هيئة علماء المسلمين في العراق

الأمة العربية بين رياح التغيير وعواصف التقسيم... محمد بهاء الدين زيدان
الأمة العربية بين رياح التغيير وعواصف التقسيم... محمد بهاء الدين زيدان الأمة العربية بين رياح التغيير وعواصف التقسيم... محمد بهاء الدين زيدان

الأمة العربية بين رياح التغيير وعواصف التقسيم... محمد بهاء الدين زيدان

علينا ان نعترف ان قطار التغيير يواصل رحلته علي قضبان خريطة الوطن العربي من المحيط الي الخليج ولا نعلم في أي محطة قادمة حتي كتابة هذا المقال سيتوقف.. فكل الدلائل والإشارات تومض  بأن الشعب الذي يملك ارادة الحياة قادر علي مسابقة الزمن نحو تحقيق احلامة  مهما كبرت.
علينا ان نعترف ان امتنا العربية ميدان لمعركة الحق والباطل
و الخير والشر وانها قلب  لوحة التصويب عليها..وان ما كنا نتصوره تهديدا  أصبح حربا حقيقية للتقسيم ..فهل يصدق علينا ونحن في الألفية الثالثة ما قاله( روبرت هي) المقيم البريطاني في الخليج أوائل القرن الماضي ...اننا بحار من الرمال تعبرها القوافل مثلما تعبر السفن بحار الماء دون ان تترك وراءها اثرا.
او ما قاله (برسي كوكس)مفوض حكومة الهند في الخليج حينما اخرج قلمة الأحمر ورسم علي الخريطة خطوطا لمشايخ الخليج قائلا:هذه حدودكم الجديده..ولم يكن بعضهم راضيا خصوصا بين الكويت والسعودية وهنا خرج (كوكس)بأختراعه الشهير (المناطق المحايدة).
علينا ان نعترف ان امتنا تعرضت وتتعرض لتهديدات خارجية وضغوط اقليمية وداخلية املتها عليها زعامات وقيادات من ابناء جلدتنا لتجريدها من  مصادر قوتها ونهب  ثرواتها ، وتبديد طاقتها طمعا في امتطاء العروش، وملء الكروش.
علينا ان نرصد مشاهد الماضي القريب، وواقع الحال الذي يغني عن كل مقال في صور لا تخطئها العيون  لأننا شهود علي العصر نسبر أغواره ونكتشف خفاياه بدلائل تؤكدها الوقائع والأحداث.
فسفر التاريخ يحكي لنا أننا كنا بوابة الحضارة الأنسانية في سعيها المتواصل وحركتها المستمرة ونشاطها الدائب في الوصول إلي  المعرفة والبحث والدراسة في جميع مجالات الحياة التي استمدت دعائمها من منهج اسلامي يعايش كل حضارة ويقيم مجتمعات اساسها الخير واعمال العقل والتفكير  بما يعكس التوازن بين المادية والروحية .
فنحن أمة ذات تاريخ وحضارة وموروث أكد شخصيتنا
وعمق اصالتنا عبر جسور أقمناها وشيدناها ..نسترجع اليوم ذكراها  وصداها  ومداها بما يثبت ان مجري الزمن لا ينقطع بل هو في اتصال دائم بين الماضي والحاضر في تطلع للمستقبل  بما يحدث التغيير في ساحات دراما الواقع العربي اليوم بكل مفرداتها ومعطياتها  ودروبها  ومشاكلها وهمومها حيث لا يزال عالمنا العربي في عزلة عن دنياه المتغيرة بسرعة وكأنه في حالة خصام  مع واقع عصره بل مشتبكا مع نفسه..حتي أن بعض أوطانه بدأت تتأكل هويتها ورقعتها .. بينما بعضها الأخر يغرق في مستنقعات وحل ودم.. بل ان اوطانا مضت تغيب بسرعه في ظلام النسيان ..أمة اخذتها  المفاجأت ثم  افزعتها التداعيات  ثم قسمتها الخلافات التي ساقتها الي طرق وعرة ليس فيها درب للأمان بعد ان هبت  عليها عواصف الأحقاد والفتن  لأعداء الأمة التي مزقت الصدور وأحرقت سويداء القلوب وشتت الأفكار التي جعلتنا كشعوب ندور في حلقات من بلبلة العقول، واحاطت بنا الحيره واكتنف هذا المستقبل الكثير من الغموض .
