(إنّ نهب ثروة العراق النفطية لم يسبق له مثيل في تأريخ الجريمة المتعلّقة بالشركات)
التحول التحرّري الجديد للعراق صوّر كمغامرة إنسانية فالشركات الغربية والحكومات المحتلة تتكلّم الآن عن تحرير العراق من استبداد اقتصاد صدام المنظم.
في اليوم الذي أعلن فيه عن انتهاء عمليات الحرب الرئيسية خاطب توني بلير الشعب العراقي قائلا “لقد سلب صدام حسين ونظامه ثروة أمتكم، كان ونظامه يتمتعون بترف الحياة بينما يعيش العديدون منكم حياة فقر، إن أموال النفط العراقي من الآن ستكون لكم لكي تستعمل لبناء الرخاء والازدهار لكم ولعوائلكم.”!!
إن الجزء الأكبر من الأموال التي صرفها الاحتلال الأمريكي - البريطاني لم تكن تبرعات أمريكية أو تمويلا دوليا، ولكن كانت من الإيرادات النفطية التي تخص الشعب العراقي. وأثناء الحكم الأمريكي المباشر للعراق صرفت الولايات المتّحدة أو ادعت أنها صرف حوالي 22 مليار دولار أنفقت أغلبها على الشركات الأمريكية.
من هذا الإنفاق حوالي 7 مليار دولار لم يكن صرفها محسوبا. من الدليل المتوفر لدينا نعرف أنّ معظمها قد اختفى إلى أيدي الشركات الأمريكية والى المسؤولين الفاسدين ونخبة من منفذي العقود العراقيين.
سلطة "الائتلاف" المؤقّتة CPA أصدرت 100 أمر قانوني ملزم في مدة 14 شهرا من وجودها كسلطة مركزية لحكم العراق برئاسة بريمر محبوب بوش، وتلك الأوامر طبّقت بدون موافقة الشعب العراقي، وهي تمثّل شكلا جديدا من التحرر الذي يشبه زواجا كنسيا له نتائج وخيمة وغير قابلة لنقض للاقتصاد العراقي!!.
إن الهدف الواضح كان هو التروّيج للدخول السريع إلى اقتصاد نفط العراق الغني.
الأمر رقم 12 لسلطة "الائتلاف المؤقتة" طبّق بعد شهر واحد من إعلان جورج بوش انتهاء العمليات الحربية الرئيسة في العراق، وعلّق بموجبه الضرائب على السلع التي تدخل البلاد.
خلال بضعة أيام من تطبيق الأمر 12 ضخت الشركات الأمريكية إنتاجا هائلا من سيقان الدجاج إلى الأسواق العراقية أدى إلى انخفاض سعر الدجاج إلى اقل من 71 بنسا للكيلو غرام الواحد، وهو أرخص من السعر الذي يمكن أن يتحمله المنتجون العراقيون. سيقان الدجاج تلك كانت فائضة في السوق الأمريكية؛ لأن الأمريكي العادي يفضّل لحم الصدر. وكانت سيقان الدجاج تلك ستباع قبل الاحتلال على الأغلب كغذاء رخيص يدللون به.
الأمر 39 يجيز الملكية الأجنبية الكاملة لتشكيلة واسعة من الأصول المملوكة للدولة. إنّ القصد من ذلك هو السماح ببيع أكثر من 200 مشروع من المشاريع المملوكة للدولة بضمن ذلك الكهرباء والاتصالات وصناعة المواد الصيدلانية، كذلك إجازة ملكية أجنبية كاملة للبنوك والثروات داخل الأرض والمصانع. كذلك سمح هذا المرسوم لهذه الشركات بنقل أرباحها خارج البلاد.
الأمر رقم 81 صمم كنظام يضمن بأنّ الزراعة ستعتمد على الشركات الأجنبية لتقنية الحبوب. ويجبر هذا الأمر المزارعين باستعمال التنويعات المحمية التي تجهزهم بها الشركات العالمية. ولا يوجد هناك أي شكّ بان الاحتلال عمد إلى إضعاف تقدمّ قاعدة العراق الصناعية والتجارية!!.
