اكد الشيخ الدكتور ( عبد المجيد محمود ) ان العراق يعد الركن الركين في التاريخ الإسلامي، وان عاصمته بغداد التي قادت العالم عسكرياً واقتصادياً وعلمياً هي المنارة التي كانت تضيء العالم في ذلك الوقت .
واوضح الدكتور " محمود " في لقاء اجراه معه مراسل الهيئة نت في القاهرة ( عبدالمنعم البزاز ) ان مستقبل العراق هو مستقبل الأمة الإسلامية كلها، ولذلك فان الغرب لا يخاف من شيء سوى من الاسلام لانه يعلم علم اليقين أن الإسلام فيه من الحيوية والحركة ما يمكنه أن يبدأ من جديد بداية قوية .. مشيرا الى ان محاولات الدول الغربية التي تقودها امريكا الان ضد العديد من الدول الاسلامية وفي مقدمتها العراق وافغانستان تهدف الى السيطرة عليها وايقاف حركتها .
وفي ما يأتي نص اللقاء :
الهيئة نت : مرحباً بكم فضيلة الشيخ وبداية نود أن نتعرف على مسيرتكم ونشأتكم العلمية، وطريقة التعليم سابقاً.
// الدكتور محمود : ولدت في 12/ 12/ 1931م، وعمري الآن يحبوا إلى الثمانين، ومنذ ولادتي نذرتني أسرتي البسيطة للعلم الديني وللأزهر الذي كان يمثل الناحية الدينية والاحترام العلمي عند المجتمع بكافة فئاته في ذلك الوقت ، فقد ذهبوا بي وعمري ثلاث أو أربع سنوات الى " الكُتّاب " لأحفظ القرآن، ولما بلغ عمري ست سنوات بدأت أذهب الى المدرسة الأميرية صباحا وبعد الظهر أذهب الى الكُتّاب، حتى أتممت القرآن وأنا في سنّ الحادية عشرة، ثم دخلت الأزهر الذي كان لا يقبل طلبته إلا في هذا السن ، وكنت الأول على المعاهد الدينية في الأزهر الذي بلغ عدد طلابه آنذاك أكثر من (800) طالب ، وعندما أكملت خمس سنوات للمرحلة الثانوية أنتقلت عام 1952إلى كلية دار العلوم التي كانت تعد من الكليات التي تجمع بين القديم والحديث ، وكان القبول فيها ، يشترط حفظ القرآن الكريم كله، وكنت الاول على الدفعة عندما تخرجت عام 1957م ، ثم عُيّنت في مدرسة النقراشي التي كان يدرس فيها المراحل الثلاث " الابتدائي والإعدادي والثانوي " وأمضيت فيها سنتان ، وبعد ان اكملت التجنيد عام في نيسان عام 1961م، تم قبولي معيداً في قسم الشريعة بكلية دار العلوم، وأكملت التمهيدي عام 1962 وسجلت رسالة بعنوان "أبي جعفر الطحاوي وأثره في الحديث" ، وفي عام 1965م حصلت على الماجستير ثم حصلت شهادة الدكتوراه في تموز عام 1968م بعد مناقشة الاطروحة الموسومة "الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث" ، بعد ذلك ذهبت إلى كلية الشريعة في مكة المكرمة وأمضيت فيها أربع سنوات ثم عدت الى القاهرة، ، ثم ذهبت مرة ثانية الى السعودية وبقيت في في جامعة أم القرى بمكة المكرمة عشرين عاماً بعدها قدمت استقالتي رغبة مني حيث أكرموني واحتفوا بي وأهدوني درعاً، ثم ذهبت الى الأردن وأمضيت هناك خمس سنوات حيث اسندت لي مهمة انشاء اول قسم للدراسات العليا في جامعة اليرموك، كما اشرفت على اول رسالة للدكتوراه في الاردن عام 2001م، وفي عام 2005م عدت إلى القاهرة لاعمل كاستاذ غير متفرغ في كلية دار العلوم واستمر ذلك حتى عام 2007.
