هيئة علماء المسلمين في العراق

كي لا تسرق الثورات.الحراك الشعبي العربي بين الاستحقاق الداخلي والاستهداف الخارجي.. د . خالد المعيني
كي لا تسرق الثورات.الحراك الشعبي العربي بين الاستحقاق الداخلي والاستهداف الخارجي.. د . خالد المعيني كي لا تسرق الثورات.الحراك الشعبي العربي بين الاستحقاق الداخلي والاستهداف الخارجي.. د . خالد المعيني

كي لا تسرق الثورات.الحراك الشعبي العربي بين الاستحقاق الداخلي والاستهداف الخارجي.. د . خالد المعيني

- معايير الثورة المزدوجة - مشروع الفوضى الخلاقة - مشروع ولاية الفقيه من يراقب خارطة الفوضى الحادة التي تنتاب منطقتنا العربية عليه إبتداءا أن يميز بدقة بين نسيم الحرية والثورة في هذا البلد وبين رائحة البترول والأطماع الإقليمية في بلاد أخرى ، فالثورة عبر التاريخ مفهوم إيجابي يؤسس لمتغيرات جذرية تصب في صالح الشعوب ويعزز من وحدتها وسيادتها وتقدمها ويسعى إلى رفاه المجتمعات والشعوب عادة تثور أما تحت ضغط الطغاة والديكتاتورية أو لانتزاع استقلالها وسيادتها تحت ظل الاحتلال والغزو والعدوان ، وفي كلتا الحالتين فإن للثورة شروطها من حيث مدى كثافتها وطبيعة ومشروعية أهدافها وضرورة التفريق بين الفتنة والثورة وبين الفوضى والحرية وبين الانتفاضة وبين الثورة.
في خارطة حمى الثورات والانتفاضات التي تجتاح الأقطار العربية نجد إن هناك تباينا في الدوافع والغايات والأهداف رغم غنها تشترك بحقيقة واحدة هي الشعور الطاغي للشباب العربي بالإحباط والقهر في ظل أنظمة زادت الشقة بينها وبين شعوبها حتى تبدو وكأنها تعيش بمعزل عن هذه الشعوب .
  هذه الأنظمة تعاقبت منذ موجة الاستقلال التي  شهدتها المنطقة  منتصف القرن الماضي وتعاقبت كوريثة لحركات التحرر الوطني ضد الاستعمار ولكنها توقفت في حدود الاستقلال السياسي دون أن تتعداه إلى الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي ففشلت في بناء الهوية الوطنية وترسيخ مفهوم المواطنة كبديل عن الهويات والثقافات الفرعية وعجزت عن تحقيق التنمية المستدامة وتوفير الحياة الحرة الكريمة لمواطنيها رغم الثروات الهائلة التي تحت تصرفها, مما جعل من مجتمعاتها رخوة وسهلة الاختراق أفقيا وعموديا وتفاقمت معدلات الاحتقان والغضب إلى حد الانفجار بمجرد دخول العامل الخارجي كعامل مساعد ومحفز.
معايير الثورة المزدوجة
  إندلعت معظم الثورات الحالية من قبل الشباب وكانت عفوية وصادقة تبحث بشكل أساسي عن الخبز والحرية وفرص العمل ، وكشأن جميع الثورات قد يقوم بها الحفاة والعراة والفلاحين والمحرومين والجياع ولكن في نهاية المطاف علينا أن نبحث في كل حالة على حدة عن المستفيد النهائي (End  Usser ).
إن طبيعة الثورات العربية بسقوفها القطرية الضيقة مهددة بالسرقة ومحاصرة بمشاريع دولية وإقليمية ذات ضغوط عالية تتنافس فيما بينها ولكنها في كل الأحوال غير متصارعة, ويتوزع تأثير هذه الضغوط لملء الفراغ وتقاسم النفوذ والمصالح ما بين أميركا وإسرائيل على المستوى الدولي وما بين إيران وتركيا على المستوى الإقليمي رغم تفاوت شدة هذا التأثير واختلاف الغايات والوسائل والأهداف.
