وجهت الأمانة العامة في هيئة علماء المسلمين في العراق رسالة مفتوحة إلى الشعب العراقي بمناسبة الذكرى الثامنة لاحتلال العراق



بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة مفتوحة
إلى الشعب العراقي بمناسبة الذكرى الثامنة لاحتلال العراق
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه.. وبعد:
قال الله تعالى: ((وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ))، وقال سبحانه ((وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَْرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)) .
أيها الشعب العراقي الكريم
يا شعب العراقة والأمجاد والتاريخ
غداً تمر الذكرى الثامنة لاحتلال العراق من قبل أمريكا وحلفائها سنة 2003 م، وهي ذكرى أليمة مليئة بفواجع وأحزان؛ لم يخفف من آلامها وأوجاعها يا شعبنا؛ سوى ما قام به أبناؤك الأوفياء البررة من التصدي لهذا الاحتلال منذ أيامه الأولى بكل بسالة، ولقنوه دروسا في البطولة والإباء، والحقوا به خسائر فادحةً في الرجال والمعدات والمال والسمعة الدولية، لم يتوقعها ولم تخطر له على بال، مما اضطره للانسحاب عبر جدولة وضعها لنفسه تمهيدا للخروج الكامل منه إن شاء الله تعالى.
وبالمقابل صبرت يا شعبنا على من نصبهم الاحتلال حكاما عليك من خلال عمليته السياسية البائسة، عملية المحاصصة والإقصاء، وكنت تأمل في أن ينصفوك أو يفوا بوعودهم لك بالإصلاح والإعمار والعدل والأمن وحماية الحقوق والحرية وغيرها من الوعود المعسولة التي لم يتحقق شيء منها على مدى السنين الثمانية الماضية، بل بدلوا بالإصلاح الفساد في كل المجالات إداريا وماليا وأخلاقيا، حتى عدّ العراق من أكثر دول العالم فساداً، وبدلوا بالإعمار الخراب والدمار الشاملين لأغلب معالم البلد ومرافق الحياة فيه: العمرانية والحضارية والتعليمية والصحية والصناعية والزراعية وغيرها، وبدلوا بالرخاء الموعود الجوع والحرمان، وفقدان الخدمات الضرورية للحياة كالماء والكهرباء والغذاء والدواء، وضاعفوا الظلم وأشاعوا الخوف والرعب في قلوب أبناء الشعب العراقي بما ارتكبوه من أفعال شنيعة وجرائم فضيعة لم يشهدها العراق في تاريخه، وليس لها مثيل في عالم اليوم حجماً وبشاعة، حيث فقد العراق في عهدهم نحو مليوني شهيد، وما يزيد على ثمانمائة ألف سجين ومعتقل لا يعرف مصير أكثرهم حتى الآن، وأكثر من مليون أرملة وخمسة ملايين يتيم، وسبعة ملايين مهاجر ومهجر خارج العراق وداخله، ولا زالت الاعتقالات والاغتيالات بالمتفجرات والمفخخات والكواتم وغيرها تحصد بأرواح العراقيين دون خوف من الله تعالى أو وازع من دين أو ضمير، مع وجود عشرات الآلاف من العراقيين الذين يعيشون على القمامة ويسكنون الأكواخ والخيم البالية التي لا تمنع البرد في الشتاء ولا تقي حرّ الشمس في الصيف، فضلا عن ذلك كله البطالة عن العمل، والفقر والأمية، والأمراض الفتاكة التي تفتك بأبناء شعبنا وبنسب مخيفة وعالية جدا دون اهتمام من قبل الممسكين بزمام السلطة، أو تفكير في معالجة هذه الآفات الاجتماعية الخطيرة.
ويحدث كل هذا في بلدٍ يعدُّ من أغنى بلدان العالم وأوفرها خيرات وثروات، وعلى الرغم من ذلك يكابر ساسة العراق وحكامه المفروضون، ويزعمون أنهم أصلحوا ولم يفسدوا، وأنهم عمروا ولم يدمروا، وأنهم حموا حقوق الإنسان ولم ينتهكوها، وأن العراق أصبح ـ على حد زعمهم ـ من أكثر دول المنطقة أمناً واستقراراً وأكثرها حرية ورفاهاً.