الهيئة نت : هل لديكم مؤلفات غير التي سبق ذكرها؟
// الدكتور محمود : بعد عودتي الاولى من السعودية ألفت كتابين هما "هدي الإسلام في الزواج والفرقة"، و "أمثال الحديث"، ثم اعيد طبع الكتاب الاخير في السعودية تحت عنوان"نظرات فقهية وتربوية في أمثال الحديث"، ثم كتاب بعنوان "المدخل لعلوم الشريعة" وهو كتاب يعطي فكرة عن كتب الحديث والتفسير والفقه والأصول، ولديّ كتاب أردت فيه أن أستنّ على سَنن مَن قبلي في فقه الكتاب والسنة،سميته " فقه الكتاب والسنة في مسائل في الطهارة" وأيضاً كتاب "معالم فقه ابن حبان" وتكلمت فيه عن الفقه والاصول من كتاب "صحيح ابن حبان" ، فضلاً عن بعض البحوث منها منهج ابن جرير الطبري " في كتابه تهذيب الآثار" - أوضح فيه التناقض الظاهر بين قوله هذا حديث صحيح عندنا سنده، وقد يكون في رأي الآخرين فيه علل، ثم لا يذكر تلك العلل، وأيضاً كتبت بحثاً في "أصول فقه الإمام البخاري" ، استنباطاً من صحيحه
الهيئة نت : هل جمعت بين الدراسة الأكاديمية، والدراسة على ايدي الشيوخ أم اكتفيت بالدارسة الأكاديمية؟
// الدكتور محمود : لم يتيسر لي الدراسة على ايدي الشيوخ وإنما تتلمذت في الدراسة النظامية، والممارسة، حيث درست في مكة المكرمة أصول التشريع، وتاريخ الفقه، والفقه المقارن، بالرغم من أنني ذهبت الى هناك كمدرس للحديث الذي كنت أدرسه لطلاب السنة الثالثة، و مارست الفقه بصورة كبيرة، وكذلك درّست مادة الحديث وعلله في الدراسات العليا في الأردن.
الهيئة نت : كيف تقيمون طالب العلم الآن مقارنة بزمنكم؟
// الدكتور محمو د : طالب العلم الآن لديه من المصادر والمراجع ما كانت غائبة عنا أو كانت مخطوطة حيث نمضي وقتاً طويلاً في سبيل البحث عنها والاطلاع عليها، ولكن عجلة طالب العلم الآن تذهب به إلى عدم الاستفادة من الكتب والعلوم التي يطلع عليها، وكثير منهم قد يكتفي بما يُعرف بالقص واللصق للجزئية التي يريدها ولا يعرف شيئاً عن منهج المؤلف ولا عن مقدمته أو بمعنى آخر عن مصطلحاته في هذا الكتاب، فالطالب الآن أمامه كم هائل من المراجع والمصادر ولكن ليس لديه الصبر على البحث، وفي ايامنا كنا نمشي نصف ساعة كي نصل الى دار الكتب في ميدان باب الخلق، وكنا نكتب بأيدينا لعدم توفر الاستنساخ والتصوير الوجود اليوم، وهذا الاطلاع فيه فائدة كبيرة للطالب بالرغم من أنه يستغرق وقتا طويلا.
الهيئة نت : بماذا تنصحون طالب العلم؟
// الدكتور محمود : في كتب السنن وكتب الصحيحين وكتب علوم الحديث فصول متعلقة بآداب طالب العلم، وآداب الشيخ والحقيقة وأنا أرى أن الاطلاع عليها من اولة الواجبات التي يبدأ بها الطالب، فرجوع طالب العلم الى مثل هذه المصادر مهم جداً، لان طالب العلم يبدأ أولاً بمعرفة الأدب الذي ينبغي أن يتحلى به في نفسه ، وبينه وبين الله تعالى، وبينه وبين الناس، ثم بينه وبين أستاذه، وعندما نشرت محاضرات على النت بطلب من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يرأسه الشيخ يوسف القرضاوي بدأت في الحديث عن آداب طلب العلم وطالبه وهذا موضوع مهم لكل طالب علم مسلم.