فمن ينظر الي خريطة الوطن العربي من المحيط الي الخليج بدون ذكر للدول يري التداخل والتشابك لأجندات بعضها داخلي وبعضها اقليمي وبعضها دولي  حتي أضحت  الأمة العربية في خطر داهم  من التفتيت  والتقسيم ، والتحول الي كانتونات  طائفية ومذهبية  وقومية وعرقية .
سيناريوهات من التقسيم لوطننا العربي الذي يملك واقعا ماديا جغرافيا واقتصاديا وبشريا  هو من عوامل القوة الشاملة  لأي كيان عالمي، ويملك قوة عقائدية تعززها  روح قومية ذات رصيد تراكمي عبر مئات السنين  جسدتها انتصارات وكبوات وانكسارات  سرعان ما تستوعبها الشعوب العربية لأن مصيرها واحد وهدفها واحدا طال الزمان او قصر فماذا حدث؟؟
لقد انكشف المستور ..انظمة تتخاطب  بالجمل الطنانة والكلمات الرنانة لشعوب مقهوره مخدوعة  ومهانه ومذلولة.. غطت عيونها غشوات من حكام لا تعنيهم الا  مصالحهم الشخصية المرتبطة دائما بالقوي الأجنبية بعد أن أعمي بريق السلطة وكنز المال  بصيرتهم وطمست أمام عيونهم  الدلائل الواضحة والنذر الخطيرة فاستهانوا واستخفوا بشعوبهم واعتبروها شعوبا قاصرة تافهة حتي وقعت الواقعة  فظهر حجمهم الحقيقي وتأثيرهم الفعلي وهشاشة أنظمتهم علي وقع صيحات شعوب  تستطيع تحقيق التطلعات مهما اشتدت  وكثرت التحديات دون  تضحية  بشئ من تقاليدها وعاداتها او المساس بعقيدتها وقيمها .
لقد تناغمت الشعوب العربية مع إيقاع التغيير فلا حظنا تدفق الوطنية والعودة الي أصالة الانتماء للأرض والحق والأمة  بما يؤكد جسارة الرؤية الواضحة للمسار التاريخي  للأمة العربية وقدرتها علي احياء  القواسم المشتركه بين ابنائها عقيدة ولغة  وتاريخا ومصيرا وهدفا .
فالتغيير المقصود ليس فقط تغيير أنظمة وانما بالدرجه الأولي تغيير المفاهيم ومناهج التفكير وأنماط العلاقات والنشاطات  الساسية والأجتماعية والأقتصادية والتعليمية والصحية والأعلامية  والثقافية والأمنية تحت لافتة (الحرية  والديمقراطية والعدالة الاجتماعية) علي الطريقه العربية وليس علي طريقة  من ابتدعوا الشرق الاوسط الجديد او نظرية الفوضى الخلاقة .
