هيئة علماء المسلمين في العراق

انتصار حماس أو\"التسونامي الأخضر\"!.. عبد الحق بوقلقول
انتصار حماس أو\"التسونامي الأخضر\"!.. عبد الحق بوقلقول انتصار حماس أو\

انتصار حماس أو\"التسونامي الأخضر\"!.. عبد الحق بوقلقول

الفوز الباهر الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة كان بداية مفاجأة أذهلت كل المتابعين، فعلى الرغم من أن الجميع كان يسلم بأن الحركة تتوجه نحو الفوز إلا أن أحدا لم يكن يتصور أن تكون النتيجة على هذا القدر. فحماس لم تفز بمقاعد المجلس التشريعي فحسب ولكنها في الواقع اكتسحت الساحة السياسية الفلسطينية وجعلت كل خصومها في العملية الديمقراطية يستفيقون على زلزال من تحت أرجلهم يزيحهم عن مناصب لم يعودوا جديرين بشغلها منذ سنوات طويلة. النتيجة هذه على الرغم من محدوديتها في الواقع الفلسطيني إلا أن مدلولاتها الإقليمية والدولية أكبر بكثير من ذلك، فهي - إلى جانب أنها أعادت التأكيد أمام الجميع على أن شعوب المنطقة كلها صارت لا ترغب إلا في التغيير المتمثل في التيار الإسلامي - أكدت للغرب في ذات الوقت أن الديمقراطية التي تريد الولايات المتحدة فرضها لن تكون بالضرورة في صالح أجندتها؛ لأن السير الطبيعي لها سوف يفرز صعودا ساحقا لأكثر أعداء مشاريعها وسياساتها المتعثرة.

في هذا الإطار كتبت صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية تقول: "لقد عايشنا سيرا هادئا للعملية الديمقراطية ثم إن العقاب الذي طال المسؤولين من خلال التصويت هو أمر إيجابي بمعنى أن الشعب الفلسطيني غير راضٍ عن الوضعية الجامدة الحالية، ويرغب في أن تتولى أموره حكومة شريفة وليست النتائج مجرد رغبة هؤلاء في أن يحظوا بخدمات عمومية أفضل مثلما قال الرئيس بوش في تعليقه على هذا الفوز المهم لحماس في الانتخابات التشريعية التي جرت في 25 من هذا الشهر" فعلى ما مجموعه 132 مقعدا يتشكل منها المجلس التشريعي الفلسطيني حازت حماس على 76 مقعدا في مقابل فتح التي كانت تملك الأغلبية في المجلس المنتهية عهدته والمنتخب في العام 1996 والتي لم تنل في الاستحقاق الأخير إلا على 43 مقعدا.

ما من شك في أن هذا الانتصار سوف يساهم في التضييق أكثر على السياسة التي تنتهجها إدارة البيت الأبيض التي - على رأي الصحيفة -: "تتبجح بالدفاع عن الديمقراطية كمضاد حيوي لانتشار الإرهاب" وبالتالي ومن غير أن تعلن صراحة معارضتها خيار الشعب الفلسطيني، تواصل اليومية الأمريكية تعليقها بالقول: "لقد صرح الرئيس بوش بأن إدارته لن تتسامح إطلاقا مع أي سياسة مستلهمة من هذا الفكر".

أما الدبلوماسيون المرتبطون بما يسمى "مسار السلام في الشرق الأوسط" وفقا لما يدعى "خارطة الطريق" التي يفترض أنها سوف تؤدي إلى تشكيل دولة فلسطينية لا شك في أنها 'افتراضية' فهم يعتقدون أن فرص إعادة إحياء مسار المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية باتت ضعيفة أو حتى منعدمة مثلما تحدثت ذات الصحيفة في افتتاحيتها حيث كتب محررها يقول: "سيكون من الجميل لنا أن نحلم أن حماس غداة وصولها إلى تولي مقاليد السلطة سوف تبادر إلى إعلانها التخلي عن ندائها الداعي إلى تدمير إسرائيل أو أن تنزع أسلحة ميليشياتها وتبني سياسة هدفها تحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين ثم التفاوض على كيفية التأسيس لدولة حقيقية. يبدو أنه لا أمل في هذا ولكن يجب أن نتذكر أن منظمة التحرير الفلسطينية التي أسسها وقادها الفقيد ياسر عرفات كانت قد لجأت هي الأخرى سابقا إلى تبني الإرهاب".

