يبدو أن مظاهرات الشعب العراقي بدأت تثمر حين أسمعت العالم ـ رغم تعمده التظاهر بالصمم ـ صوتها الرافض للاحتلال وحكومته التي شارفت على الانهيار من كثرة تخبطها وهي تدور في حلقة الإفلاس واللاموضوعية.
حكومة المالكي فاقدة الشرعية تحسب أنها تستطيع أن تزعزع إرادة الجماهير حينما تختلق الأخبار وتؤلف المواقف وتكذب على لسان المقاومة العراقية، وتحسب أيضًا أنها تحقق بذلك إنجازًا بصنع فجوة بين المقاومة وحواضنها، دون أن تدرك أنها أوقعت نفسها في خطأين جسيمين، هما توقيت الكذبة غير المناسب بالمرة، والجمع بين متناقضين لا يمكن جمعهما بحال من الأحوال.
خرج علينا أمس واحد من أبواق هذه الحكومة وهو وزير لما تسمى "وزارة الدولة لشؤون المصالحة" بفرية حاول إلصاقها بفصائل المقاومة العراقية مفادها: أن "ستة فصائل عراقية مسلحة أعلنت التخلي عن السلاح والانضمام إلى العملية السياسية"، ولم يدر بخلد عامر الخزاعي هذا أنه حين يتناول موضعًا له أواصر متينة تربط بين الفصائل والجماهير عليه أن يكون حذرًا، لأن الكلمة الواحدة ضد فصيل ما تقابلها عشرة كلمات عند الجماهير، لكن الإفلاس حين يصل ذروته لا يعمي البصيرة فحسب وإنما يتجاوز ذلك إلى زوال العقل وخمول الروح.
تحسب حكومة المالكي أنها تلعب في الزمان والمكان المعينين وذلك بأن تحاول إيهام الجماهير أنها تقوم بتحقيق ما تسميها "المصالحة" في محاولة لإسكات الغضب الشعبي الكبير والثورة العراقية الجيّاشة التي انطلقت منذ الخامس والعشرين من شهر شباط الماضي وما تزال مستمرة بكل مظاهره حتى اللحظة، بل وتزداد يومًا بعد يوم من حيث توجهاتها وأفكارها ودعوات التحشيد لها، ومن سوء حظ تلك الحكومة أنها لم تصطدم إلا مع المقاومة التي ما بدلت كلمتها أو تزحزحت عن موقفها مذ انطلقت، ولهذا جاء الرد سريعًا من قبل الفصائل سواء في جبهة الجهاد والتغيير أم في المجلس السياسي للمقاومة، وليس هو رد سريع مجرد وإنما يدل على أن الفصائل على أهبة الاستعداد للمواجهة السياسية ضد مشاريع الاحتلال كما هي مستعدة للمواجهة المسلحة ضد قواته، ومن حق المقاومة أن نشير إلى أحد بياناتها التي تحمل بين سطورها قوة وشكيمة ورباطة جأش، فهذا بيان جبهة الجهاد والتغيير يقول: [ في محاولة خائبة لصرف الأنظار عن الغضب الشعبي العارم المطالب بطرد الاحتلال وأعوانه الفاسدين العابثين بأمن العراق، السارقين لثرواته، خرج علينا اليوم ما يسمى بوزير الدولة لشؤون المصالحة الوطنية معلنا إلقاء بعض الفصائل المسلحة لسلاحها والتحاقها بركب عمليتهم السياسية الفاسدة.
إننا إذ نؤكد بأن هذا الإعلان لهو دليل عمليّ على إفلاس حكومة المالكي وتخبطها، فإننا نعلن بأن هذا الموضوع لا يعنينا من قريب ولا من بعيد، وإننا ماضون على درب الجهاد، لا يضرنا من عادانا ولا من خذلنا، حتى يمكننا الله بظفر مبين، أو يمنّ علينا بالشهادة. ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ] موقف يعبر عن مبدأ ثابت وكلمة واحدة ومسار مستقيم، ويعطي وصفًا دقيقًا لحقيقة دوافع الحكومة التي تقف وراء إطلاق فرية كهذه.
إن التحليل المنطقي لهذا المشهد يدور حول قيام المالكي بصنع جبهة جديدة، ليصرف النظر عن جبهات أخر ويخفف الضغط الجماهيري المتواصل المطالب بزوال حكومته وما وافقها من مشاريع الاحتلال ، ولعل قيام الشعب العراقي بالاستعداد والتحشيد ليوم التاسع من نيسان المقبل يعد ضربة كبرى موجهة وذات مدى وأثر ضمن إطار الانتفاضة والثورة، ولكن جبهته هذه التي أراد من خلاها تخفيف وطأة الشعب المتزايدة زادت الموضوع تعقيدًا عليه في وقت زادته وضوحًا بالنسبة للعراقيين، إذ أن الجمع بين المقاومة والعملية السياسية لا يقول به عاقل، كما أن العراقيين الذي خبروا العملية السياسية على مدى العوام الثمانية الماضية يدركون أن لا مصالحة ولا إصلاح إلا بخروج الاحتلال وزوال مشاريعه، ولهذا خرجوا إلى الشوارع مطالبين بذلك فكانوا على الخط الموازي للمقاومة كل حسب اختصاصه.
على المالكي أن لا يرهق نفسه أكثر مما هي مرهقة، فهذه الجولة التي حاول المناورة بها فاشلة، ولا تصلح حتى لأن تعلن، ولكن الله تعالى بحكمته يفضح الأفاكين بصنع أيديهم، وفي هذه بشارة وبراعة استهلال للشعب العراقي بأن ثورته ماضية في الاتجاه الصحيح، وقد حققت العديد من أهدافها، ومن أبرز مظاهرها زعزعة الصف الحكومي وتخبطه، وعليه أن ينتظر خلال الأيام القادمة ليشاهد ويسمع من الحكومة مناورات خائبة أخرى يسلي بها نفسه وهو يواصل الصبر والكفاح.
وماذا بعد إفلاس حكومة المالكي ؟...جهاد بشير