الفضيحة الأكبر تتضمّن عقود إعادة بناء
في مدة واحدة بين 2003 و2004 أكثر من 80 % من العقود الأساسية أعطيت إلى الشركات الأمريكية، والبقية وزعت بين الشركات العراقية والأردنية والإسرائيلية والإيطالية والأسترالية والبريطانية.
يخمّن احد المصادر بان مجموع العقود التي استلمتها الشركات العراقية حوالي 2 % فقط أثناء حكم "سلطة الائتلاف المؤقّتة" التي استطاعت تركيز الأموال في أيدي الشركات الأمريكية بإصدار العروض غير التنافسية.
ومن خلال سجلات الإنفاق يمكن أن نخمّن بأنّ حول 66 % من العقود بين أبريل/نيسان 2003 وأبريل/نيسان 2004 أصدرت بغير تنافس إلى الشركات المفضّلة المختارة.
حطّم واستولِ!!
أفضل وصف أطلق على إعادة هيكلة الاقتصاد العراقي هو"عملية حطم وانتزع". و"التحطيم" هو فرض مجموعة من الحيل والوسائل الإدارية التي أصبح بموجبها المقاولون الأمريكيون والغربيون كوكلاء أساسيين لإعادة البناء، وبهذا تم تهميش وتقويض راس المال العراقي.
إن الاستيلاء على ثروة العراق النفطية ضمن بأنّ الدخول السريع لرأس المال الأجنبي قد أمّن عليه من ضريبة الدخل العراقية أي انه نفّذ مع ضمان المناعة من الخسران.
في اليوم نفسه الذي أوجدت فيه "سلطة الائتلاف المؤقّتة" وقّع بوش الأمر التنفيذي 13303 الذي أعفى بموجبه صندوق تطوير للعراق DFI – الوكالة التي أسست لتوزيع عقود إعادة البناء - من كلّ الإجراءات القانونية والإشراف القضائي. وبهذا منح الأمر مناعة لـ"سلطة الائتلاف المؤقّتة" عمليا من الادعاء والتدخل القضائي.
"سلطة الائتلاف المؤقّتة" لم تبقِ على أية قوائم أو تسجيلات للشركات التي نالت عقودها، ولم تمتلك أي نظام لقياس كمية النفط الذي صدّر والى من بيع. لقد خوّل المسئولون بتوزيع دخل النفط مع جزء من نظام كافٍ يمكن من خلاله المراقبة أو المحاسبة أو بدون هذا النظام.
الولايات المتّحدة أخّرت بتعمد واضح إنشاء مؤسسة لمراجعة وتدقيق الحسابات، وبعد ذلك رفضت التعاون مع تحقيقاتها. وبعد أحد عشر شهرا كاملة من سيطرة "سلطة الائتلاف المؤقتة" على الاقتصاد العراقي عيّنوا ستيوارت بودين وهو شريك مقرّب من بوش لتدقيق حسابات السلطة. وكان يودين قد خدم في مكتب بوش في تكساس في أوائل التسعينيات وأصبح أخيرا أحد موظفي البيت الأبيض.
على الرغم من الحقيقة بأنّ كفة التدقيق سارت لمصلحة "سلطة الائتلاف المؤقّتة" فان تقارير التدقيق من الأمم المتّحدة والولايات المتّحدة التي ظهرت في النهاية لا تزال تقرأ مثل كتاب دراسي عن احتيال محاسبة متعلّق بالشركات.
الإيرادات النفطية العراقية سلمت إلى "سلطة الائتلاف المؤقّتة" نقدا على شكل أوارق من فئة 100 دولار، كل حزمة فيها 100,000، ووصف مسؤول في "سلطة الائتلاف المؤقتة" كيف وزّع النقد على المقاولين باليد من الشاحنات. إن قيام هذه السلطة بتوزيع المال نقدا مكنها من توزيع أموال إعادة الأعمار بدون ترك أية إثباتات ورقية.