  يساعد على تقبل هذا التأثير في الوسط العربي غياب أي مشروع موحد كما يسرع في هذا التأثير تحول بعض ( دويلات – المدن ) وجامعة الدول العربية إلى مكاتب للسمسرة لتسويغ العدوان وتسويق هذا المشروع أو ذاك وعقد الصفقات المريبة على حساب مصالح الشعب العربي العليا في هذا القطر أو ذاك, وإلا بماذا يمكن تفسير ذلك الصمت المريب في العراق عندما صدر القرار 1483 من مجلس الأمن الدولي الذي أعتبر الغزو الأمريكي احتلالا رسميا مما أقتضى في حينه قيام جامعة الدول العربية طبقا لميثاقها وطبقا للمادة رابعا من معاهدة الدفاع العربي المشترك مساعدة الشعب العراقي للنهوض بأعباء مقاومة الاحتلال أو على الأقل الاعتراف بمقاومته كحركة تحرر وطني حسبما ينص ميثاق الأمم المتحدة في المادة 51,عوضا عن ذلك شرعت هذه الجامعة بتسويق مشروع الاحتلال السياسي ومنحت مقعد العراق في الجامعة لممثلي سلطة الاحتلال بل وتستمر لعقد القمة العربية القادمة في بغداد في ظل الاحتلال ، وفي الوقت تتباكى هذه الجامعة على قتل المدنيين في هذه الدولة العربية أو تلك حسب الأجندة الأمريكية لم تبالي هذه الجامعة ولم تدق طبول الحرب لمقتل مليون ونصف مدني عراقي على يد قوات الاحتلال ولم تهتم لتشريد أربعة ملايين عراقي, التذكير بهذه الحقائق يأتي لإيضاح المقياس الأعور الذي يحاول البعض استخدامه في تعريف ما يجري حاليا على الساحة العربية فما بين حق الشعب العربي من المحيط إلى الخليج في الثورة على واقعه الفاسد وما بين مطامع الدول الأجنبية خيط رفيع على قادة هذه الثورات تبينه قبل أن تسرق هذه الثورات.
مشروع الفوضى الخلاقة
لا تخفي كل من إسرائيل والولايات المتحدة مشاريعها وأهدافها الإستراتيجية في المنطقة وتعمل عليها بمنهجية وخطوات واضحة ومدروسة ، فنظرية الفوضى الخلاقة يجري تطبيقها على قدم وساق في المنطقة العربية هذه النظرية التي تقوم على شرط إضعاف وإزاحة الأنظمة السياسية كمقدمة لانكفاء المجتمعات العربية المنهكة إلى كيانات طائفية وعرقية ، وهي لا تختلف من حيث المضمون على دأب إسرائيل منذ عقود طويلة لتحقيق هذا الهدف عبر تشتيت الجهد العربي كشرط لبقائها والذي لخصته غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل السابقة عندما سألت عن مفهوم إسرائيل للسلام مع العرب فأجابت : السلام بالنسبة إلى إسرائيل هو أن تحيط بها دويلات الطوائف, كما إن المنطقة العربية التي تتربع على عصب طاقة القرن الحادي والعشرين التي تشهد حاليا إعادة إنتاج على أساس طائفي وعنصري تشكل لب نظرية صموئيل هنتجتون في صراع الحضارات وإعادة رسم خطوط الصراعات الدولية على أساس عرقي وطائفي بدلا من الصراعات الأيديولوجية التي سادت حقبة الحرب الباردة . وربما ذلك يفسر كيفية انزلاق المنطقة تدريجيا إلى جبهتين ومحورين إيراني – طائفي وعربي – مذهبي مما يعمق يوميا من تفتيت المنطقة ويزيد من تشرذم العرب وتهميشهم وتضائل تأثيرهم 
مشروع ولاية الفقيه