وفي مقال آخر على صفحات اليومية ذاتها كتب مراسل الجريدة من نابلس في الضفة الغربية المحتلة يقول: "إن مشاركة حماس في السياسة الفلسطينية ليست بالضرورة نبأ سيئا" ثم يواصل: "إن حماس كحزب سياسي أثبتت أنها منضبطة براغماتية وتحظى بليونة مذهلة زيادة على أنها لم تقل طيلة حملتها الانتخابية بأنها ستدمر إسرائيل وتقيم الدولة الفلسطينية داخل حدودها التاريخية على الرغم من أن هذا الكلام موجود في مواثيقها".

أما الصحيفة الإسرائيلية التي تصدر في القدس المحتلة جيروزاليم بوست فلقد أوردت افتتاحية عنوانها: "هل ستصير حماس حزبا سياسيا؟" أثنت فيه أولا على الانتخابات الفلسطينية بقولها إنها كانت بادرة لم تشهدها أي منطقة أخرى في العالم العربي ثم استشهدت بالمثال التركي الذي قالت إنه الوحيد عبر كامل العالم الإسلامي الذي حملت فيه الصناديق الانتخابية الديمقراطية حزبا إسلاميا إلى تولي مقاليد الحكم، وفي هذا الصدد تقول هذه الصحيفة اليمينية: "إن حكومة أنقرة التي بدل أن تكون السبب في عزلة البلاد عملت بكل جهد في سبيل إرضاء الطرف الأوروبي قصد انضمامها إلى الاتحاد".

أما في العالم العربي فالأمر مختلف والصحيفة ذاتها تقول: "إنها المرة الأولى التي ينال فيها حزب إسلامي السلطة ويضطر إلى البرهنة على مقدراته في حين أن الأحزاب الإسلامية الأخرى في باقي البلاد العربية هي في أحسن الأحوال ضمن المعارضة لأنظمة يسيرها المستبدون العلمانيون الذين يستفيدون من دعم الغرب الذي يخشى من وصول الإسلاميين إلى الحكم" قبل أن تختتم الجريدة مقالها بدعوة حماس إلى التخلي عما أسمته "الإرهاب" من خلال استبدالها للقنابل - كما قالت - بالمفاوضات مستشهدة في ذلك بقولها: "لقد كتب زعماء حماس على صفحات جريدتنا بأنفسهم كلاما يفيد بأنهم لا يُكرهون أحدا على الدين إلى جانب أنهم قالوا إنهم حريصون على استتباب الاستقرار ولكنهم يدركون أن هجماتهم على إسرائيل تستوجب ردات الفعل، والسؤال المهم الآن يكمن في معرفة إلى أي مدى يستطيعون التوفيق بين أيديولوجيتهم وبين شروط الاستقرار".

إلا أن جريدة جيروزاليم بوست أوردت في ذات العدد تلك التصريحات التي أدلى بها رئيس وزراء دولة الكيان بالوكالة إيهود أولمرت الذي قال مباشرة بعيد الإعلان عن النتائج الفلسطينية: "إن إسرائيل لا يمكنها التعامل مع شركاء تبدو حماس من بينهم، وإسرائيل والعالم من ورائها لن تتعامل مع الحكومة الجديدة التي تفرزها الانتخابات إذا كان من بينها أعضاء من حماس. سوف نتجاهلها ونعتبرها غير مقبولة".

