في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ العراق والأمة العربية والإسلامية يبدو لنا ان (ثورة العقال) هو الاسم المناسب لحركة الاحتجاجات الشعبية والعصيان المدني والمظاهرات السلمية والاعتصام المفتوح الذي بدأته القبائل والعشائر العربية في العراق وخصوصا في الموصل،
ومن وراء الموصل تكريت، من اجل التغيير، وفي سبيل تحقيق مطالب الشعب العراقي المتمثلة بالاستقلال والانعتاق والتحرر من نير الاحتلال الأجنبي واستعادته وحدته ودوره.
وكان العالم في حقبة التسعينيات وما بعد الألفية الميلادية الثانية قد شهد موجة ثورات شعبية- سلمية عرفت بـ الثورات الملونة او الثورات المخملية أو الثورات الناعمة للإيحاء بأن التغيير المنشود ناعم نعومة الورود والمخمل بألوانه المختلفة (والمُخْمَلُ -في المعاجم- : ثوب له خَمْلٌ وهو كالهدب في وجهه، والخميلة روضة تنمو فيها الزهور وباقي النباتات). هذا مع الحرص على استخدام وشاح ذي لون محدد أو زهرة كرمز، وقد حافظ المشاركون فيها على اخص خصيصتين لها وهما:
-الاعتماد على حركة الجماهير الجارفة لكل من يقف أمامها.
- واللجوء إلى مبدأ (اللا عنف) ، على الرغم من محاولات المستبد الداخلي والخارجي المميتة جرها اليه.
ومن تلك الثورات: الثورة الوردية في جورجيا، والثورة البرتقالية في أوكرانيا، وثورة الأقحوان في قرغيزيا، وثورة الأرز في لبنان، وثورة الزعفران في بورما (ماينمار) ، والثورة القرمزية في التبت، وحملت عدد من الثورات في العقود الغابرة اسم الثورة البيضاء.
ويستمر مسلسل ثورات الزهور الندية، والنباتات الطرية، والألوان الزاهية، والمخمل او الاقمشة الرقيقة، وتطلع شمسها في هذا العام 1432 هـ 2011 م على بلاد العرب، فقامت ثورة السوسن أو الياسمين في تونس، وثورة اللوتس في مصر، فما هو الاسم المختار لثورة القبائل والعشائر العربية في العراق على الاحتلال والحكومة الفاسدة ؟!
والجواب: ان الاسم المختار لها من قبل كثير من أهلها هو (ثورة العقال) وذلك للدلالة الرمزية للعقال، فإنه (هوية) فوق الرؤوس، ووثيقة بالنسب العربي للشعب العراقي بكافة أديانه وطوائفه وأعراقه، وذلك لأن العربية لسان الإسلام والشرق، فهي بهذا الاعتبار ليست حكرا على الناطقين بها، بل إنها للكرد والتركمان ولكل الأقوام المسلمة والشرقية كما أنها للعرب، وقد اكد علماء اللغات عالمية اللغة العربية، فإنها اللغة الأم والوحيدة للدين الاسلامي، واللغة الأولى والسيدة للشرق، والعقال اليوم مرتبط بأهل الضاد، ودلالاته كثيرة لعلها أهمها دلالته على الانتماء، ودلالته على كمال الرجولة.
و (ثورة العقال) اليوم الامتداد الطبيعي، والوارث الشرعي لـ (ثورة العقال) بالأمس، وهي ثورة العشائر العراقية في عام 1920م وهي المكمل والمتمم بالوسائل السلمية لـ (ثورة العقال) المسلحة، المتمثلة بالمقاومة العراقية الباسلة، بل هما وجهان لعملة أصيلة واحدة.
و هذا الاسم يمكن إطلاقه على ثورة العراق التحررية، ثورة 22 ربيع الاول 1432 هـ 25 شباط/ فبراير 2011 م بكافة صفحاتها وليس على الصفحة الرئيسة والأساس فيها وهي ثورة القبائل والعشائر.
وقد اعتملت في الأذهان أسماء أخرى لثورة العراق التحررية مثل (الثورة الزرقاء) و (الثورة الخضراء) لدلالة اللون الأزرق على الماء، بسبب انعكاس صورة السماء على سطحه المواجه لها، والعراق برافديه الخالدين (دجلة والفرات) أغنى دول العالم في مجال الثروة المائية، فيما يرمز اللون الأخضر إلى خضرة ارض العراق المعروفة بأرض السواد (والسواد هو اشتداد الخضرة والخصب كناية عن «سواد» جنة ما بين النهرين) .. وأخيرا يطلق على ثورة العراق التحررية اسم (ثورة النخيل) وذلك لرمزية النخلة عند العراقيين، وعموم العرب، والمسلمين تبعا لهم.
وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، قال الفيروز آبادي في كتابه بصائر ذوي التمييز (ج 1 ص 88) : " أعلم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى أو كماله في أمر من الأمور، أما ترى أن كثرة أسماء الأسد دلت على كمال قوته، وكثرة أسماء القيامة دلت على كمال شدته وصعوبته، وكثرة أسماء الداهية دلت على شدة نكايتها، وكذلك كثرة أسماء الله تعالى دلت على كمال جلال عظمته، وكثرة أسماء النبي صلى الله عليه وسلم دلت على علو رتبته وسمو درجته، وكذلك كثرة أسماء القرآن دلت على شرفه وفضيلته" .
العراق وثورة العقال ... د. ثامر براك
