعة أمرًا في عداد ما سميناه بالاستعادة النوستالجية (الحنين للماضي) لفكرة الجماعة الاعتقادية، والجماعة السياسية الموحدة الأولى التي نشأت في المدينة. ومع ذلك في الوسع أن نقول: إن اختراع فكرة الجماعة -بعد انفراط عقدها- كان شأنا محمودا وذا نتائج سياسية واجتماعية بعيدة الأثر في التطور التأريخي الإسلامي اللاحق. إذ حفظ لـ(أهل السنة والجماعة) وحدة جماعتهم لتستعصي على الانشقاق والانقسام والفرقة. ولم يكن ذلك تفصيلا في أزمنة وتواريخ أزمَنَ فيها الخلاف والانقسام، وكادت الأمة الروحية فيها أن تذوي شخصية وكيانا وفكرة.
ومن المؤسف أن هذا الميراث العظيم الذي انتهى إلينا في عهدنا الحديث واسمه (الجماعة).. يعرضه بعض (أهل السنة والجماعة) إلى التبديد حين يخف إلى النزول بالجماعة إلى مستوى الطائفة! ذلك ما نستفيده من الإقدام على تشكيل (تكتل) لحماية (الحقوق) المهضومة من جانب طوائف أخرى، لتتحول الجماعة هنا إلى مجرد فرقة تتقاتل من أجل حصة. أما مشروعها التوحيدي الكبير، فينتقل إلى مجرد خطاب.. ولكن هذه المرة من دون قاعدة مادية!.
البصائر العراقية
الجماعة.. ووظائفها في الإسلام ... عبد الإله عزيز