وفي مراجعة واحدة وجدت دفعة مقدارها 794£ مليون باون، هذه الأموال سلمتها هذه السلطة إلى الحكومة الإقليمية الكردية ودخلت تحت بند "مدفوعات بالتحويل". وقد أصرّت السلطات الكردية على أنّ المال لم يصرف بعد لكن لا تستطيع أن تبين أيّ دليل لدعم هذا الادعاء.
وقد سلط عليها الضوء كثيرا وكل التقارير تشير إلى أنّ هذه الدفعة سلّمت بمروحيات بلاكهوك إلى ساعي في المدينة الكردية أربيل ثم اختفت بعد ذلك، وعلى ما يبدو لم يهتم احد بتسجيل اسم الساعي الذي استلم المبلغ!!.
في تدقيق آخر وجد أن 37 عقدا أقيامها أكثر من 105£ مليون لم يعثر على ملفاتها التعاقدية. وحالة أخرى تم دفع مبلغ1.7£ مليون مقدما من مستشار في السلطة بدون أي تخويل رسمي.
وفي حالة أخرى أيضا لم يمكن تفسير صرف مبلغ 346,000£ مليون من المشرفين الأمريكان على وزارة الصحة العراقية. إن ما مجموعه 7 مليار دولار من صندوق التطوير من الأموال العراقية لا يمكن تفسير صرفها بشكل صحيح.
وقد اشتكى رجال الأعمال العراقيون بأنّهم دفعوا رشاوى كبيرة "لوسطاء" لمجرد أن يسمح لهم بتقديم عروضهم للعقود. كذلك الرسوم والرشاوى الروتينية التي طلبها مسؤولو السلطة المؤقّتين أشاعت ثقافة الفساد المتعلّق بالشركات.
إن انعدام الوثائق الأساسية وغياب المراقبة وشيوع ثقافة منح الرشاوى النقدية التي ظهرت داخل "سلطة الائتلاف المؤقّتة" خلق أجواء خصبة لانتشار الجريمة المتعلّقة بالشركات.
حقائب النقد!!
في أحد أكثر الحالات المبلغ عنها فان الشركة العسكرية الخاصّة Custer Battles جمعت 8.5£ مليون من توفير الأمن لشركة طيران العراق المدنية. هذه الشركة كانت إحدى مئات الشركات التي أنشأت بشكل محدّد لكي تحصل على شريحة من غنائم الحرب. هذه الشركة أسّسها Mike Battle و Scott Custer، كما يعتقد بأنه سليل الجنرال جورج كوستر المعروف في معركةLittle Big Horn fame عام 1876 م.
احد المسؤولين في "سلطة الائتلاف المؤقتة" قال أثناء الإدلاء بشهادة أمام لجنة مجلس الشيوخ الأمريكي: انه طلب من كوستر أن يجلب حقيبة لحمل نقودهم من السلطة. والتقط صورة مبتسمة لاثنين من مسؤولي الشركة وهما يحملان حقائب من القماش الخشن تحتوي على ما يقرب 1.1£ مليون من مال النفط العراقي. Custer Battles لم تنفذ العقد الذي تعاقدت عليه بتاتا لكنهم هربوا مع النقد لكي يستعملونه بدلا من ذلك لإقامة ثكنة لإسكان العمّال المستوردين الرخيصين الذين استأجروا من الخارج إلى الشركات الغربية الأخرى.
المبالغة بالأرقام أكثر من اللازم كانت روتينية في عقود إعادة البناء.
