كان العراق على العموم، وبغداد على الخصوص العمود الفقري للحياة العلمية في تاريخ الإسلام، ومن إلقاء نظرة سريعة في صفحات كتب التراجم عندنا نجد ان ما يربو على ثلاثة أرباع العلماء من العراق،
او ممن تلقوا العلم في معاهد العلم التي فيه، والثلث الأخير لسائر الأمة، فإذا ذكر الفقه فإن اثنين من ائمة المذاهب الاربعة من العراق هما ابو حنيفة واحمد بن حنبل، وثالثهما الشافعي الذي تلقى العلم في معاهده، فلم يبق الا مالك، الذي كان لتلميذي ابي حنيفة، أبي يوسف ومحمد –وهما عراقيان- بصمات واضحة وقوية في فقهه واصوله، وان ذكر مقام الاحسان فإن اهم قطبين من الاقطاب الاربعة للتربية والسلوك، عبد القادر الكيلاني، واحمد الرفاعي من العراق، وفي النحو وعلوم اللسان العربي مدرستان لا ثالثة لهما هما مدرستا الكوفة والبصرة، ووارثتهما بغداد.
واذا كانت مكة المكرمة القبلة الاولى، والمسجد الاقصى ثاني القبلتين للمصلين، فإن بغداد كانت قبلة للعلماء وطلاب العلم من شتى اصقاع الدنيا، ذكر ابو بكر بن العربي في كتابه احكام القرآن، حكاية عن التحصيل العلمي، والرقي الفكري لعامة الناس لا للعلماء فقط في بغداد في عهود الازدهار الاسلامي، واقتبسها منه القرطبي في تفسيره، فقالا: كان أبو الفضل المراغي (1) يقرأ بمدينة السلام (2) ، وكانت الكتب (الرسائل) تأتي إليه من بلده، فيضعها في صندوق ولا يقرأ منها واحدا مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه ويقطع به عن طلبه، فلما كان بعد خمسة أعوام وقضى غرضا من الطلب وعزم على الرحيل، شد رحله وأبرز كتبه وأخرج تلك الرسائل، فقرأ فيها ما لو أن واحدا منها يقرؤه بعد وصوله ما تمكن بعده من تحصيل حرف من العلم، فحمد الله عز وجل ورحل على دابة متاعه، وخرج إلى باب الحلبة طريق خراسان، وتقدمه المستأجر بالدابة وأقام هو على خباز يبتاع منه الخبز، فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لخباز آخر: أما سمعت العالم - يعني الواعظ – يقول: أن ابن عباس –رضي الله عنهما- يجوز الاستثناء (3) ولو بعد سنة، لقد اشتغل بذلك بالي منذ سمعته فظللت فيه متفكرا، ولو كان ذلك صحيحا لما قال الله تعالى لايوب: {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} [ سورة ص: 44 ] (4) وما الذي يمنعه من أن يقول: قل إن شاء الله ! فلما سمعه يقول ذلك قال: بلد يكون فيه الخبازون بهذا الحظ من العلم وهذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة ؟ لا أفعله أبدا، واقتفى أثر المستأجر وحلله من الكراء وأقام بها حتى مات –رحمه الله-
وما هذه الحادثة الا مرآة تعكس لنا مدى النضوج العلمي، وعمق ثقافة المجتمع البغدادي في الماضي السحيق، حيث لم يمنع الخبازين انتماؤهم الى الطبقة الكادحة ان يجروا حوارا شيقا وماتعا حول قضية علمية، وان يرد خباز على حبر الامة وترجمان القرآن رأيه، وان يقيم الحجة على ذلك، وكأنه مجتهد من المجتهدين، لا يفرق عنهم، فلتسمع الدنيا!!