فهي ليست تظاهرات واحتجاجات واعتصامات من اجل التغيير الشكلي فحسب بل ضرورة حتمية ،  وصحوة  مجتمعية  تنبض بالحق والحقيقة  وتجعل التاريخ شاهدا عليه ا بالوقائع والأحداث في عشق للوطن يستعصى علي القياس  فرغم أن  الثورتين التونسية والمصرية لا تزالان في مرحلة المخاض الا أن ما يدور علي مضمار الثورات الشعبية من سباق عنيف في عدد غير قليل من الدول العربية يشير الي ما قاله الكاتب والمؤرخ البريطاني ارنولد توينبي..(ان أي ثورة يمكن ان يكتب لها النجاح لكنها لن تستمر الا اذا صنعت ما يسمي بالكتلة التاريخية التي تحفظ للثورة تدفقها عبر شرايين تبقي موصولة بين الحكام والمحكومين ، وتحفظ للفقراء حقوقهم ، وتجدد الخلايا والرؤي والخطط والاحلام)
وبديهي أن تفرض تلك الثورات رغم التحديات التي تواجهها وطنية القرار  حتي لا تصبح مطية لأوراق يمتلكها الأخرون من أعداء الثورة سواء من الداخل او من أصحاب الأجندات الإقليمية والخارجية والتي كانت  مصدرا مستديما  لهموم الأمة العربية ومشاكلها وعرقلة أسباب نهوضها الحضاري منذ عقود ولا تزال  تقود حافلة العالم العربي في الاتجاه المعاكس بما يثير كوامن القلق ، ويدلل علي وجود خبايا كامنة في الأعماق وغير ظاهرة علي السطح.
فقصة أي حدث سياسي يصعب فهمها  مالم توضع داخل إطارها.. لأننا لا نريد لها أن تكون قفزة في المجهول  بل بناء حضاريا في نموذج الديمقراطية.. بناء لأجيال ناشئة وقادمة محصنة ضد فيروسات  وجراثيم أنظمة حكم أقل ما توصف به هو التخلف السياسي الذي اتسعت دائرته وتشابكت حلقاته وترابطت الياته بدرجة لم يسبق لها مثيل ..فبقدر ما تكون الظروف صعبة تكون قيمة الانجاز اكبر وأعظم  وأجدر بالتقدير وهو ما تلمسه اليوم شعوب امتنا العربية في إيقاع حركتها الثورية  وهي تجدد شخصيتها الوطنية في نقلات  تضع بصمات الاستقرار والسلم الاجتماعي والتنمية الشاملة برؤي تنفتح علي العصر ، وتتكيف مع ايقاعاتة ومتغيراته دون ان تنشغل بالمتغيرات  عن الثوابت وبما اثبته التاريخ والفكر والواقع بأن  أي ديمقراطية لا تشتري ولا تستورد من الخارج وانما تبني بأرادة الشعوب علي ضوء ظروفها  وقيمها الثقافية وعقيدتها التي تعد القوة المحركة الدافعة للعمل والتضحية من اجل المبادئ كما تحدد للمجتمع غاياته واهدافه
منطلقين في ذلك ان المواطن العربي علي خريطة وطننا هو ابن بيئته التي تشكل طبائعه ، وتظهر اسلوب تفكيره وقيمه وتخلق فيه روح الأستعداد ليكون هو نفسه صانع ديمقراطيته والقادر علي ان يجسد الحلم الي حقيقة تستقرأ  الأمل بأصالة المبدأ وصلابة العمل في مدارات الأصلاح الشامل بتفاعل  يملأ النفوس بالثقة فيما هو آت .
لقد اصبحت الشعوب العربية اليوم هي صاحبة الكلمة الفاصلة والنهائية بعد ان استعادت وعيها والتفت  حوله دون أن تسمح لمخادع أن ينال منها ..او لمتاجر أن يربح منها.. فمن خلال عودة الروح يتجدد المضمون ويزداد نضجا ليعتلي كل مجد جديد..بعد أن  تخطت صيحات الشعوب العربية  الحدود ، واكتسبت ابعادا جديدة حظيت بالأعجاب والتقدير من دول العالم المحبة للعدل والحرية والديمقراطية ..بل غيرت اتجاه بوصلة العالم الي امتنا العربية التي لم ولن تموت بأذن الله  وصدق الله العظيم في كتابه الكريم( كنتم خير أمة أخرجت للناس)

أضف تعليق