فكان لابد أمام هذا الإصرار العنيد على عدم الاعتراف بفشلهم وسوء إدارتهم لشؤون العراق، وعدم اكتراثهم بما حلَّ بشعبه من بؤس وشقاء وما أصابه من مصائب وويلات في عهدهم وعهد أسيادهم؛ أن يضع الشعب العراقي حداً لصبره عليهم، فكانت انتفاضته المباركة وثورة شبابه في يوم 25 شباط 2011م، التي تمثلت بمظاهرات واعتصامات سلمية اشتركت فيها أكثر المحافظات والمدن العراقية من البصرة جنوباً إلى السليمانية شمالاً، وخرج فيها العراقيون رجالاً ونساءً شيباً وشباباً ومن كل مكونات الشعب وفئاته السياسية والمهنية والعشائرية والشعبية، مطالبين بإصلاح الأوضاع الفاسدة، ودفع الظلم، واستعادة الحقوق المسلوبة، والكرامة المفقودة، ومنددين بالاحتلال ومشروعه لتقسيم العراق، وبالتدخلات الأجنبية في شؤونه وغير ذلك، وهي مستمرة إلى الآن وتزداد مع الأيام شيوعا واتساعا.
وقد كان ذلك بعد أن تأكد العراقيون أن الانتفاضة والثورة هما الطريق الصحيح لتغيير الأوضاع الشاذة والمأساوية التي ألحقت الدمار والخراب ببلدهم، منذ ثمانية سنين وإلى اليوم، وأنهم أحوج من غيرهم من شعوب المنطقة إلى ذلك، للخلاص من جحيم الظلم والاستبداد، والفساد والتبعية الذي وضعهم فيه الاحتلال وحكوماته المتعاقبة العميلة.
وقد أثبتت هذه الانتفاضة المباركة وحدة الشعب العراقي رغم مكايد الأعداء وتمسكهم الشديد بوحدة بلدهم وحريته واستقلاله، ورفضهم للتدخل في شؤونه من أية جهة كانت عدوة أم صديقة، كما أثبتت أن أبناء الشعب العراقي أوفياء لأسلافهم في الدفاع عن بلدهم، والتمسك بوحدته، وهذا هو ظننا فيهم دائماً.
وفي هذه المناسبة وبعد كل ما مر من معاناة وآلام نرى من الضرورة بمكان أن ننبه بكل وضوح على جملة من الأمور:
أولاً: على الاحتلال أن ينسحب من العراق انسحاباً كلياً من كل شبر منه في نهاية هذا العام 2011 كما أعلن للعالم، وكفاه تدميرا وقتلا لأبناء العراق وفتحا لأبوابه لكل قوى الشر العابثة فيه اليوم، وليعلم أن سعيه للحصول على موافقة حكومته بالتمديد لقواعد له في العراق لن ينطلي على شعب العراق، وسيفهم على أنه إصرار على استمرار احتلاله للبلد، وسيتعامل معه الشعب العراقي - وفقا لذلك- بما يناسب الاحتلال من مواقف، أقرتها المواثيق الدولية، وتستدعيها شرائع الدين، وفطرة الإنسان.
ثانيا: على المالكي أن يعلم أنه من أكثر الذين حكموا العراق على مدى تاريخه إجراما وفسادا، وسفكا للدماء وتبعية لأعداء العراق وشعبه، وعليه أن يرحل لأن الشعب العراقي اتخذ قراره بالمواجهة بعد صبر طويل، ويأس من الإصلاح الموعود ولن يرده عن عزمه القمع، ولا كثرة القوى الأمنية، ولا الدعم الخارجي، ولا تحديث وسائل الخديعة والتضليل.
ثالثا: على المشاركين للمالكي في الحكم في المجالس الثلاثة: مجلس الرئاسة، ومجلس الوزراء، ومجلس النواب؛ أن يعلموا أنهم مشاركون للمالكي مشاركة تامة في جرائمه ضد الشعب العراقي، وانتهاكاته لحقوق الإنسان، وفي فساده الإداري والمالي والأمني.. وغير ذلك من وجوه الفساد والدمار التي تسبب فيها بإدارته الفاسدة للعراق واستبداده بالسلطة فيه، لأنهم يعطونه الغطاء للاستمرار في السلطة بمشاركتهم له فيها، رضوا بسياسته أم لم يرضوا، عارضوه إعلاميا أم لم يعارضوه، فهم وإياه في المسؤولية الشرعية والقانونية والوطنية والتاريخية سواء، ولا يعفيهم منها قولهم: إن أردنا إلا الإصلاح.