الهيئة نت : كيف يمكن التوفيق بين الدعوة والتدريس والتأليف والأسرة؟
// الدكتور محمود : لا يوجد تعارض بين هذه المصطلحات الاربعة ، لان قدوتنا في ذلك هم الأنبياء عليهم السلام وكما جاء في القرآن العزيز : (( ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية))، وفي حديث النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)، فالداعية قد يضطر إلى ترك البيت فترة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يكاد يعود إلى المدينة حتى يصدر عنها، فيخرج للغزوات التي قد تستمر الواحدة منها شهرين أو أكثر أو أقل، فعلى الأسرة أن تعين الداعية في مهمته ما دامت لله، والبيت إذا أعان فله من الحسنات مثل الذي يمدّ المجاهد بمدد أو بمؤنة والله تعالى يقول (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) فالأسرة ينبغي أن تصبر على هذه الوظيفة التي اختارها الله سبحانه وتعالى لهذا الداعية وفيها من الأجر والمثوبة الشيء الكثير، أما مسألة التأليف فهذه منحة من الله سبحانه وتعالى، فلما يأتي رجل مثل الطبري ليخرج كتاب التاريخ فضلاً عن مؤلفاته في أصول وفروع المذهب، فهذا يأتي من البركة في الوقت والكتابة، ونحن قد تفوت الأشهر ولا نكتب سطراً، فهم استفادوا من وقتهم وعمارهم وزمانهم فبارك الله لهم في ذلك، ومثالا على ذلك الإمام الشافعي والنووي اللذين ما زال الناس يعتمدون على أثارهما وذكرهما بالرغم من انهما لم يتجاوزا الخمسين عاما من عمرهما .
الهيئة نت : ما رأيكم في مسألة التحقيق لطالب العلم، وهل فلسفة التحقيق تبدأ به أم تنتهي إليه؟
// الدكتور محمود : لا يمكن البدء بالتحقيق؛ لأن التحقيق يحتاج إلى خلفية علمية في الكثير من العلوم ، فقد تحقق شيئاً في الفقه لكن ذلك قد يجرك إلى التاريخ وإلى الأصول وإلى اللغة، فلا بدّ أن يصبر طالب العلم ويتحقق من العلوم، لا سيما بعد ان تغيرت مناهج التعليم، فما كنا نأخذه في الابتدائي قد يُؤخذ الآن في الكليات، والطالب الذي يتخرج الان قدرته على التحقيق تكون محدودة، والنظر في النسخ ومعرفة التصحيف والتحريف، فكيف يختار الكلمة التي تكون أحياناً غريبة وأقرب إلى كلمة مشهورة فقد يُبدلها بالمشهورة مع أن هذه الكلمة الغريبة إذا بحثت فيها بالقاموس ستجد لها معنى معين وهذه تحتاج إلى خلفية، وكلما كان الطالب مُلمّاً بالعلوم كلما استطاع التحقيق، لان التحقيق ليس مهمة سهلة، وأحياناً تقع اخطاء فاحشة اثناء الترجمة لأن الأسماء والألقاب تتشابه وتختلف من زمان الى آخر، فمثلاً ( يحيى بن سعيد القطان ) وهو من اتباع التابعين يترجم بـ( يحيى بن سعيد الأنصاري ) وهو تابعي ايضا، ولا أكتمك سراً فأنا في كتاب "أبو جعفر الطحاوي" لما ناقشني الشيخ ( علي الخفيف ) وجد أني قد ترجمت الـ(زيلعي ) وهناك ( جمال الدين الزيلعي ) وآخر ( فخر الدين الزيلعي ) ، ولذك فاني أرى أن التحقيق ليس سهلاً، والشيء الوحيد فيه أنك أمام شيء محدد، أما الموضوع المعين فقد يذهب بك يميناً وشمالاً وليس إخراج النص صواباً صحيحاً من السهل لأنه كما قلت يحتاج إلى خلفية علمية.