  من جهة ثانية كشفت تطورات الثورات والانتفاضات والحراك الشعب العربي إن إيران بدورها وكعادتها ليست راغبة في أن تكون بعيدة عن توظيف هذه الانتفاضات لصالح مشروعها الاستراتيجي في المنطقة والذي قد يتنافس مع المشروع الأمريكي ولكنه لا يصل حد الصراع فالطرفين يدركان لعبة المصالح جيدا وإدارتها وفق قاعدة الكلفة والمنفعة وخضوع كل شيء في السياسة لمبدأ الصفقة ( Deal  The)  التي تجيدها بإتقان كل من واشنطن وطهران ، ففي العراق بعد الاحتلال اعترفت إيران مباشرة بحكومة الشيطان الأكبر ودعمت وناورت داخل العملية السياسية بزجها كافة أدواتها ومراجعها لدعم عملية الاحتلال السياسية وإنقاذها وفي نفس الوقت سلحت ودربت ومولت ميلشيات مسلحة خارج العملية السياسية لضرب القوات الأمريكية فاضطرت الولايات المتحدة في ظل غياب عربي كامل إلى التفاهم والتفاوض مع إيران وتقاسم النفوذ والمصالح في العراق إلى حد إقرار أميركا  لهذا النفوذ عندما خضعت للفيتو الإيراني حول من يكون رئيس الوزراء العراقي في الانتخابات الأخيرة .
  إن الهدف الاستراتيجي الإيراني في المنطقة هدف قومي توسعي بامتياز والادعاء الطائفي ليس سوى وسيلة جذابة لتمرير هذا المشروع الذي يتلخص بكل بساطة في ( جعل الخليج العربي بحيرة فارسية تحيط بها منطقة تمثل مجالها الحيوي تسكنها شعوب خاضعة لإيران وفق مبدأ ولاية الفقيه ) وهي في سياق تحقيق هذا الهدف تسعى بكل الوسائل على تحسين شروط تفاوضها مع أميركا وتستخدم في هذا السعي حزمة مختلفة من الوسائل التي تنم عن خبث ونفاق سياسي عالي المستوى ولديها الاستعداد للمساومة في كافة ملفاتها إبتداءا من الملف النووي وقضية تهديد إسرائيل ولبنان وفلسطين واستقرار العراق وأفغانستان وضمان مصالح الغرب النفطية في المنطقة التي ستخضع لنفوذها  مقابل الإقرار لها بهذا النفوذ .
  بماذا يمكن تفسير صدور فتاوى دينية من مراجع داخل إيران لتحريم التظاهرات في العراق وتبيحها في البحرين وبماذا يمكن أن نفسر وقوف أعضاء البرلمان العراقي وتعليق أعماله حدادا على أرواح شهداء التظاهرات في البحرين في حين يعتبر شهداء التظاهرات العراقية يوم 25 شباط التي عمت العراق من أقصاه إلى أقصاه  بأنهم إرهابيون.
    مما تقدم فإن ما يجري في البحرين ليس بعيدا عن لعبة تقاسم النفوذ وعلينا أن لا نستغرب في أن يتحول المتظاهرين في البحرين في ليلة و وضحاها إلى ثوار تحت بند حقوق الإنسان والحرية وحق تقرير المصير ويحمل الثوار السلاح وتتشكل ميليشيات تقاتل "الاحتلال الأجنبي" وعندما تتهدد المصالح النفطية الأمريكية في ( دويلات – المدن ) الخليجية أو الشركات حسبما يراها محور الالصناعلت النفطية – العسكرية الحكم في أميركا ، على مدراء هذه الشركات أن لا يستبعدوا عندئذ جلوس الأمريكيين والإيرانيين على طاولة المفاوضات لتهدئة "الثوار" والتحكم بهدنة لضمان المصالح المشتركة ، تماما كما حصل مع ميليشيا جيش المهدي في العراق حيث يتم تجديدها كل ستة أشهر إيرانيا لحين رضوخ الولايات المتحدة الأمريكية لشروط عقد الصفقة (The  Deal) وتقر لإيران بالنفوذ على البحرين وهكذا دواليك .

أضف تعليق