محنة العراقيين الحالية بسبب الاحتلال الامريكي تجاوزت ما كابده أسلافهم من قسوة في حلقات التاريخ المظلمة منذ الغزو التتاري وحتي آخر استعمار بريطاني الذي أذعن للعراقيين بحقهم في حريتهم وسيادتهم علي وطنهم وقيام دولتهم المستقلة
, قساوة المحنة الحالية تأتي بما تتلقاه صدور المواطنين الابرياء من رصاص غادر مجهول المصدر والهوية , أو ما تنوء به اجسادهم من جراح بفعل ابداعات الجلادين الجدد في معتقلات أبي غريب والجادرية وغيرها من المعتقلات السرية , أوبما تأكل ضمائرهم هموم فقدان الحاجات الانسانية الأولية ..أو الخوف اليومي والقلق علي حياة الاطفال والنساء والرجال من العمليات الارهابية متعددة المصادر . قساوة المحنة تأتي ايضاً من تصاعد حالة الاحباط بما يدور علي المسرح السياسي من تجاهل الاحزاب والقوي السياسية المتحكمة لحالة الانسان العراقي التي تتردي يوماّ بعد يوم , وانشغالها منذ نهاية مجلس الحكم سيئ الصيت وحتي الآن بترتيب شراكة للسلطة صيغت وفق شرعنة صناديق الانتخابات , وكأنها تفويض يبيح تجاهل حقوق الناس والسكوت علي اذلالهم وارهابهم , والوقوف وراء بعضها , بديلاً عن المسؤولية الكاملة عن حياتهم وأمنهم وحقوقهم الانسانية . فصناديق الاقتراع ليست صكاً مطلقاً للتفرد في الحكم, انها وسيلة فنية ومشروع بداية للدخول في عالم الديمقراطية ومتطلباتها المتعددة التي يمكن ان تستغل في أية حلقة من حلقاتها لتحقيق مصالح فردية أو فئوية ضيقة تصل في بعض الاحيان الي الانحراف عن مصالح الشعب العليا . وتجارب الانسانية في الماضي والحاضر تؤكد ذلك .. فهتلر كان منتخباّ فأصبح الدكتاتور الذي أدخل البشرية بأقذر حرب خلفت ملايين الضحايا وانتهي الي مصيره المعروف . والآن هناك عشرات الحكام المنتخبين في المنطقة وبلدان امريكا اللاتينية وآسيا تحت خيمة الديمقراطية يغرقون بالفساد ونهب الأموال وانتهاكات حقوق الانسان . ما يعيشه العراق الان وضع معقد ومركب .. وأبناء هذا البلد اختاروا الديمقراطية نمطاً لحياتهم وهم متمسكون بهذا الخيار ليس لكونه يفرز نوعاّ من الحاكم المرضي عنه عبر صناديق الاقترع , وإنما لكي يردموا الهوة السحيقة التي أنزلتهم في مجاهلها سياسة الاستبداد والدكتاتورية السابقة وبطش الاحتلال الذي ما زالت زناجير دباباته تسحق الاخضر واليابس في شوارع بغداد ومدن العراق , وكذلك الخيبة التي انتجتها السياسات الفاشلة للحكومات الانتقالية السابقة . ولن يقبلوا الدخول مجدداّ في أنفاق التخلف والجهل , ولديهم الاصرار علي التشبث بخيوط المستقبل مهما كان الواقع مريراّ. حالة البلاد تتطلب نمطاّ من السياسيين الوطنيين الذين يوجعهم ألم العراقي مهما كان دينه أو مذهبه أو عقيدته السياسية .. لقد تحمل ابناء العراق مرارة السنوات الثلاث الدامية في ظل أنواع مبتكرة من انتهاكات حقوق الانسان في مختلف الميادين وهيمنة الارهاب ونقص هائل في الخدمات الأساسية واستشراء الفساد الحكومي وشيوع المخدرات والجرائم .. وتجربة الحكومة السابقة تؤكد علي حقيقة إن الاستحقاق الانتخابي لوحده غير قادر علي الصمود أمام امتحان حقوق الشعب . وقبل الاستمرار في ديناميكية وآلية تشكيل الحكومة المقبلة , لا بد من وقفة حقيقية تتحمل مسؤوليتها الاحزاب الفائزة في الانتخابات وبمشاركة جميع القوي والشخصيات الوطنية العراقية الموجودة علي الساحة السياسية لدراسة الظرف الصعب الذي يمر به العراق ووضع مشروع وطني لا يتطلع الي إرضاء هذه القوة الدولية والاقليمية أو تلك قبل إرضاء أبناء البلد , ووضع التدابير الجادة لوقف نزيف التدهور الأمني والاجتماعي وإبطال تداعيات تهديم الدولة العراقية التي فككها الاحتلال وتوابعه , وانهاء الاحتلال ببرمجة وجوده وقلب معادلة تحكمه بمصير العراقيين وحل المليشيات الحزبية . وتجاوز منطق تقديم الامتيازات والمصالح الخاصة الخاصة علي مصلحة الشعب . لا ندري إن كانت هذه الاحزاب قد استفادت من تجربة الأمس لتلتفت الي محنة العراق . أم إنها ستواصل منهج الاستفراد في الحكم وتقسيم السلطة وفق المحاصصة الحزبية والطائفية المقيتة ..وهل سيخرج العراقيون من محنتهم ؟
شبكة اخبار العراق
13-2-2006
محنة العراقيين - ماجد أحمد السامرائي