الهيئة نت : هل سبق لكم أن زرتم العراق؟
// الدكتور محمود : لم يسبق لي زيارة العراق، ولكنني التقيت بعدد من المشايخ كالشيخ ( محمد محمود الصواف وولده مجاهد، والشيخ أحمد الكبيسي ) في السعودية والدكتور حسين الجبوري، اضافة الى عدد الشباب العراقيين الذيين كانوا يدرسون الدكتوراه في السعودية، كما اشرفت على طالب عراقي اسمه (وليد العاني ) لنيل شهادتي الماجستير والدكتوراه حيث كانت رسالته في الدكتوراه بعنوان " تحقيق مسند البزار في الخلفاء الأربعة " تناول فيها الأسانيد والتخريج وذهب فيها مذهباً أفزع أصحاب الحديث وعمل أستاذاً بجامعة اليرموك قبل ان يتوفى هناك ويترك ذكراً حسناً باهدائه مكتبته الى هذه الجامعة .
الهيئة نت : ماذا يعني لك العراق؟
// الدكتور محمود : العراق ركن ركين من التاريخ الإسلامي، وإذا ذُكر العراق ذُكرت عاصمته بغداد التي قادت العالم، عسكرياً واقتصادياً وعلمياً لانها المنارة التي كانت تضيء العالم في ذلك الوقت، ومن أسوأ الأيام التي مرت عليّ عندما اجتمعت أمم الغرب كلها لتجيش جيوشها وتغزو وتحتل بغداد التي تعد آخر معقل للثقافة الإسلامية والعلم الإسلامي والتذكير بالقوة الإسلامية، وها هم الآن يقتلون ابنائها وينهبون أموالها ويهتكون أعراضها، ولكن بالرغم من ذلك كله فانا متفائل بان هذه الموجة من التاريخ ستزول إن شاء الله تعالى .
الهيئة نت : ما هو تصوركم لمستقبل العراق؟
// الدكتور محمود : ان مستقبل العراق هو مستقبل الأمة الإسلامية كلها، والذي ألاحظه أن هناك عيوناً مفتوحة تراقبنا على الأرض ومن السماء مهمتها الأولى هي رصد الحركة الإسلامية، لان الغرب لا يخاف من شيء إلا من الإسلام، وهو يعلم أن الإسلام فيه من الحيوية والحركة ما يمكن أن يبدأ من جديد بداية قوية جداً، فهم يحاولن طمس أي نبتة اسلامية وخير شاهد على ذلك ما يجري الان في العراق وافغانستان، لأن الدول الغربية تحرص على عدم تمكين الحركة الاسلامية من الوقوف على قدميها.
الهيئة نت : ما هو موقف العلماء تجاه قضايا الأمة ؟
// الدكتور محمود : في الحقيقة ان بعض العلماء أساءوا للإسلام إساءة كبيرة عندما تركوا وظيفتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصاروا طلاب مال.
الهيئة نت : كلمة أخيرة توجهها الى أهل العراق.
// الدكتور محمود : ما أُوصي به الشعب العراقي هو إخلاصهم في الدعاء لله سبحانه وتعالى، والإخلاص في العمل وعدم النظر الى الحصول على مغنم كهدف اساسي وإنما نصرة الله تعالى ليُمّكن لهم، ويرفع الظلم عنهم، لان الله تعالى وعد عباده المخلصين بقوله ((ولا تحسبنّ الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار)) فإذا رجعنا إلى طاعته وعلمنا أن الأمر كله بيده سيأتينا النصر إن شاء الله ((إن تنصروا الله ينصركم))، ونسأله تعالى أن يتقبل من الشعب العراقي نيته وجهاده في مواجهة الاعداء وأن يهلك الظالمين حيثما كانوا، كما اتوجه بالدعاء الى الباري جل في علاه ان يبارك الجهود الكبيرة التي يبذلها الشيخ الدكتور حارث الضاري الامين العام لهيئة علماء المسلمين في خدمة الاسلام والمسلمين، وان يمد في عمره ليشهد تحرير ارض العراق الطاهرة من رجس المحتلين الغزاة.
الهيئة نت : شكراً لكم دكتور وبارك الله بكم.
// الدكتور محمود : حياكم الله وأهلاً وسهلاً .
الهيئة نت
ح
في لقاء مع الهيئة نت بالقاهرة..الدكتور عبد المجيد محمود : العراق الركن الركين في التاريخ الاسلامي