الصحيفة الإسبانية اليمينية البايس لم تخرج هي الأخرى عن هذا السياق الأخير فهي تعتبر أن حماس استطاعت أن تجعل من انقطاع مسار السلام وفشله ثم الانتفاضة الثانية والانسحاب الإسرائيلي "الأحادي الجانب" من غزة حججا بنت عليها ما أسمته الجريدة "السياسة الانتقامية والعدائية" بينها وبين إسرائيل. ثم إن هذه الصحيفة لم تستثنِ من سيل النقد الذي أوردته على صفحاتها حتى الحكومة الفتحاوية المنتهية صلاحياتها فبالنسبة لها: "إن حماس جنت ثمار انضباطها وانسجام أيديولوجيتها فوق أرض تُركت مُهمَلة أمام الفساد والرشوة التي عممتها أجهزة السلطة - ميراث عرفات - وعجز هذه الأخيرة عن فرض الأمن العام والنظام" قبل أن تختتم هذا القلق الذي ظهر منها نيابة عن الإسرائيليين بقولها: "إن الفلسطينيين الذين دعموا وعود حماس سوف يحمّلونها الآن مسؤولية تدهور أوضاعهم".

لم يكن هذا موقف الصحيفة الإسبانية لوحدها فهناك في العالم جهات أخرى "حريصة جدا" على الأمن الإسرائيلي ومصالح دولة الكيان كمثل جريدة إلـ تييمبو الكولومبية التي كتبت تقول: "إن الاهتزازات الارتدادية لهذا الزلزال كانت أكثر تأثيرا في تل أبيب وواشنطن وبروكسل من تأثيرها في الداخل الفلسطيني وهذا شيء واضح جدا؛ لأن فوز حماس سوف يفتح أبواب تساؤلات كثيرة عن مستقبل عملية السلام إلى جانب أنه سوف يؤثر في البلاد العربية الأخرى كمصر والأردن.

إن أهم سؤال يمكننا أن نطرحه هو التالي: حينما تصير حماس هي الأغلبية المطلقة في المجلس التشريعي القادم فهل سوف تعمل وفق أسس براغماتية وتواصل عملية التهدئة أو تراها - كما قال وزير الخارجية الإسرائيلي - سوف تشكل 'حكومة إرهابية'؟ لن يكون في وسع أحد الإجابة عن هذا التساؤل في الوقت الحالي ولا حتى أعضاء حماس أنفسهم".

نفس هذا القلق البالغ على مستقبل ما يسمى بعملية السلام يبدو أنه قد أقضّ مضاجع محرري الأسبوعية البريطانية ذي إيكونوميست التي أوردت تقول: "إن الإسرائيليين والفلسطينيين هم حاليا بحاجة إلى الدعم الدولي أكثر من أي وقت مضى" فما يقلق هذا الجريدة ملخصه أن إسرائيل التي فشلت في التوصل إلى اتفاق سلام مع منظمة علمانية كما هي حالة منظمة التحرير لا يمكنها أن تحقق ذلك مع "تنظيم إسلامي متشدد ينطلق من أيديولوجية الإخوان المسلمين" على حد وصفها؟ قبل أن تطرح السؤال التالي: "هل ستعتمد حماس حينما تمسك بالسلطة إستراتيجية تعطي الأولوية للتفاوض مع إسرائيل أو أنها سوف تبقى وفية لميثاقها وتواصل هجماتها 'الإنتحارية' مستبعدة بالتالي كل إمكانية في التحاور؟".

من الطبيعي جدا أن يتساءل كل واحد عن مستقبل ما سوف تعرفه الأرض الفلسطينية من تطورات، والأسبوعية البريطانية في هذا الصدد تشدد على ضرورة أن تلعب الرباعية - الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة - دورها باعتبارها راعية للسلام في الشرق الأوسط ولكن الحقيقة التي لم تقلها الصحف الغربية ولا حتى البيانات الرسمية العربية مفادها أن الفلسطينيين اليوم هم أقوى بكثير من أي مرحلة سابقة في تاريخهم الحديث على الأقل فهل آن الأوان للأنظمة الجاثمة في المنطقة أن تدرك أن صلاحيتها انتهت وأن التغيير لا محالة آت ولن يستطيع أي استبداد وقفه ولو كان في مثل غطرسة وإجرام الاحتلال الصهيوني؟!!.

الإسلام اليوم
13/2/2006

أضف تعليق