أطلق رسمياً من الإدارة الأميركية على عملية غزو العراق واحتلاله اسم (عملية حرية العراق)
وسبق الغزو الفعلي إصدار الكونغرس الأميركي قانوناً سمي قانون تحرير العراق، وخصص لهذا الغرض ملايين الدولارات صرفت على تسليح وتدريب مجموعات خاصة من المرتزقة دربت خارج العراق لترافق قوات الغزو فيما بعد. ولأن الحرية التي يريدها الغرب للعراقيين من الوزن الثقيل فقد حملتها قاذفات B-52أو ما تسمى القلاع الطائرة التي ألقت باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان خلال شهر واحد على المدنيين الأبرياء مازنته 88 ألف طن من القنابل، أي ما يعادل القوة التفجيرية لسبع قنابل ذرية من تلك القنابل التي ألقيت على هيروشيما ونكازاكي، ولم تكتف بذلك فأنزلت على الشعب العراقي الحرية وهي معبأة بعشرات الآلاف من القنابل العنقودية الانشطارية ومثلها من قنابل اليورانيوم المنضب الذي تبقى آثار تشوهاته الخلقية على المواليد الجدد لمئات السنين.
على المستوى الخارجي كانت واحدة من أهم بركات الحرية الغربية استلاب كرامة وسيادة واستقلال العراق، فأصبح بفضل هذه الحرية فاقداً للأهلية القانونية ويئن منذ ثماني سنين تحت بنود الفصل السابع لمجلس الأمن الدولي الذي وضع جميع ثرواته تحت وصاية صندوق، وبدلاً من صرف عائداته النفطية على الشعب العراقي الذي أصبح نصفه يعيش في المزابل والمقابر تذهب أمواله لتمويل قوات التحرير الأميركية وتعويض الكيان الصهيوني وجميع الدول التي شاركت في التحرير.
لا يشكل ما جرى في العراق على المستوى العسكري أو الخارجي شيئاً مقارنة بما حملته رياح التغيير الديمقراطية حسبما يراها الغرب إلى داخل العراق، فقوات الغزو بدل الاستعانة بكفاءات البلد شرعت على الفور بتصفية آلاف العلماء وأضعافهم من الأطباء والمهندسين والفنانين والمثقفين والضباط في سياق عملية منهجية ومدروسة لتفريغ البلد من طبقته المتوسطة التي تشكل عماد المجتمع وقاطرته نحو المستقبل لتتضح فيما بعد الحقيقة المرة لكل من انتظر التحرير وخدع بأوهامه المعسولة بأن المستهدف لم يكن أبداً رأس النظام السياسي وإنما المستهدف الرئيسي هو العراق بكامل أبنائه وطاقاته كركيزة متقدمة في الصراع العربي الإسرائيلي، حقيقة مرة ولكن العراقيين أدركوها للأسف بعد فوات الأوان، بعد أن أصبحت الدماء إلى الركب وقضى مليون ونصف مليون عراقي بريء، وشرد أربعة ملايين عراقي خارج العراق ومثلهم في الداخل، وترك أكثر من خمسة ملايين يتيم ومليون أرملة يواجهون مصيرهم، وبات من يحكم العراق اليوم شذاذ الآفاق من الغرباء الذين يحملون الجنسية الأجنبية من الأميين وأنصاف المتعلمين الذين استعان بهم المحتل لتنفيذ مخططاته في تدمير البلاد اقتصادياً من خلال النهب المنظم لثرواته، وسياسياً من خلال حكومات ودستور يجعل البلاد كيانات هزيلة متناحرة من أجل السلطة والثروة على أساس طائفي وعرقي.
بين الحرية والفوضى شعرة وبين الفتنة والثورة شعرة وفي العراق لم يدرك العراقيون نعمة الأمن الإلهية التي لا تقدر بأي ثمن وتشكل جوهر الحرية إلا بعد أن فقدوها وتشردوا في بقاع الأرض ففقدوا الوطن والحرية معاً.
(حرية العراق) والثمن الباهظ .. .د.خالد المعيني
