ظل العراقيون، ومنذ توقيع الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، يتساءلون عن جدية سحب القوات الأمريكية من العراق، وعن إمكانية تطبيق أحد أهم بنودها، وهو الانسحاب \"الكامل\" بنهاية عام2011.
في الحقيقة ورغم ما ظهر عليه السياسيون العراقيون والأمريكيون من جدية، إلا أن أحدا لم يصدق أن تنسحب قوات الاحتلال من العراق، لا الآن ولا حتى في زمن منظور. فالولايات المتحدة ما جاءت إلى العراق لتغادره بهذه البساطة، لأنها تريد ثمنا لخسائرها التي بلغت آلاف القتلى وقرابة الثلاثة تريليونات دولار حتى الآن؛ ولن ينفعها بشيء أن تكون جائزتها "تحرير العراق" وتترك البلد الأثرى في الشرق الأوسط، وهو الأهم أيضا من حيث موقعه الاستراتيجي الذي يعزز النفوذ الأمريكي، ويجعل واشنطن تسيطر على أضخم ثروة نفطية على امتداد النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، لتتحكم بمصير العالم بأسره.
أما ما يتحدث به بعض السياسيين العراقيين، بخصوص الانسحاب "الناجز" فلا يعد كونه ثرثرة مخمور لا يصدقها السامع وينكرها القائل بعد الصحوة. فهناك واقع حال فرضته قوة الاحتلال وعملت عليه قبل أن تصل جحافل الجيوش الغربية إلى بغداد في نيسان عام 2003، وواقع الحال هذا مضمونه أن الحكام الحاليين يدركون أن وجود القوات الأمريكية على الأراضي العراقية يضمن لهم وجودهم في السلطة، وأن انسحابها يعني الاقتتال فيما بينهم؛ وهو اقتتال عملت أمريكا على أن لا يخرج منه منتصرا. ولهذا نجد من هم في الحكم ومن هم في المعارضة متضامنون على إبقاء القوات الأمريكية إلى أجل غير مسمى.
ثم إن واشنطن خططت ونفذت بدقة، ما صار يطلق عليه بالفتنة الطائفية، فقبل الغزو ما كان العراقيون يتعاملون مع بعضهم على أساس الطائفة أو القومية إلا ما ندر، وما ندر هو أن الحاكم السابق كان يؤجج نار الطائفية أحيانا لهدف معين، وكان حتى تأثير ذلك لن يعمر طويلا، ليعود العراقيون إلى ما جبلوا عليه من اندماج في مجتمعهم. لكن الأمريكيين عمدوا إلى إثارة الفتنة في البدء وظلوا يغذونها إلى الآن. وقد عاونها السياسيون، بعلم أو بدون علم، على أن يظل مصير العراق مرهونا بوجود قوات الاحتلال كي تضمن عدم الانزلاق في أتون حرب أهلية لا تبقي ولا تذر.
وفي غضون السنوات الثماني الماضية، ومع هذا الكم الهائل من مليارات الدولارات التي أنفقت على تسليح الجيش والأجهزة الأمنية العراقية، رغم كل ذلك، لم يتأكد بعد من هذا الجيش إذا كان قادرا على حماية أمن الوطن وحدوده العراقية؟
وحتى يبقى الخطر حاضرا في كل ساعة، فإن واشنطن خططت لتطبيق الفيدرالية في العراق، هي آخر ما توصلت إليه الشعوب في إدارة الدول الديمقراطية!! إلا أن الفيدرالية عندنا صارت هي الخطر الداهم بعد أن تشجعت بعض المكونات العراقية على السيطرة على مناطق لم تكن تابعة لها حسب التقسيم الإداري منذ عام1921 وحتى عام 2003، وهذه المناطق صارت بؤرة للتوتر بين العرب والتركمان والأكراد، والتي أطلق عليها بالمناطق المتنازع عليها، وكأننا نعيش في بلدان متجاورة لا في بلد واحد.. فالمناطق المتنازع عليها هي الآن، القنبلة الموقوتة في شمالي الوطن.
واستطاعت أمريكا، عبر سياستها الهادفة لتمزيق جغرافية البلد جعل هذه المناطق خطرا يهدد الجميع ولا يمكن احتواؤه إلا بوجود قوات أمريكية "حيادية" تدير المناطق المتنازع عليها، وفي حال انسحبت إلى خارجها فإن الحرب العنصرية بين المكونات الثلاثة "عرب، كرد، وتركمان" ستتقاتل فيما بينها ما يجعل فكرة انسحاب القوات الأمريكية من هذه المناطق مقامرة غير مضمونة.
وعلى هذا، فإن كل ما عملت عليه واشنطن خلال السنوات الثماني الماضية كان يصب في خانة مصالحها أولا، ويصعب تحقيق مطالب العراقيين بالانسحاب الكامل. أضف إلى ذلك أن مصلحة السياسيين الحاليين ستكون في مهب الريح لو تم الانسحاب في هذا الوقت.. مما يجعل الأمر وكأنه إذا ما انسحبت القوات المحتلة، فإن العراق سيفقد وحدته، وسيدخل في حرب أهلية، لا ولن يستطيع أي كان إطفاءها.
فالأمريكيون سيبقون في العراق لحماية مصالحهم؛ أما السياسيون العراقيون فإنهم على الرغم مما يتردد على ألسنتهم من حرص على رحيل آخر جندي أمريكي بنهاية هذا العام، فإنهم أكثر المستفيدين من وجود قوات الاحتلال... "لا بعد وقت".
صحيفة العرب بريطانيا
نرحل.. ويبقون! ...غالب زنجيل ...
