من يتابع الثورات العربية يجدها تنقسم إلى نوعين اثنين – حتى الآن -، فالنوع الأول (ثورات شعبية بحته)، أما النوع الثاني فهي (ثورات بتحريك وتدخل خارجي)، وربما يرفض البعض هذا التقسيم فلا يقبل أي توصيف لهذه الثورات إلا من منطلق الانحياز للشعوب.
ونحن نتحدث عن الثورات الراهنة فلا يمكننا تجاهل التاريخ القريب؛ فقد سبقت الثورة التونسية ثورة في مكان آخر، وان كانت تختلف بعض الشيء من حيث المطالب المعلنة للثائرين، ومن حيث الأدوات المستخدمة في الثورة؛ إلا أنها تجتمع في إطار الحرية والكرامة، هذه الثورة هي الثورة العراقية، وقد تميزت هذه الثورة بأنها لم تأخذ وتيرة واحدة، فقد ابتدأت بالمظاهرات الرافضة للاحتلال والمطالبة بخروجه، ثم تحولت إلى مرحلة عسكرية وهي مرحلة حمل السلاح من قبل الأهالي والمواطنين العراقيين في بداية الاحتلال لمواجهة العنف الأمريكي وصد حملته العسكرية، ثم ها هم أغلب العراقيين اليوم يعاودون تجربة المظاهرات السلمية، وقد شهدت الساحة العراقية العديد من التظاهرات في مختلف المحافظات، والفارق بين الثورة العراقية وبين غيرها أنها – أي العراقية - لم تجد ذلك الاهتمام الإعلامي كما في غيرها، ولا الموقف السياسي المؤيد بخلاف تأييد غير رسمي تجسد في بعض المواقف الشعبية الخجولة.
والنوع الأول من الثورات وهي (الثورة التونسية والعراقية واليمنية) تشترك في صفة واحدة أنها ثورات داخلية، فلا تكاد توجد في أروقة الشوارع الثائرة ملامح التدخل الخارجي أو النفوذ الأجنبي، فليس لأحد دور – ظاهر - في تسيير المتظاهرين أو التحكم في منطلقاتهم أو توجهاتهم، وربما تميزت الثورة التونسية بسرعة الإنجاز بعد أيام قليلة من صبرهم وكفاحهم ضد الظلم واستبداد النظام الحكام، أما الثورة العراقية فهي مستمرة لا تزال تكافح وتناضل منذ احتلال العراق والى الآن، ولكن تميزها جاء في إفسادها للمشروع الأمريكي في المنطقة، فالثورة العراقية ليست منحصرة في العراق فقط وإنما اتسعت ثورتها لتشمل الأقطار العربية بمواجهة المشروع الأمريكي في المنطقة والوقوف بوجهه بإمكانيات عراقية محلية ولم تكن هناك أي يد خارجية أو تدخل أجنبي في الوقوف مع العراقيين في محنتهم ولا مشروعهم.
أما الثورة اليمنية فهي وإن تدخلت دول الخليج في مسرح المشهد السياسي؛ لكنها تبقى ضمن النوع الأول فهي تختلف عن حالات التدخل التي رأيناها في النوع الثاني (ليبيا ومصر والبحرين)؛ فإن تدخل مجلس التعاون الخليجي جاء لعلاج المشكلة اليمنية بين أطراف الصراع فيها.
وعلى العكس من ذلك تماما - من وجهة نظري - فإن النوع الآخر من الثورات رأينا فيها تدخلا أجنبيا واضحا، فقد تحولت المطالب الجماهيرية إلى مطالب دولية، مما حرف بوصلتها من ثورة شعبية داخلية تتطلع إلى الحرية والكرامة وتسعى لبناء دولتهم ذاتيا؛ إلى ثورة تعتمد في كل شيء على دول أجنبية مقابل إعلان الثوار استعدادهم لرد الجميل لتلك الدول، فخرجت من عبودية داخلية إلى عبودية وتبعية خارجية، فالثورات التي كانت على هذه الشاكلة هي الثورة البحرينية والليبية والسورية نعم ربما أن بعضها بدأت ولأول وهلة على أنها ثورة شعبية إلا أنها تبينت في منتصف الطريق أن الأيدي الخارجية قد لعبت دورها في تحويل مسار هذه الثورات إلى تغير أنظمة من قبل دول معادية لهذه الدول.
وإذا أردنا التفصيل في كل حالة على حدة؛ لوجدنا أن في ثورة البحرين تدخلا وتحريكا خارجيا من قبل إيران، وذلك محاولة منها في أن تركب موجة الثورات العربية لتحقق أطماعها في المنطقة وتتمدد جغرافيا.
أما في الثورة الليبية فقد بدأت داخلية ولكنها انتهت بتدخل خارجي، وبعد أن كان الصراع بين شعب مضطهد وحكومة مستبدة طاغية؛ أصبحت المعارك من أجل تأمين مصالح الغرب في البترول الذي تنتجه ليبيا.
وفي الثورة المصرية كان هناك تمازجا بين الداخل والخارج عندما جاء البرادعي وحاول أن يركب موجة الثورة ليحقق مأرب أجندة خارجية، ولكن الصفة الداخلية تغلبت على الخارجية بعد منتصف الثورة مما أدى إلى سيطرة الشارع من جديد على مسار الثورة – على الأقل حتى هذه الأيام -.
وليس سرا أن الخطر يكمن في النوع الثاني؛ وذلك لأن التحول من السيطرة الداخلية إلى الخارجية له تبعاته، ولنأخذ ليبيا مثلا؛ فإن الحلف الأطلسي سوف يقوم بفرض إراداته على هذه الثورة وأصحابها من خلال التبعية الاقتصادية ثم السياسية، فسيضغط على هذه الثورة من أجل تحصيل الأموال التي دفعها لهم وتكاليف الهجمات العسكرية التي شنها على مواقع الحكومة الليبية، وقد لاحظنا ذلك من أول يوم للهجمات فخرج متحدث باسم البيت الأبيض يتحدث عن الأموال والتكلفة التي تحملها من خلال الضربات الجوية والدعم اللوجستي للثورات؛ مما يعطي إشارة إلى أن هذه الأموال سوف تسترد من الليبيين سواء سيطر الثوار أم لم يسيطروا، وكلها سوف تنهك الاقتصاد الليبي من جديد.
وهذا النوع سيخلف لنا تبعات سياسية واقتصادية جديدة قد تمهد إلى التحكم الأجنبي بمقدرات البلاد مرة أخرى، فإنني أعتقد أن هذه الثورات - التي كانت اليد الخارجية فيها واضحة - هي جزء من مشروع الشرق الأوسط الجديد بعد أن عجزت الولايات المتحدة الأمريكية في تنفيذه من خلال السيطرة على العراق، وبهذا فقد وجدت أمريكيا لها منفذا آخر من خلال تقديم المساعدات للثورات الشعبية، وسيفتح لها متنفسا لتنفيذ سياستها الإستراتيجية تجاه المنطقة.
ما الخطر الذي ينتاب الثورات العربية؟؟ علي العبد الله..