واذا كانت مكة المكرمة العاصمة الروحية الاولى، والمدينة المنورة العاصمة الروحية الثانية والعاصمة السياسية الاولى، ودمشق العاصمة السياسية الثالثة بعد المدينة والكوفة، فإن بغداد العاصمة العلمية للامة وللعالم بالامس بلا منازع، وظلت محافظة على مركزها العلمي ولم تخل في زمن من الأزمان من حركة علمية فيها. وفي العصر الحديث -وبحسب منظمة اليونسكو- فإن التعليم في العراق في عام 1977 م يضاهي التعليم في الدول الاسكندنافية، واعترفت الأمم المتحدة عام 1979م بأنّ العراق خرج من منظومة الدول النامية وانه من الدول التي سوف تصنف في عداد الدول المتقدمة، وبنت نتائجها على أسس الدولة العراقية التي وصلت إليها في ذلك الوقت والمتعلّقة بالخدمات والصحة والتعليم والاقتصاد والتصنيع والزراعة، وان ثالث ثلاثة اهداف لعدوان عام 2003 م على العراق واحتلاله هو وجود اكثر من عشرين الف عالم عراقي يشكلون عماد النهضة الصناعية للبلد والامة، اما الهدفان الآخران فهما امن الكيان الصهيوني، والنفط، وقد وجه جيمس بيكر، وزير الخارجية الامريكي السابق بإسم بلاده تهديدا الى العراق، اثناء ازمة الكويت باعادته الى عصر ما قبل الصناعة، ونفذت امريكا تهديدها فضربت البنية التحتية للعراق، وما علاقة الماء والكهرباء والخدمات الاساسية للمواطن باحتلال الكويت؟! ولماذا يقصف جسر يبعد مئات الاميال عن جبهات القتال واشباهه؟! ثم تممت مهمتها قبيل الاحتلال وبعده، بضرب نسيجه الاجتماعي، واذا كنا نركز على الحياة العلمية في العراق، فإن العراق نجح في القضاء على الأمية عام 1991 م ، اما اليوم في عهد الاحتلال فإن ربع سكانه اميون، والمتوقع ان يكون 50% منهم اميون في عام 2015 م ان بقيت الاوضاع على ما هي عليه، واعلن كيل وزارة التربية الحالية: ان العراق يسير نحو الأمية. هذا فضلا عن هجرة العقول العراقية الى الخارج، والتصفيات الجسدية المنظمة للكفاءات العلمية.
ان بغداد، العاصمة العلمية للعالم بالامس تبكي اليوم، وتشكو الامية والجهل والفقر والمرض، وهي من اهم الاسباب التي سرعت في قيام ثورة 25 شباط الشعبية، كما انها تشكل عامل دفع مستمر للثورة حتى تحقق انتصارها الحاسم والنهائي، وتلبى مطاليبها، وفي مقدمتها في هذا المجال:
- انقاذ النظام التربوي والتعليمي من السقوط.
- وايقاف المذابح التي تتعرض لها الكفاءات العراقية.
- وتذليل العقبات امام عودة العقول المهاجرة.
- والشروع في ثورات عدة، وعلى كافة الصعد: منها الثورة العلمية، والثورة الثقافية، والثورة الصناعية، والثورة الزراعية، وغيرها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نسبة إلى المراغة، وهي بلدة مشهورة من بلاد أذربيجان.
(2) أي يتلقى العلم فيها، ومدينة السلام بغداد، سميت بذلك لان دجلة يقال لها وادي السلام، وقيل: سماها المنصور بذلك تفاؤلا بالسلامة. وتسمى أيضا دار السلام على التشبيه بالجنة.
(3) المراد الاستثناء في الحلف فيزيد الحالف عبارة (ان شاء الله) بعد الحلف، فتحله او تكون بديلا عن الكفارة كما في حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حلف فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك غَيْرَ حِنْثٍ " قال ابن عباس: يدرك الاستثناء اليمين بعد سنة، او يدركه ابدا، وتابعه على ذلك بعض اهل العلم، ودليلهم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } [الفرقان : 68] ، فلما كان بعد عام نزل: { إِلَّا مَنْ تَابَ} [الفرقان : 70] ويمكن الاستدلال له بقوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف : 23 ، 24] وقيل: له أن يستثني ما دام في مجلسه. وقيل: يستثني ما دام في ذلك الامر. وهو رأي مرجوح لكنه يدل على شدة تمسك القائلين به بالنصوص الشرعية الواردة، والاخذ بما بدا لهم منها. والراجح ان الاستثناء ينبغي يكون متصلا باليمين لا منفصلا عنه.
(4) تفيد الآية الكريمة أن أيوب - عليه السلام - قد حلف أن يضرب شيئا وأن عدم الضرب يؤدى إلى حنثه فى يمينه، أى : إلى عدم وفائه فيما حلف عليه ، فنهاه الله - تعالى - عن الحنث فى يمينه، وأوجد له المخرج الذي يترتب عليه البر فى يمينه دون أن يتأذى المضروب بأي أذى يؤلمه. وقد ذكروا فيمن وقع عليه الضرب وسبب هذا الضرب روايات منها أن أيوب أرسل امرأته فى حاجة له فأبطأت عليه، فأقسم أنه إذا برئ من مرضه ليضربنها مائة ضربه، وبعد شفائه رخص له ربه أن يأخذ حزمة صغيرة - وهى المعبر عنها بالضغث - وبها مائة عود ، ثم يضرب بها مرة واحدة ، وبذلك يكون قد جمع بين الوفاء بيمينه ، وبين الرحمة بزوجه التى كانت تحسن خدمته خلال مرضه، وتقوم بواجبها نحوه خير قيام.
عراق الحضارات يشكو الامية المستفحلة فيه... د. ثامر براك