رابعا:على أجهزة الحكومة العسكرية والأمنية أن يعلموا أنهم جزء من الشعب العراقي وأن المفترض فيهم أن يعملوا على خدمته، وتوفير الأمن الحقيقي له لا أن يكونوا أداة إرهاب وبطش في يد جلاديه، وسارقي قوته وأمواله، حتى لا يحسبوا يوما عليهم، ويحاسبوا بحسابهم، وهذا اليوم آت لا محالة، وإن غداً لناظره قريب.
خامسا: على النظام الإيراني أن يكف عن تدخله السافر والشائن في شؤون العراق المختلفة، وينهي دعمه للقوى الشريرة التي تعبث بأمن العراق واستقراره وتسهم في كثير من مآسي شعبه وأحزانه؛ فالظلم الذي وقع على أبناء العراق غير مقبول أبدا من جارة تدعي الإسلام والقيم؛ لأن المسلم ـ كما جاء في الحديث النبوي الشريف ـ من سلم المسلمون من لسانه ويده، فكيف إذا تجاوز الظلم اليد واللسان، وعلى هذا النظام ـ إن كان يتوخى مصلحة البلاد التي يحكمها ـ أن يعلم أن مصلحة إيران الحقيقية وطويلة الأمد مع الشعب العراقي صاحب الأرض والسيادة، وليس مع شرذمة فاسدة لم يعد لها أي رصيد في صفوف هذا الشعب بكل مكوناته.
وأخيرا نحيي انتفاضة شعبنا وثورة شبابه السلمية للتغيير، وإنهاء المعاناة والظلم، وتحرير السجناء والمعتقلين في سجون الاحتلال، والسجون السرية والعلنية للحكومة الحالية، والقضاء على الفساد المستشري في مفاصل الحياة، ومحاكمة المفسدين، وغير ذلك من المطالب العادلة.
يا أبناء شعبنا الأصلاء من شمال العراق إلى جنوبه، لم يبق لكم من سبيل لتحقيق أهدافكم المشروعة، سوى ما أنتم عليه الآن من المظاهرات والاعتصامات حتى تتحقق مطالبكم كاملة، وحذار أن تثقوا بوعود من حكمتم عليهم بالكذب والفساد؛ لأن الله لا يهدي من هو كاذب، كما أنه سبحانه آلى على نفسه ألا يصلح عمل المفسدين.
كما أن المشاركة الواسعة في مظاهرات يوم غد السبت (9/4) يوم استعادة الكرامة والخلاص من أجل المطالبة برحيل المحتل من العراق تماما، والمطالبة برحيل المالكي وحكومته؛ سيكون سعيا في الاتجاه الصحيح، وسيبعث برسائل واضحة للعالم أن المحتل لم يعد يملك من وسائل التضليل ما يبرر به وجوده على أرض العراق، وأن حكومته هي الأخرى لا تحظى بأي شرعية للبقاء، فضلا عن أنه سيكون تعبيرا صادقا وعمليا عن روح الشراكة في الوطن، والمسؤولية الواحدة لكل أبنائه من الشمال إلى الجنوب في الدفاع عنه، والذود دونه، فمن فاته شرف المقاومة المسلحة في الدفاع عن الوطن، ضد الغاصبين والظالمين لم يفته شرف المقاومة السلمية للمطالبة بخروجه على نحو مؤثر وفعال لا يقل أهمية عن الأول في الوصول إلى الهدف المشترك في التحرير والخلاص.
لقد تأكد اليوم للجميع أن هذين الطريقين هما الخيار الصحيح والأمل المتبقي لتحرير العراق وإنهاء الأوضاع الشاذة فيه بعون الله وتعالى ومشيئته.
وفي الختام ندعو الله تعالى لشهدائنا في المقاومة العراقية الأبرار وشهداء الانتفاضة الأحرار، وكل شهداء العراق الذين قتلوا ظلما على أيدي قوى الشر والإجرام في مدن العراق وقصباته في: الزركا والفلوجة والنجف وديالى والموصل والسليمانية والبصرة وغيرها بالرحمة والرضوان ولذويهم بالصبر الجميل، كما ندعو للسجناء والمعتقلين بالفرج القريب والعود الحميد إلى أهلهم وذويهم، وما ذلك على الله بعزيز.
والله أكبر والعزة والكرامة للعراق وشعبه.
والخزي والعار للاحتلال وعملائه الفاسدين الأشرار.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدكتور حارث سليمان الضاري
الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق
5 جمادي الأولى /1432هـ
في الثامن من نيسان، عام 2011م
رسالة مفتوحة إلى الشعب العراقي بمناسبة الذكرى الثامنة لاحتلال العراق