تدقيق للعقود شمل كل من Kellogg, Brown and Root’s KRB لإعادة تأهيل حقول النفط العراقية وجدت أن 61£ مليون هي “ كلف عالقة ” (إنفاق لم يفسّر أبدا). في عقد واحد لشركة KBR كلفت الجيش الأمريكي أكثر من 15.3£ مليون لنقل الوقود من الكويت بما قيمته 46,500£ مليون، هذا كان مجرّد نموذج واحد في سلسلة طويلة من التدقيق الذي كشف تناقضات بقيمة ملايين الدولارات.
الشركة التي تورّطت في التعذيب في أبو غريب (CACI الدولية) اتهمتها دائرة الحسابات العامة الأمريكية لحسابها آلاف الساعات لمستخدمين وهميين وأعمالا وظيفية أخرى للمبالغة في المجموع الكلي للأجور. جيوش شبحية من المستخدمين في كل مكان في العراق وقوائم رواتب مبالغ فيها أصبحت مسألة روتين هناك!!.
فساد المؤسّسات في العراق المحتل كان تماما وببساطة تقنية الهيمنة التحرّرية الجديدة!!. الاحتلال الاقتصادي استعمل الاحتيال والفساد للضمان على الاحتلال الاقتصادي، بالطريقة نفسها تماما في التعذيب والاغتيال يستعملان لإدامة الاحتلال العسكري.
احتلال العراق كان فعلا وحشيا من العنف الإجرامي لبوش وبلير. وجريمة الحرب هذه عززت كجريمة اقتصادية منظمة قامت بها حكومات الاحتلال وشركاتها.
بوّابو بغداد!!
الجزء الأكبر من مليارات الدولارات من أموال إعادة البناء في العراق أنفقت على المقاولين الأساسيين الأمريكيين. وهم: Kellogg- Brown and Root-(تابعه لهالبرتون)- Parsons Delaware- Fluor Corporation- Washington Group- Bechtel Group- Contrack International- Louis Berger- Perini. يعمل هؤلاء المقاولون الأساسيين كـ"البوّابين" الذين يسيطرون على الدخول إلى السوق العراقية.
تقريبا كلّ المندوبين الأجانب في مؤتمر إعادة البناء في العراق 2005 الذي عقد في الأردن كانوا يتعاقدون مع المقاولين الأساسيين الأمريكيين بدلا من الشركات العراقية. وطبقا للوفود البريطانية لم تعقد صفقة واحدة مع رجال الأعمال العراقيين طيلة أيام المؤتمر الأربعة.
عندما أنهى وليام لاش وكيل وزير الخارجية الأمريكي للتجارة تقديمه إلى مؤتمر عام 2005 واجهه السيد أسعد الخضيري رئيس إتحاد المقاولين العراقي الذي ألقى باللوم على الاحتلال للضرر الذي ألحقه بالاقتصاد العراقي واشتكى بأنّ “ الإغراق في الإنتاج من الخارج ” أجبر 25,000 عمل تجاري محليّ على التوقف.
المبالغ والشركات!!
4.5£ مليار قيمة العقود التي منحت لـ Halliburton وتابعتها Kellogg، و Brown and Root في العراق لعام 2003.
1.4£ مليار أرباح شركة Moeller Maersk لعام 2004، وهي الشركة الدانمركية التي منحت عقدا لإدارة محطة نفط العراق الرئيسة فطردت العمّال المحليّين العراقيين واستبدلتهم بالعمال الأجانب!!.
386£ مليون قيمة العقود التي منحت لـ مجموعة Bechtel، العقود النهائية لهذه الشركة في العراق ستبلغ 56.7£ مليار لكي تدفع من الإيرادات النفطية العراقية.
الكاتب: Dave Whyte محاضر في علم الإجرام في جامعة ستيرلنج.
لقراءة النقد من الفوضى وهي تقاريره عن الجريمة المتعلّقة بالشركات في العراق:
انظر: www.dass.stir.ac.uk/staff/d-whyte/davewhyte.php
المصدر: www.socialistworker.co.uk/article.php?article
الهيئة نت
10/2/2006
الشركات تنهب العراق.. حقائق وأرقام مخيفة!!.. ترجمة: كهلان القيسي
