هيئة علماء المسلمين في العراق

الاستهزاء الآثم.. والرد الحاسم!!.. د.عبد الله فرج الله
الاستهزاء الآثم.. والرد الحاسم!!.. د.عبد الله فرج الله الاستهزاء الآثم.. والرد الحاسم!!.. د.عبد الله فرج الله

الاستهزاء الآثم.. والرد الحاسم!!.. د.عبد الله فرج الله

قلوب مكلومة، وجروح بليغة، ودموع حارقة، وغضبة إيمانية كبيرة، ومشاعر صادقة، وردة فعل قوية، كل ذلك يعكس حجم المأساة التي لم يكن يتوقعها من قام بها، ولم يحسبوا لها هذا الحساب، ظناً سيئاً منهم، يؤكد جهلهم بالمسلم، عقيدة وانتماءً وتقديساً لرموزه الدينية. العالم كله الآن يقف مشدوهاً أمام هذه الغضبة المحمدية، في حيرة شديدة، تراه متعجباً تارة، ومستغرباً تارة أخرى.. ومتسائلاً تارة ثالثة.. لا يجدون لأسئلتهم جواباً، ولا لحيرتهم بياناً.. ففي ثقافتهم (الهابطة) لا يوجد مقدس.. يعلو فوق حرية الرأي، أو ينزه عن النقد.

لقد كانت هذه الغضبة المحمدية، ومن قبلها بشهور الغضبة القرآنية، درساً قاسياً وعظيماً، لهؤلاء القوم، الذين لا يكادون يفقهون حديثاً، عله يوقظهم من غفلتهم، ويرجع إليهم جزءاً من رشدهم، إن بقي منه شيء.. وهو في الحقيقة دعوة حقيقية لعقلائهم، للنظر في هذا الدين، والتفكر في حقيقته.. التي تدفع الأبيض والأسود، الذكر والأنثى، الكبير والصغير، ممن ينتمون إلى جنسيات متعددة، وألسنة مختلفة، وأعمار متباينة.. لهذه الوقفة العظيمة الكريمة العزيزة.. نصرة لرموزهم الدينية المقدسة.. «لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ»(النور:11).

نعم، هو خير لنا، بكل المقاييس، فما كان لنا أن نقف على هذه المكانة العظيمة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، في نفوس المسلمين، وأن يكون الرسول حديثاً على ألسنة الملايين، وشغلهم الشاغل، وقضيتهم الحقيقية، وهمهم المسيطر، لولا هذا السفيه الصقيع ومن وقف معه.

ظن القوم أنهم نجحوا في جهودهم المدعومة بملياراتهم، والمؤسسة على قواعد علمية (شيطانية) اتفق عليها خبراؤهم في لجان شكلوها، وبعثات أرسلوها، والمسخر لها كل وسائل (التكنولوجيا) التي اخترعوها، ظنوا بعد كل هذا أنهم نجحوا بتغريب المسلم، ونزعه من جلده الإسلامي، وأنه غدا لقمة سائغة للأفواه العفنة، والأيدي المتسخة، والقلوب الميتة، والعقول الفاسدة، التي لا تحترم الآخر أو تقيم له وزناً.. لقد خاب سعيهم، وضل جهدهم، وطاش سهمهم، وصدق الله العظيم: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ» (الأنفال:36).

وقفة عززت في النفس الثقة بأن الإسلام أقوى، وأن المستقبل لهذا الدين، ولهذه الأمة، التي جعلت من ضعفها قوة، ومن تفرقها وحدة، ومن اختلافها تماسكاً، ومن تباينها تقارباً، أكدت أن الدين وحده هو عامل الجمع والتوحيد، وعامل التحريك والنتشيط، في هذه الأمة.. فليشمر الدعاة إلى الله عن سواعدهم، وليبذلوا كل جهودهم، فالخير في الأمة كبير، رأيناه في مثل هذه المواقف العظيمة، ورأيناه الوقفة الصادقة والجادة في دعم الحركات الإسلامية المقاومة الواقفة في وجه المشروع الأمريكي الصهيوني العالمي في فلسطين والعراق وأفغانستان...الخ.

