يأتي نيسان العراقيين كما في كل عام، محملا بالذكريات المرة والصور التي ترفض أن تغادر الذاكرة، فهي بمثابة جلد سنوي للذات العراقية التي وجدت نفسها في غفلة من يوميات تاريخها ومستقبلها، محتلة،
بواحد من أقسى وأبشع أنواع الاحتلال في التاريخ، يأتي نيسان، لا تباشير لربيع عراقي يمكن له أن يطوي معه صفحة السنوات الثماني التي دمعت فيها عين العراقيين حتى جفت المآقي.
ما يميز نيسان هذا العام بالنسبة للعراقيين، أنه يأتي في وقت تشهد فيه معظم البلدان العربية تغييرات هي الأهم في تاريخها على الإطلاق، حتى إني أكاد أجزم أن الثورات العربية أهم من سنوات الاستقلال عن الاستعمارين البريطاني والفرنسي، لأن كليهما غادر وخلف وراءه أذياله الذين تثور عليهم اليوم الشعوب، بعد أن عاثوا في الأرض خرابا.
ولأن العراقيين يعيشون وسط هذا العالم العربي، يتأثرون ويؤثرون به، فإنهم حاولوا أن تكون لهم ثورتهم الخاصة، سعوا للاستفادة من الواقع الذي فرضته الشعوب العربية على أنظمتها، فخرجوا، وكانت لهم جمعتهم، ظنوا للوهلة الأولى أن وجود قوات أميركية، حتى إن كانت محتلة، سوف يمنع قمعهم بالقوة، راهنوا على الفضاء الذي بات مفتوحا ولا يمكن لأحد أن يحجبه، غير أنهم عادوا خائبين.
لم يراهن العراقيون على دستورهم الذي يضمن حق التظاهر ويكفل حرية الرأي، لأنهم أخبر به من غيرهم، فهم يعلمون أن الدستور كتب على عجل وبأيدي لا تهمها مصلحة العراق قدر انشغالها بما يمكن أن يوفره الدستور لمصالحها الحزبية والطائفية.
العراقيون لم يعولوا على الدستور لأنهم يعرفون أن الدستور ينتهك في كل لحظة من قبل كاتبيه، لأنهم أصلا لا يعرفون ولا يؤمنون بوجود دستور ناظم للحياة العامة.
خرج العراقيون، في جمعهم، تظاهروا رغم القمع والقتل والإرهاب الذي مورس ضدهم من قبل قوات الحكومة التي تصر على أنها منتخبة، دون أن يكون لكلامها أي وقع لدى عامة العراقيين، الذين يصرون على أنها حكومة احتلال، جاء بها الاحتلال، ويمكن له أن يصرفها بأي لحظة، فلا شعب ولا انتخابات.
نيسان العراقيين يأتي ولا جديد في أفق العراق المحتل، اللهم سوى مظاهرات ستخرج هنا أو هناك الله وحده يعلم كيف ستعاملها حكومة المالكي، مظاهرات تريد أن تذكر الجميع أن العراق ما زال محتلا، ما زال جرحه ينزف رغم كل ما تحاول أن تضفيه الولايات المتحدة على حلفائها الذين نصبوا في المنطقة الخضراء من صفات وألقاب، ورغم كل ما تحاول حكومة بغداد أن تدعيه من استقلالية وشرعية جاءت بها صناديق الاقتراع.
لا ربيع في نيسان العراق، فالكل مكبل بالقيد، مسجون خلف تلك الجدران الإسمنتية الكبيرة التي أبدعت في وضعها حكومة المنطقة الخضراء، لا ربيع، وهناك أكثر من 50 ألف معتقل عراقي في سجون حكومته المحتلة، وهناك نحو %30 من العراقيين تحت خط الفقر، ونحو %40 نسبة البطالة، ناهيك عن خمسة ملايين يتيم عراقي ونحو مليون أرملة عراقية.
لا ربيع في بغداد، نيسان مر الطعم، لا شيء في مرآه يمكن أن يبهج النفس، اللهم سوى تلك الثورات العربية التي تفوح دماء شهدائها مسكا هنا وهناك، علها تصل إلى بغداد، لتشارك في صنع تاريخ يكون فيه نيسان شهر العراقيين الأخضر، وليس الذي لطخ بعار الاحتلال وسنابك الغزاة.
نيسان بغداد.. حيث لا ربيع .. إياد الدليمي
