النتائج التي حققتها حركة المقاومة الإسلامية \"حماس\" في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية وكذا النتائج التي حققتها جماعة الإخوان المسلمين في مصر مؤخرا في الانتخابات البرلمانية كلها تشير إلى حقيقة باتت بدهيّة، وهي أن الخيار الأساس للجماهير هو البديل الإسلامي.
حركة حماس فازت بنحو (76) مقعداً من عدد المقاعد، وإذا قلنا: إن هذا يرجع إلى أن الجماهير الفلسطينية اختارت مشروع المقاومة فهذا صحيح، ولكنه وحده لا يصلح تفسيراً؛ لأن هناك أيضاً قوائم تتقدم للانتخابات وتحمل مشروع المقاومة أيضاً مثل قائمة "أبو علي مصطفى" الجبهة الشعبية، ومع ذلك لم تحظ إلاّ بثلاثة مقاعد أي أقل من 2 % من تلك المقاعد.
وإذا قلنا: إن الناخب الفلسطيني قد نفد صبره تجاه الفساد والمحسوبية التي تفشت في حركة فتح والسلطة السابقة، فإن هذا أيضاً لا يصلح وحده تفسيراً، ذلك أنه كان بوسع الناخب الفلسطيني أن يُعاقب فتح والسلطة السابقة بالتصويت لقوائم أخرى عناصرها غير متهمة بالفساد مثل قائمة مصطفى البرغوثي أو قائمة حنان عشرواي، وكل منهما حصل على أقل من 2 % من المقاعد.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن الدعاية الفتحاوية ركّزت في فترة الانتخابات على أن فوز حماس يعني ضياع المساعدات ورفض الدول المانحة إعطاءها للسلطة إذا سيطرت عليها حماس - وهذا صحيح إلى حد كبير - لأدركنا أن الناخب الفلسطيني كان يدرك أن اختيار حماس ربما لا يساهم في حل مشاكله الاقتصادية بل يزيدها تعقيداً.
وهكذا فإن العامل الأساس في المسألة كان التوجهات الفكرية لحركة حماس، أي أن الناخب يريد من يقدم له البديل الإسلامي بشموليته وعدالته ووسطيته، وذلك ما عكسته نتائج الانتخابات الأخيرة في كل من مصر والأراضي الفلسطينية المحتلة.
فالجماهير ليست حجارة تتحرك بقوانين الكيمياء والفيزياء، بل هي محملة بالثقافة والحضارة والوجدان والعاطفة الإسلامية، ومن ثم فهي تختار من يتمسك بهذه الهويّة، وترفض من يتعالى عليها أو يرفضها، ثم إن الجماهير تدرك أن هناك معركة حقيقية مع أمريكا وإسرائيل، والجانب الديني والحضاري والثقافي فيها جانب جوهري وكبير وخطير، وتدرك أن من يستطيع مواجهة هذا التحدي لا بد أن يكون إسلامياً واستشهادياً وإلا فإن الهزيمة مؤكدة!!.
وفي الواقع فإن الأمر لم يقتصر على الانتخابات التي أُجريت في الفترة الأخيرة، بل إن هذا الأمر هو قاعدة تعمل دائماً مع بعض الاستثناءات طبعاً، وكل قاعدة لها استثناءات، فالجبهة الإسلامية في الجزائر فازت في انتخابات 1990، وحزب العدالة والتنمية التركي فاز وشكل الحكومة، وكذلك الانتخابات في البحرين والسعودية... الخ، ومن ثم فإن أي انتخابات نزيهة يتاح لها أن ترى النور في عالمنا العربي والإسلامي سوف تفرز الإسلاميين بدون أدنى شك.
من ناحية أخرى نجد أن الأحزاب العلمانية تعاني من تراجع وتفكك وخاصة اليسارية والليبرالية منها، وفي مصر مثلاً فإن الانقسامات والانقلابات الحزبية أصبحت سمة معظم هذه الأحزاب، فحزب الوفد المصري حقق نتائج متواضعة في الانتخابات الرئاسية ثم البرلمانية، ثم حدثت فيه انشقاقات وصراعات ربما تؤدي إلى إعلان وفاته، أو تضعه في خانة الأحزاب الهامشية!!.
فوز حماس هل هو مأزق؟
يرى البعض أن فوز حماس هو مأزق حقيقي لها وللإسلاميين؛ لأن حماس لن تستطيع تحقيق انتعاش اقتصادي للفلسطينيين بسبب قطع المساعدات من تلك الدول المانحة التي تشترط الاعتراف بإسرائيل وإلغاء العمل الفدائي ونزع سلاح حماس بالتالي، وأن حماس سوف تضطر بسبب براجماتيتها إلى نوع من الاعتراف بإسرائيل، والقبول بأسلوب فتح، ومن ثم تسير في نفس طريق فتح التي بدأت مقاتلة، وانتهت إلى التفاوض والتنازلات والاعتراف بإسرائيل... الخ.
وفي رأيي فإنه على الرغم من براجماتية حماس فإن ما تطرحه إسرائيل أقل مما يمكن أن تقبل به حماس، وإذا كان ياسر عرفات قد رفض في كامب ديفيد تسوية هي أفضل بالضرورة مما تقدمه إسرائيل حالياً، فإن من الصعب على حماس القبول بأقل مما رفضه عرفات، ومن ثم فإن هدوءاً مؤقتاً ومناورات قصيرة العمر ستشهدها الساحة، ثم لا تلبث الأمور أن تعود إلى حالة صدام حتمي ستضطر حماس معها إلى رفع سقف خطابها والعودة إلى الكفاح المسلح، وهذا بدوره سيرفع سقف خطاب القوى الإسلامية المؤيدة لحماس خارج فلسطين.
إن فوز حماس سيؤدي في النهاية إلى التأكيد على الخطاب المرتفع للحركات الإسلامية وليس العكس بسبب الموقف المبدئي لقادة الكيان الصهيوني القائم على روح العدوان والاستئصال والعنصرية.. وأن القوى الإسرائيلية من اليسار إلى اليمين كلها تتفق على خطوط حمراء مثل: عدم عودة اللاجئين، واعتبار القدس عاصمة موحدة "لإسرائيل"، وعدم العودة إلى حدود 1967، وهي أمور لم تقبلها فتح في الماضي، ولن تقبلها حماس بالتأكيد، وهي التي برهنت على المبدئية والثبات على المواقف ورفض المساومة على الحقوق والمقدسات.
الإسلام اليوم
13/2/2006
فوز الإسلاميين في الانتخابات.. المعاني والدلالات.. د. محمد مورو