نعم، رأيناه دعماً مادياً مشكوراً، ودعماً معنوياً عزيزاً، بالانتخاب تارة، وبالصبر وتحمل الأعباء، وتقديم الأبناء والأزواج تارة ثانية، وباستقبال التهاني وتبادلها بتقديم هؤلاء شهداء تارة ثالثة.

نعم، إنها وقفة عززت الثقة، وأحيت النفوس، وجددت الآمال، وأنعشت فينا الهمم.. ثقلت بها الأحمال على كواهل الدعاة، وعظمت بسببها المسؤولية تجاه هذا الدين العظيم، وأهله العظماء.. ولا يجوز أن يكونوا محل تشكيك واتهام من الدعاة والمصلحين، بل الواجب أن ننظر إلى جانب الخير والإيمان العظيم والمخفي نفوس هؤلاء، فنعمل على إثارته وإظهاره.. فلا يخدعنا الشكل الزائف، والمنظر الخائف.. بل نغوص إلى كوامن النفوس، وأعماقها.. حتى نكشف عن هذه اللآلئ الدفينة، والجواهر النفيسة..

وأود أن أؤكد في هذا المقام، أن الحالة التي وصلنا إليها، والتي حذرنا الرسول الحبيب، صلى الله عليه وسلم، من الوصول إليها، وقضى نحبه، والتحق بالرفيق الأعلى، وهو يوصينا وصية المشفق الخائف علينا، من الوصول إلى حالة الضلال والذل والهوان، التي تغري بنا السفهاء، وتطمع بنا الجبناء، فقال وهو يغادر الدنيا: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي».

فهذه هي ضمانة الأمة، حفظاً وعزة وكرامة ونصراً، فلا عزة ولا كرامة دون هذين المصدرين الوحيدين لنصرة الأمة وحفظها.. فهي تزداد منعة، وتعظم مكانة، وتقوى عزيمة، وتكبر همة، وتبسط يدها في العالم سيطرة، كل ذلك يكون بمدى قربها من كتاب ربها، والتزامها بسنة رسولها.

فباعتقادي، أن الرد الحاسم على هذا العدوان الآثم هو العودة الحقيقية لسنة سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عملاً وسلوكاً وتعليماً.. يحمل لواءها الأب والأم في بيتهما، والمعلم في صفه، والمدير في مدرسته، والعامل في مصنعه، والزوج والزوجة في علاقاتهما، والجيران وأهل الحي الواحد في جوارهم، والجندي في معسكره، والمفكر والأديب والشاعر والكاتب في قلمه، والمهندس والمخترع في تصميمه وصناعته.. وهكذا.

فهذا هو الرد الحاسم، الذي يعمق حبنا لرسولنا، ويؤكد صدق ولائنا واتباعنا له.. «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»(آل عمران:31) أن نرفع شعار الاتباع، فنعمل بهديه، ونعلم هديه، فحبه، صلى الله عليه وسلم، ليس خطبة تلقى، أو قصيدة تنظم، أو مقالة تكتب.. بل حبه حياة تعاش، ومنهج يتبع..

نعم، الرد الحاسم، في مواجهة هذا العدوان الآثم، أن يحيا محمد، رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فينا من جديد، بتعاليمه وتوجيهاته، بأوامره ونواهيه.. فهل نتبع الغضبة النبيلة، والمقاطعة القوية، والموقف العظيم، بعزيمة كريمة، وهجرة صحيحة، وتوبة حميدة، ورجعة إلى الله ورسوله.. حباً وانتماء، سلوكاً والتزاماً؟!! بعدها أبشروا فالنصر قريب.. «وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً» (الإسراء:51) وصدق الله العظيم: «إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ »(هود:81).

السبيل الأردنية
14/2/2006

أضف تعليق