تمر اليوم الذكرى الثامنة للاحتلال البغيض الذي دنس ثرى بلاد الرافدين الطاهر في 9/4/2003 بعدما شنت الولايات المتحدة الأمريكية مع من حالفها من قوى الشر حربًا ضروسًا على العراق أكلت الأخضر واليابس .
لقد مرت هذه الذكرى على العراقيين بكل ألم وحزن وأسى ففي هذا اليوم قبل ثماني سنوات اقتحمت جيوش الغزاة أسوار عاصمة العروبة بغداد الحبيبة على قلب كل عربي ومسلم ، وراحت تعيث في أرضها الفساد من قتل وتدمير وانتهاكات للحرمات ونهب للثروات أمام مرأى ومسمع العالم اجمع، فأصبح هذا الاحتلال بوابة لكل أنواع العنف التي ما زال يشهدها العراق منذ سبع سنوات ولكل أنواع التفرقة المذهبية والطائفية والإثنية التي تتفاعل آثارها داخل هذا البلد وتهدد وحدته، ولكل أنواع الانتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم الحرب التي اقترفتها قواته أو مرتزقته .
لقد كان يوم التاسع من نيسان أعظم كارثة حلت في العراق، إذ ألحقت نتائجه تدميراً شاملاً ومنظماً للاقتصاد العراقي، ولم ينج قطاع من آثارها التدميرية، وزاد الأمر تعقيدا أولئك الذين نصبهم الاحتلال على أنهم قادة لما أسماه "العراق الجديد" من خلال العملية السياسية الشوهاء التي رعاها وأشرف عليها، فقد انتشر الفساد في كل المجالات إداريا وماليا وأخلاقيا، حتى عدّ العراق من أكثر دول العالم فساداً، وتفشى الخراب والدمار الشاملين لأغلب معالم البلد ومرافق الحياة فيه، ودب في حياة العراقيين الجوع والحرمان، وفقدان الخدمات الضرورية للحياة كالماء والكهرباء والغذاء والدواء، وتضاعف الظلم وأشيع الخوف والرعب في قلوب أبناء الشعب العراقي بما ارتكبه الاحتلال ومن سار في ركبه من أفعال شنيعة وجرائم فضيعة لم يشهدها العراق في تاريخه، وليس لها مثيل في عالم اليوم حجماً وبشاعة، حيث فقد العراق في ظل هذا الكابوس الفظيع نحو مليوني شهيد، وما يزيد على ثمانمائة ألف سجين ومعتقل لا يعرف مصير أكثرهم حتى الآن، وأكثر من مليون أرملة وخمسة ملايين يتيم، وسبعة ملايين مهاجر ومهجر خارج العراق وداخله، ولا زالت الاعتقالات والاغتيالات بالمتفجرات والمفخخات والكواتم وغيرها تحصد بأرواح العراقيين .
إن الحرب على العراق التي أفضت إلى احتلاله كشفت مدى بشاعة ووقاحة أولئك الذين جعلوا التدمير ازدهاراً، وصوّروا القتل ديمقراطية، وسمّوا الفساد شفافية، الأمر الذي أضعف الإدارة الأمريكية أخلاقياً وسياسياً واقتصادياً، وأصبح الكره لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية شائعاً ليس في البلدان المعادية لها بل حتى بين حلفائها.
ولكن رغم حلكة ظلام ليل الاحتلال؛ انبعث النور، وبرز شعاع العراقيين البررة حينما انطلقت المقاومة الباسلة بعد أيام قلائل من الاحتلال، وظهرت سريعًا القوى الرافضة له، ليتحد المشروع المقاوم مع المشروع الممانع فيكونا جبهة عريضة لقنت الاحتلال ومن معه دروساً لن يجرؤ على نسيانها، ولن يستطيع محوها من سجل تاريخه، فأثخنت المقاومة فيه الجراح، وكبدته خسائر فادحة لم يكن ليتصور وجود قوة يمكنها أن تفعل ذلك به، كما انبرت القوى الرافضة له إلى التصدي لمشاريعه ومناهضة برامجه، وفضح مخططاته، وكشف جرائمه التي نخرت الجسد العراقي وعاثت فيه سوءًا ودمارًا.
إن العراقيين الذين يستذكرون اليوم بكل مرارة هذه الذكرى الأليمة ما زالوا يعيشون ذلك اليوم، وتتراءى أمام أنظارهم كيف دنست الدبابات الأمريكية عاصمتهم الحبيبة بغداد وكيف بدأت قوات الاحتلال الهمجية ترتكب الجرائم الوحشية التي جعلت العراق شعبا وأرضا يئن من جراح غائرة ، وما زالوا يعيشون في حالة ذهول جراء ما تشهد عاصمة الرشيد وكل مدن العراق من تفجيرات إجرامية متوالية راح ضحيتها المئات من الأبرياء بين قتيل وجريح، في الوقت الذي يتصارع فيه أرباب العملية السياسية على كرسي السلطة، وهم يقبعون في المنطقة الخضراء، ويمتثلون لأوامر الاحتلال، ما جعل الأمل يبزع مجددا في قلوب أهل العراق وشعبه الحي الأبي فكانت انتفاضته المباركة وثورة شبابه في يوم 25 شباط 2011م، التي تمثلت بمظاهرات واعتصامات سلمية اشتركت فيها أكثر المحافظات والمدن العراقية من البصرة جنوباً إلى السليمانية شمالاً، وخرج فيها العراقيون رجالاً ونساءً شيباً وشباباً ومن كل مكونات الشعب وفئاته السياسية والمهنية والعشائرية والشعبية، مطالبين بإصلاح الأوضاع الفاسدة، ودفع الظلم، واستعادة الحقوق المسلوبة، والكرامة المفقودة، ومنددين بالاحتلال ومشروعه لتقسيم العراق، وبالتدخلات الأجنبية في شؤونه وغير ذلك، وهي مستمرة إلى الآن وتزداد مع الأيام شيوعا واتساعًا.
إن الشعب العراقي الصامد يدرك جليًا ـ وهو يعيش هذه الذكرى ـ أن الثورة والمقاومة والممانعة هي الأركان الأساسية التي من شأنها أن تنتشل البلاد من هذا الواقع المر الأليم، ومن خلالها يستعيد العراق عافيته، وينهض من جديد متسمًا بالحرية والكرامة، ليعانق قمم المجد ويتربع على كرسي الفخر، ويلفظ عنه كل معتدٍ دخيل وكل طامعٍ غريب.. فأهل العراق جديرون بذلك حقًا والتاريخ لهم خير شاهد.
الهيئة نت
9/4/2011
في الذكرى الثامنة للاحتلال.. العراقيون يستذكرون آلامًا ويصنعون آمالاً
